أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - راتب شعبو - سجين جواز السفر














المزيد.....

سجين جواز السفر


راتب شعبو

الحوار المتمدن-العدد: 6403 - 2019 / 11 / 8 - 22:02
المحور: كتابات ساخرة
    


ذلك الكوريدور الطويل ذو السقف العالي والذي يحده من الشرق مهاجع السجناء السياسيين ومن الغرب يفصله عن العالم حائط كتيم من الاسمنت المسلح، ذلك الكوريدور الذي يبدأ بباب حديدي ضخم يفصله عن مفرزة الشرطة وتستقر عليه بهدوء تام صورة الفارس الذهبي، وينتهي بباب حديدي مشابه، ولكنه لا يحمل أي صورة، يفصله عن المطعم الذي يمارس فيه السجناء الأكل، ذلك الكوريدور كان المكان الذي احتضن اللحظات الأولى لولادة رعب لا قرار له في نفس أبي أحمد. وأبو أحمد هذا، الذي لن ينسى طوال حياته لحظات الرعب تلك، هو رئيس مخفر في إحدى قرى إدلب، أو للدقة، يجب أن نقول إنه (كان) رئيس مخفر في إحدى قرى إدلب، قبل أن تأمره نفسه بالسوء ويغريه الطمع فيقبل أن يخالف القانون ويتساهل في تزوير جواز سفر مقابل مبلغ من المال، الأمر الذي أوصله إلى سجن دمشق المركزي، وتحديداً إلى جناح السياسيين فيه.
لم يتمكن أبو أحمد من استيعاب هذه الحال الجديدة رغم أن عناصر الشرطة لم يقصروا في إظهار معاملة تمييزية له على اعتباره من نفس السلك، حتى أن أبا حسين، رئيس المفرزة، سمح له أن يستلم طعامه من المطعم وأن يأكل في المهجع. وهذا كان في حينها امتيازاً لا يحصل عليه أي كان. لكن كل ذلك لم يكن يعني لأبي أحمد شيئاً، حيث كانت مشكلته في قلبه الذي يكاد ينفجر من ضغط الجدران ومن عدم قبوله أن يكون في المكان "الخطأ". كيف يمكن أن يقبل "رئيس المخفر" أن يُحشر هكذا مع هؤلاء الناس الذين يتصرفون وكأنهم خُلقوا للسجن. أما هو فقد خلق ليكون آمراً على مستوى عال، مستوى لا ينزل دون مستوى رئاسة المخفر.
قرفص أبو أحمد على أرض الكوريدور في أقرب نقطة إلى مفرزة الشرطة، وراح يتأمل الكائنات التي تتحرك في الكوريدور. ناس بثياب كالحة اللون يخرجون ويدخلون من المهاجع وإليها. يخرج أحدهم وبيده علبة صغيرة مملوءة ببذر الزيتون ويختار بعناية منطقة من الكوريدور لكي يجلس ويبدأ بحفّ البذور على الحائط. يخرج اثنان وهما منهمكان في حديث بجدية بالغة وكأن مصيراً هاماً يتوقف على نتيجة حديثهما. ثم ترى رجلاً متوسط العمر يخرج ببطء ويمشي في الكوريدور جيئة وذهاباً وهو يدخن ويرسل نظراته حيناً إلى السقف وحيناً إلى الأرض، وأحياناً يلقي بزهو نظرة على نفسه. لكن أكثر ما لفت نظر أبي أحمد وزاد في غربته عن المكان الذي أُلقي فيه هو العجوز الثمانيني الذي يحمل في يده مجموعة أوراق ويدخل إلى مهجع ثم يخرج منه بعد قليل ليدخل إلى مهجع آخر وهكذا. في الواقع كان هذا الرجل من السجناء الشيوعيين القدامى، وكان يسجل طلبات المساجين من الخضار للفاتورة القادمة. شعر أبو أحمد أنه في مكان غريب بين أناس غرباء الطبع وأنه لا يجمعه معهم شيء ولا يريد أن يجمعه معهم مكان واحد. وابتدأ يشعر بضيق من النوع الخانق.
بعد قليل اقترب منه أبو مالك، وهو من أهالي السجن القدماء ومن أبناء محافظة إدلب أيضاً. وكان أبو مالك قد عرف أن أبا أحمد من إدلب وأن تهمته هي تزوير جواز سفر.
- السلام عليكم
- وعليكم السلام. رد ابو أحمد وهو ينكمش على نفسه أكثر.
بعد دردشة طويلة اطمأن قلب أبي أحمد لأبي مالك، فبادره بالسؤال الذي يثقل على نفسه منذ حين:
- يا ترى العجوز اللي حامل وراق هونيك أشقد صارلو بالسجن؟
- هادا صارلو 15 سنة.
- يا لطيييييييييف .. 15 سنة؟
- إيوالله
- وأشو تهمتو يا خاي؟
- هادا يا سيدي تهمتو تزوير جواز سفر!
تحولت جلسة القرفصاء للتو إلى جلوس صريح على أرضية الكوريدور، وهجمت الدموع على عيني ابي أحمد فجأة، وبينما كان أبو مالك يترك له المجال كي يسبر غور رعبه المستجد، راح أبو أحمد يجاهد كي يبتلع ريقه وهو يتأمل العجوز المنهمك في مهمته.






إطلاق البث التجريبي لقناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
أفلام من أرشيف الحوار المتمدن
أفلام من أرشيف الحوار المتمدن
قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب ترحب بكم
قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب ترحب بكم


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,246,199,953
- سينيكالية سورية ناشئة
- الطيب تيزيني، فيلسوف الأفكار الشائعة 1
- الطيب تيزيني، فيلسوف الأفكار الشائعة 2
- بين سورية ولبنان
- استكشاف معكوس
- ثلاثة رهانات خاسرة في سورية
- تركيا والكرد السوريون
- عن النظام العربي والثورة السورية
- العلمانية، الأفق الممكن
- في ظل الدولة
- في نعمة -العدو-
- تونس، لا خلاص بالأفراد
- تشبيح معكوس لهدف واحد
- لغة الثورة، ثورة اللغة
- الأسد ومخلوف، اهتراء النظام
- خراب الاجتماع الوطني في سورية ولبنان
- ما وراء الطعوم
- قصتنا العسيرة
- في قصة نزاهة الرئيس وفساد الحاشية
- علمانية على هدي الرسول محمد


المزيد.....




- الاتحاد الاشتراكي بزاكورة: - الصدمة كانت قوية-
- صدر حديثًا.. كتاب -سلاطين الغلابة- لصلاح هاشم
- أطباء بلا حدود تطالب بالتخلي عن بعض قيود الملكية الفكرية لإن ...
- تونس: مسرحية تلقي الضوء على معاناة المتحولين جنسيًا في مجتمع ...
- بعد الأردن الشقيق: على من الدور القادم ياترى؟
- الغناء والقهوة والنوم.. طريقك للحفاظ على صحة عقلك
- خالد الصاوي يعترف: عضيت كلبا بعد أن عضني... فيديو
- مخبز مصري يحقق أحلام -أطفال التمثيل الغذائي-
- كاريكاتير -القدس- لليوم الأحد
- نظرة حصرية وراء كواليس فيلم لعرض أزياء -موسكينو-


المزيد.....

- فوقوا بقى .. الخرافات بالهبل والعبيط / سامى لبيب
- وَيُسَمُّوْنَهَا «كورُونا»، وَيُسَمُّوْنَهُ «كورُونا» (3-4) ... / غياث المرزوق
- التقنية والحداثة من منظور مدرسة فرانكفو رت / محمد فشفاشي
- سَلَامُ ليَـــــالِيك / مزوار محمد سعيد
- سور الأزبكية : مقامة أدبية / ماجد هاشم كيلاني
- مقامات الكيلاني / ماجد هاشم كيلاني
- االمجد للأرانب : إشارات الإغراء بالثقافة العربية والإرهاب / سامي عبدالعال
- تخاريف / أيمن زهري
- البنطلون لأ / خالد ابوعليو
- مشاركة المرأة العراقية في سوق العمل / نبيل جعفر عبد الرضا و مروة عبد الرحيم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - راتب شعبو - سجين جواز السفر