أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - اسماعيل شاكر الرفاعي - الرسالة والنبوة















المزيد.....


الرسالة والنبوة


اسماعيل شاكر الرفاعي

الحوار المتمدن-العدد: 6285 - 2019 / 7 / 9 - 10:36
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


حفريات ضرورية

3 ـ النبوة والرسالة

" 1 "
النبوة في الأسلام جزء من عالم الغيب الذي يجب على المسلم الأيمان به وعدم التساؤل حول واقعيته . وقد قام بعض الفلاسفة والمتصوفة والمفسرين والمؤرخين بمحاولة تصوير الكيفية التي تتم فيها واقعة النبوة : أي عملية هبوط وحي اسمه جبرائيل واتصاله بمحمد ، اعتماداً على ما رواه محمد نفسه عنها ، أو على ما ورد من تصوير لها في بعض السور القرآنية : فمثلاً بنى المؤرخ الكبير هشام جعيط تحليله لهذه الظاهرة على ما رواه القرآن في سورة النجم : ( والنجم اذا هوى . ما ضل صاحبكم وما غوى . وما ينطق عن الهوى . ان هو الا وحي يوحى . علّمه شديد القوى . ذو مرّة فاستوى . وهو بالأفق الأعلى . ثم دنا فتدلى . فكان قاب قوسين أو أدنى . فأوحى الى عبده ما أوحى . ما كذب الفؤاد ما رأى . أفتمارونه على ما رأى . ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى . اذ يغشى السدرة ما يغشى . ما زاغ البصر وما طغى لقد رأى من آيات ربه الكبرى . سورة النجم ) وما ورد في سورة التكوير ، ومع ما في هذه الآيات من تصوير غامض كما يذكر المؤرخ ص51 ، الا انه يؤكد على ان النبي : رأى " رؤية " وليست " رؤيا " منامية : ( رؤيتان في الواقع الفضائي ـ الزمني واضحتان تمام الوضوح وبالوعي الكامل ص50 ) هذا التأكيد من قبل المؤرخ على حدوث واقعة اسمها : النبوة ، لم يبنه على وثائق واقعية انما على ايمان وتسليم بما رواه محمد عن الغيب . ودائماً يعتمد الأيمان الديني على الحدس والظن وعلى قوة التخيل وليس على شواهد واقعية . ثم انبجس خلاف عريض حول الخطاب القرآني : ان كان قد نزل بالمبنى وبالمعنى نفسه الذي قدّم به محمد القرآن ، أو كان جبرائيل يلقي بحمولته من ربه على شكل اشارات ورموز واصوات يتحمل محمد عناء ترجمتها الى لغة العرب المحكية مستعيناً بلهجاتها المختلفة . ثم رفع المعتزلة صوتهم ياطروحة خلق القرآن . والمعتزلة هم الصوت الأكثر تفتيقاً وابتكاراً لموضوعات اللاهوت الأسلامي ، وقد وصفهم دارسوا لاهوتهم بالعقلانية ، رغم انهم لم يختلفوا عن المذاهب الأخرى في تكفير من لا يتفق مع تأويلهم ، اذ استخدموا القسوة في حمل مخالفيهم على الأيمان بنظرية خلق القرآن ، يوم تسنى لاطروحاتهم الدينية ان تكون مذهب الدولة الرسمي في حكم المأمون العباسي الى عهد حفيده المتوكل . ورغم ان اطروحتهم عن خلق القرآن لم تكن عقلانية بالقدر الكافي الذي تساعد الأنسان على الخروج من عجزه الذي وسمه به الدين الأسلامي وجميع الأديان 2. لا يختلف المعتزلة عن جميع المذاهب الأسلامية في ان اطروحاتهم اللاهوتية تتغذى من الحدس والظن ، وتدور حول اللامثبت ، وغير الواقعي . انهم يبتكرون موضوعاتها اللاهوتية ، ويأخذون جانب الدفاع عنها انطلاقاً من كون نبوة محمد : ارادة وامر لأله موجود وقادر على كل شيء ، وان لا دخل البتة للعوامل الأجتماعية والطموحات السياسية ومواهب محمد الذاتية في تكوين ظاهرة النبوة . فالنبوة في تأويل جميع المذاهب ومنها تأويل المعتزلة : هي الدين ، اذ لولا النبوة لما وجد شيء اسمه الدين الأسلامي .

" 2 "
النبوة من زاوية نظر معرفية : منظومة فكرية ، مجال نشاطها ودراستها عالم الغيب الذي استخلصت منه نبوة محمد : نتيجة ترى بان ادارة الشأن العام في هذه الحياة لا يكون سليماً وصحياً وناجياً من وسوسات الشيطان 3من غير الألتزام بما تقوله المعرفة الغيبية عن الطريقة المثلى في السلوك والأخلاق وادارة الشأن العام في هذه الحياة . تأخذ نبوة النبي قيمتها من قيمة التأثير الذي يحدثه منهجها المعرفي في المجموعة البشرية التي يتوجه اليها الرسول بالخطاب ، والاّ سيكون مصيرها مصير العشرات من الأنبياء الذين جاء القرآن على ذكرهم ، اولئك الذين لم يحدث هذا المنهج المعرفي في أقوامهم التأثير المطلوب ويخلفوا وراءهم ديناً كبيرا معروفاً كالدين اليهودي أو النصراني . ومن هنا ينبع قلق محمد الذي اشارت اليه بعض الآيات القرآنية : خوفه من ان لا يحدث منهجه المعرفي التأثير المطلوب على أم القرى ومن حولها ، وبالتالي لا انتشار لديانته فتذهب أمنياته أدراج الرياح . ومحمد حين يجيء على ذكر الأنبياء الذين فشلت وسائلهم في حمل أقواهم على الأيمان بما جاؤوا به من رؤى دينية ، فأنما لتقديمهم كنموذج جاهز للعذاب الذي سيحل بقريش اذا ما ظلوا على عنادهم في رفض دعوته . قيمة النبوة اذن ليست فردية وانما جماعية : ان يتسلل منهجها الغيبي الى ضمائر وعقول الأكثرية التي تكلفت بمخاطبتها ، وهذا يشير الى ان اختيار القوم سابق لأختيار النبي ، وهم أهم عند رب القرآن من النبي نفسه : ( يا أيها الرسول بلغ ما انزل اليك من ربك وان لم تفعل ما بلغت رسالته ... سورة المائدة : 67 ) لقد اختار رب القرآن العرب كما يقول القرآن لأنه جعلهم أمة وسطاً : ( وكذلك جعلناكم امة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ... البقرة : 134 ) وليتم نشر الوحي من خلالهم الى الناس أجمعين ، ولذلك تم اختيار نبيهم ورسولهم من بين ظهرانيهم ، ليتفهموا مضمون الرسالة قبل المباشرة بنشرها وتصديرها الى الأمم الأخرى : ( وما ارسلنا من رسول الاّ بلسان قومه ... ابراهيم : 4 ) لكن يبدو من تطور أحداث التاريخ ان العرب الذين اختارهم الله لنشر رسالته في جميع أصقاع الأرض ، ظلوا عرابين للتخلف وانتاج الأستبداد والأرهاب ، فيما تحول محمد الى اسم مقدس لا يجوز المساس به ، ليس داخل حدود ما صار يعرف بالعالم العربي والأسلامي ، فذلك ما تتكفل به دول هذا العالم الأستبدادية بل حتى في قارات بعيدة ، اذا ما تناولت فنونهم الحديثة شخصية محمد . لا تتحرك عقول المسلمين اليوم للمشاركة في ايجاد الحلول للقضايا الكبرى التي تهم جميع أمم الأرض ، كقضايا التغير المناخي او تطور العلوم الطبيعية ، أو حتى ابتكار تكنولوجيا لما يواجههم من تصحر . ولا شأن لهم بمناقشة مسائل حيوية تتعلق بالمسار الأقتصادي للنظام الرأسمالي القائم ، وما انتجه من تفاوات رهيب بين مراكزه الأولى وبين شعوب الأرض ، او ما انتجه من تفاوت طبقي صارخ داخل البلد الواحد بين من يملكون كل شيء ، وبين من يعيشون على الفتات الذي تلقي به موائد المالكين من الساسة والفقهاء والجنرالات . حدث ذلك ويحدث لأن المنهج المعرفي الغيبي قد تملك وعيهم تماماً فهم مشغولون بخصوماتهم حول مفردات الغيب التي قرر أهميتها " السلف الصالح " ، ذلك السلف الذي استنكف من وضع قواعد ذهبية للعيش الصالح ، ولم يناقش مسألة العدالة على الأرض واستعاض عنها بمناقشة مسألة العدالة الآلهية ، كما لو كان الله الاهاً عنصرياً زودهم بشريعة سرقة جهد الشعوب الأخرى ، وعلمهم ان العدالة الأرضية تعني عدالة توزيع الغنائم المنهوبة من الشعوب الزراعية التي فتحوها : عليهم وحدهم او على المقاتلين في الجهاد والفتوحات . وعلى مستوى الشعور الأنساني : فقدوا القدرة حتى على التعاطف مع مواطنيهم الذين القت بهم الحروب الأهلية الجارية على هامش الحياة في مخيمات النزوح الفاقدة لأبسط مستلزمات العيش الكريم . لقد ظل هؤلاء النازحين خبراً ، تشير الى وجوده وسائل الأعلام حين يحوله ساسة بلدانهم الى موضوع للمزايدة الأنتخابية . منهج الديانة الأسلامية غيبي تقوم اصوله على الأيمان بالغيب الذي بلغتهم به نبوة محمد : الأيمان بأله متعال هو الخالق لهذا الكون وهو المهيمن وهو العارف بكل ما يجري فيه ، لا موت لا حياة من دون أذنه ، والأيمان بوجود البعث ويوم الحساب والجنة والنار والملائكة والأنبياء والرسل السابقين على نبوة محمد وبما جاؤا به من كتب " مقدسة " . وحين تفقه العرب أو تفقه لفيف منهم هذه الديانة انصب جل اهتمامهم الفكري على هذا الغيب . لم يشغل الوجود الملموس وعي هذا اللفيف من المفكرين الأسلاميين ، كان كل ما هو عياني وملموس من الأحداث التي جرت بعد الهجرة كحروب الرسول وحروب " الردة " وحروب الفتنة الكبرى وحروب الفتح ، وتحويل شعوب البلدان المفتوحة الى شبه عبيد ينتجون لصالح الأمبراطورية الأسلامية ، كل ذلك كان قد جرى لأن مشيئة الله ارادت له ان يقع ، ولا دخل للأنسان فيه اذ انه مكتوب منذ البدء في اللوح المحفوظ . اذن يكون من السذاجة الفكرية أو الفقهية الأهتمام بالعدالة الأرضية ، أو بالتساؤل عن شرعية ضريبة الخراج وحرمان الشعوب المنتجة من التصرف بانتاجها . هكذا يسد المنهج المعرفي للأنبياء الأبواب أمام التفكير بالعدالة على الأرض ، ويفتح الابواب امام الجهد الفكري المكرس لخدمة عالم الغيب ، ووضع التعريفات اللازمة لكل ما جاء به منهج الأنبياء من ظواهر غيبية على انها : أصول الديانة . لقد خلف لنا ذلك النشاط الفكري الذي دار حول عالم الغيب : اطناناً من الكتابات التي لا ينتفع بوجودها اليوم في حل المشكلات العويصة التي تواجه المسلمين وعموم البشرية ( خذ على سبيل المثال مسألة الكهرباء في العراق وقارنها بفعاليات الدولة الغيبية التي تصرف فيها مليارات الدولارات ) لا الكتب التي وضعت من أجل تأصيل الديانة ككتاب الأم أو الرسالة أو الموطأ ، ولا مساند الحديث الصحيح للبخاري او لأحمد . لقد تجاوزت النظم السياسية والفكرية ومناهج التربية الحديثة كل ما جاءت به كتب اللاهوت والمدن الفاضلة من نظم ومناهج تربوية ، وتجاوزت معطيات الأقتصاد الرأسمالي العالمي الحديث معطيات الأقتصاد الزراعي والرعوي ، فاقتصاد اليوم يقوم على مفاهيم الأنتاج والمنافسة المسترشدة بالبحوث العلمية التي لا يقيد حركتها البحثية قول أو نص ديني . وقد انتجت من المفاهيم الأنسانية كحقوق الأنسان ، والمفاهيم السياسية كمفهوم المواطنة ما لا يمكن مقارنته بمفاهيم الولاء القبلي والطائفي كمفهوم " الولاء والبراء " .

" 3 "
عقب قرنين وربع القرن من اكتشاف المسلمين للتفاوت الكبير الذي يفصلهم عن اوربا ، اثر انهزام حكام مصر المماليك أمام جيش نابليون عام 1798 ، يرتفع صوت الاصلاح مجدداً مشوباً هذه المرة بنبرة اصلاح الخطاب الديني ، فيقترحون علينا رفع هذا الحديث النبوي من مناهج التدريس ، أو تجميد العمل بالآيات القرآنية التي تدعو الى أخذ الجزية أو وقتل المشركين ( حيث وجدتموهم ) ، مع ان كل هذا الذي يريدون رفعه أو تجميده : حمولة تاريخية وليست دينية فقط ، ولا يمكن اسقاط التاريخ عن حركة الدين الأسلامي وجعلها تطفو بعيداً عن ملابسات تاريخها على الأرض . رافق جيش نابليون فريق من العلماء الفرنسيين الذين قاموا بأجراء التجارب العلمية أمام لفيف من علماء الأزهر ، فأثارت هذه التجارب دهشة علماء الأزهر ، كما يقول مؤرخ المرحلة عبد الرحمن الجبرتي4، وجسدت أمامهم الفارق العلمي الضخم بين الفرنسيين والمسلمين ، ولكنها لم تثر شكوكهم حول منهجهم المعرفي الغيبي ، الذي يجعلهم يكرسون جهدهم الفكري لعالم الغيب ، لا لعالم ظواهر الحياة بتجلياتها المختلفة وينساقون في تفكيرهم بعيداً عنها الى حياة متخيلة تقع بعد الموت . لم تولد فكرة الأصلاح الديني بارادة اسلامية داخلية محض بل ولدت فكرة الأصلاح بعد ان طرق الخارج بعنف ابواب هذا العالم ، بمعنى ان المنهج الغيبي الذي تقوم عليه الديانة الاسلامية ، وكل الديانات ، لا يقبل التطور الداخلي الذاتي من غير تدخل خارجي . لم يعقد المؤتمر الفاتيكاني الثاني الا عام 1962 ـ 1965 ، والاّ بعد ان تجذر وجود الدولة القومية العلمانية كواقع لا يمكن زعزعته والعودة به الى ماضي الأمبراطوريات الدينية المقدسة ، فاضطرت الكاثوليكية الى الأعلان في هذا المؤتمر عن : ان الحقيقة ليست حكراً عليهم واعترفت بمفهوم حقوق الأنسان . في العالم الأسلامي لم نقرأ عن فقيه او فيلسوف اسلامي تنبأ بالكارثة التي سيجلبها المنهج الغيبي على العالم الاسلامي ، ولم يعترف أحد منهم بأن العالم الأسلامي جزء من عالم أوسع ، وليس هو كل العالم المسكون . ولم يحرض أحد منهم على ضرورة التخلى عن نظرة الأسلام لباقي العالم كأقوام وشعوب يسكنون دار الحرب التي أباح لهم الله فتحها وهداية شعوبها . بل ان الحركات الأسلامية التي ولدت بعد سقوط بغداد 1258وأخذت بعداً مذهبياً جديداً كان نقدها الأساسي الذي وجهته الى المذهب السّني الرسمي مستلاً من الترسانة الغيبية ذاتها باتهامه بالأهمال والتقاعس حيال أخذ الجزية من " أهل الذمة " ، وحيال ظواهر الحداثة وفعالياتها المختلفة وسط المجتمعات الأسلامية . وتتحمل هذه الحركات جزءاً كبيراً من مسوؤلية التخلف حين اعادت احياء الجهاد كالتزام ديني ولم تضف اليه ما أضافه العصر للقوة الأوربية الجديدة : قوة العلم وتجاربه على ظواهر الحياة وليس على ظاهرة الحياة ما بعد الموت . ولدت فكرة الأصلاح اذن بعد ان طرق الخارج ابواب العالم الأسلامي واحتلت جيوشه بلدان شمال أفريقيا ومصر وقبلها امارات الخليج وكل ما يقع في الطريق الى الهند . كانت ظاهرة الأستعمار وما زالت ظاهرة نتجت عن امتلاك ناصية منهج فكري جديد : جناحاه منجزات العلم والتكنولوجيا ورساميل المال وروح المغامرة ولا يمكن لفكرة الأصلاح ان تحل محل امتلاك المنهج العلمي الجديد : منهج ملاحظة ظواهر الحياة ودراستها والتنبؤ بتطورها اللاحق والتحكم بها . هل يمكن اسقاط آيات من مثل " كتب عليكم القتال " والأستعاضة عنها ب " لكم دينكم ولي ديني " المسالمة أو آية : " وجادلهم بالتي هي أحسن " . وتاريخ محمد في المدينة هو تاريخ عنف متواصل :غزوات وسرايا وحروب متعددة . هذا اسقاط لنصف زمن الدعوة المحمدية عمره 10 سنوات ، والغاء لتاريخ العرب في هذه الفترة الهامة التي تأسست فيها دولة لهم لأول مرة في التاريخ : دولة لم تستطع الخروج على شروط عصرها فجاءت على شاكلة دول زمانها لها ضرائبها الخاصة ولها قانونها الخاص ( الشريعة ) الذي تهيكلت في ضوئه العقوبات والقضاء وقرارات الحرب والسلام . اذا كان هذا هو الأصلاح المنشود فسيتم على حساب حجب حقائق تاريخية هامة ، ما كان للأسلام وللعرب ان يكونوا لولاها . وليس بنصف الحقيقة يمكن ان تقوم عملية الأصلاح التي ستقود شئنا أم أبينا الى : تصوير الأسلام على انه مجرد نحلة دينية لمجموعة بشرية أمضت عمرها في قراءة الذكر والتعبد والبسملة . وهذا غير صحيح تاريخياً . الأصلاح الحقيقي الذي لا يقوم على حجب الحقائق التاريخية ، هو اصلاح المنهج الغيبي الذي لا تنفع في اصلاحه الا الثورة عليه : بنفيه ورميه خارج دائرة الوسائل التي يمكن اختيارها لأصلاح احوالنا . أو في الأقل ابعاده من التحكم بحياتنا الأسرية والأجتماعية ، والتحكم بما استطعنا امتلاكه ونريد ان نورثه لمن شئنا ، لا تقسيمه على الورثة بغير عدالة كما ترى نصوص القرآن . وامتلاك أجسادنا بتحريرها من الوهم الغيبي عن وجود شيطان يوسوس لنا ويغرينا . والأعتراف بأننا نمارس الفعل الذي اخترناه من غير الشعور بالذنب ، لم يفرضه علينا أحد من خارج ذواتنا المكتظة بالصبوات المقموعة دينياً . ما فعله اصلاح القس مارتن لوثر لم يقع في دائرة تحرير الأنسان من أوهام نظرية الغيب ووضع تعريف جديد للأنسان من خارج منظومة الدين الفكرية ، انما يمكن القول بأنه ساعد على كسر الخوف الجاثم في الأعماق من عالم الغيب والمقدس . يحلم الكثيرون داخل العالم العربي والأسلامي ان يقوم رجل دين اسلامي بما قام به لوثر في العالم المسيحي . قادت حركة الأصلاح اللوثرية الى حروب أهلية انتهت بمعاهدة وستفاليا عام 1648 وولادة مفهوم السيادة ، أي ولادة الهيكل الذي ستمدد داخله الدولة القومية أو : ألأمة ـ الدولة . لم تنشب حروب المسلمين الأهلية الحالية نتيجة اصلاح ديني قام به أحد الشيوخ ثم هبّت المذاهب الأخرى ـ لمحاربته . لقد صور لنا القرآن الدور الذي لعبته النبوة والذي لا يمكن تعويضه في صناعة الأديان . وهي صناعة وجدت داخل التاريخ وليس خارجه ، ولم تسهم أي من تلك القوى الغيبية التي ذكرها محمد في قرآنه في هذه الصناعة . لقد كان محمد مبادراً ومناوراً واستراتيجياً من نوع فريد في التاريخ . كان بايجاز صانع أحداث ارتج لها المجتمع المكي من أقصاه الى أقصاه وكانت الأحداث التي صنعها : وأولها حدث النبوة ، الذي تحرك في ضوئه داعياً قومه الى نبذ دياناتهم القديمة والأيمان بعبادة الله ، وهو الحدث الأهم الذي تلته مجموعة أحداث يمكن وضعها في دائرة ردود افعال قومه على هذه الدعوة الدينية التي تطالبهم بالتنكر لديانة آبائهم واعادة تنظيم الحياة في مكة تنظيماً جديداً انطلاقاً من الأيمان بوجود الاه واحد هو الله الذي سينهي الحياة يوماً ، ويقوم بمحاسبة الناس في يوم الحساب ، وهو ما فعله محمد في المدينة بعد الهجرة اليها .

" 4 "

في الرؤية الدينية : النبوة بمدلولها العام : توسط في العلاقة بين اله غائب غير مرئي وبين مجموعة بشرية تم اختيارها من قبل ذلك الأله : لتكون الوسط الذي يوجه اليه شريعته واحكامه بلسانها الخاص . واطلق محمد على هذا الأله الغائب : أسم الله الذي تلقى محمد كلماته عن طريق الوحي ( معنىً فقط كما يذهب الى ذلك المتصوفة ومن يرى رؤيتهم من الفلاسفة ، أو معنىً ولفظاً كما تذهب الى ذلك جميع المذاهب الأسلامية الحية )5 . اطلق محمد على الآيات والسور اسم القرآن ( والقرآن في أحد معانيه يعني الجمع والتأليف ) ووصفته بعض الآيات بانه قرآناً عربياً لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه . فالدين الأسلامي وفقاً لآيات القرآن : وحيٌ من قوة علوية صانعة ومبدعة لكل شيء في هذا الكون ، وبالتالي فهي المالكة له والمتحكمة بمصيره . وسيلتها الى تلك الصناعة وذلك الخلق الأبداعي : الكلمة ، بان تقل للشيء كن فيكون : ( بديع السماوات والأرض واذا قضى أمراً فأنما يقول له كن فيكون ) البقرة : 117 ، وتشرح الآية 50 من سورة القمر سرعة هذا الخلق والتكوين : ( وما أمرنا الّا واحدة كلمح بالبصر ) . والأنسان واحد من مخلوقات هذه القوة العلوية ، المحكوم عليه بان يدور في فلكها ، لعجزه عن التحكم بما يدور حوله من ظواهر طبيعية واجتماعية ، ولفقدانه حرية تقرير مصيره الوجودي بنفسه في حالتي : الولادة والموت . لكن الرؤية القرآنية ترى ان بامكان الأنسان حيازة قدرة السيطرة على جميع الظواهر في العالم الآخر والتحكم بها كمكافئة له على ما كرس نفسه له في الدنيا من طاعة الخالق وعبادته ، والدعوة اليه كقوة علوية وحيدة ، لا شريك لها في هذا الملك ، ولا في حفظه ، ولا في وضع نهاية له يوم القيامة . ولكي يكون هذا الأيمان عميقاً وصادقاً لا بد وان يقترن بطاعة النبي محمد : ( ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا ) الفرقان : 26 . عمق هذا الأيمان وصدقه يتجليان في يوم الحساب : ( يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد ايمانكم فذوقوا العذاب بما كنت تكفرون وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون الفرقان : 106 و 107 ) وابيضاض هذه الوجوه يوم القيامة راجع الى فوزأصحابها بجائزة الخلود في الجنة حيث تتلاشى الحدود الفاصلة بينهم وبين خالقهم وهم يرونه عياناً : ( وجوه يومئذ ناضرة الى ربها ناظرة ) سورة القيامة : 22 و 23 وهذه الرؤية العيانية لله تتم نتيجة ارتفاع الحجاب بينهم وبين خالقهم كزيادة في المكافأة كما تقول الآية 26 من سورة يونس : ( للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ... ) وهكذا يمنح الله في الآخرة لعباده الفائزين بالجنة : قدرة استحضار الشيء الذي يتمنونه من غير حلول واتحاد بذاته كما تقول الآية 22 من سورة الشورى : ( والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات ) وفي رياض الجنة هذه ، يصبح ساكنوها كما لو كانوا خالقين ومبدعين ، وهذا ما يتوضح بجلاء في تكملة الآية نفسها : " لهم ما يشاؤون عند ربهم ذلك هو الفضل الكبير "
.....................................................................................................
1 ـ الوحي والقرآن والنبوة للمؤرخ هشام جعيط
2 ـ وصف كانط عصر الأنوار بأنه عملية خروج الأنسان من عجزه .
3 ـ الشيطان موجود منذ البدء في صلب منهج المعرفة الغيبي كطرف طلب ان يكون مشاركاً في تقرير طبيعة البشر ، وسمح له الله بذلك .
4 ـ الجبرتي : عجائب الآثار في التراجم والأخبار
5 ـ يدل القرآن لدى سعيد ناشيد في كتابه الحداثة والقرآن على ثلاث ظواهر : 1 ـ الوحي الرباني ، ما استشعره الرسول وتمثلها من صور وحيانية ، و 2 ـ القرآن المحمدي الذي جاء نتيجة جهد الرسول في في تأويل الوحي وترجمة الأشارات الآلهية الى عبارات بشرية . 3 ـ المصحف العثماني " نسبة الى عثمان بن عفان " وهو ثمرة جهد المسلمين في تحويل القرآن المحمدي ـ خلال مرحلة أولى ـ من آيات شفهية متناثرة الى مصاحف متعددة ، ثم ـ خلال مرحلة ثانية ـ من مصاحف متعددة الى مصحف واحد ...ص18 . وهو يستعين بمفهوم " مصحفة القرآن " لجورج طرابيشي الوارد في كتابه : اشكاليات العقل العربي ، وبكتابات المتصوفة خاصة الحديثة منها : أحمد القبانجي وعبد الكريم سروش والشيخ محمد مجتهد شبستري .





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,688,559,167
- 2 في السيرة
- حفريات ضرورية : 1 خصوصية البيئة الثقافية المكية
- 3 الأستعداد السياسي
- 2 الأستعداد البياني أو الموهبة الأدبية
- حيرة المسلم بين الرؤيتين الدينية والبرلمانية
- هوامش سياسية
- فنجان ثالث من قهوة الصباح
- قهوة صباحية
- اشرف الخمايسي في رواية : جو العظيم
- محنة رءيس الوزراء العراقي الجديد
- ظاهرة يوسف زيدان
- تنبوء ولي العهد السعودي
- ثقافة تزداد تحجراً
- جمال خاشقجي
- قتل النساء
- رءيس مجلس النواب الجديد : محمد الحلبوسي
- تاكل حزب الدعوة
- لا زعامة للثورة البصرية
- ساسة من نوع آكلي لحوم البشر
- مخجل هذا الذي يجري في العراق


المزيد.....




- وزير خارجية السعودية يوضح لـCNN موقف بلاده بقضية -خاشقجي- وخ ...
- استطلاع رأي: 12% من الروس لا يثقون بالذكاء الاصطناعي
- طالبان أكدت مصرع طاقمها.. الجيش الأميركي يقر بسقوط طائرته في ...
- عدوى جديدة تصيب أوروبا
- نهضة خارقة للزراعة في روسيا
- ملك بلجيكا السابق يعترف لأول مرة بابنة جديدة له تجاوزت الخمس ...
- ترامب وأردوغان بحثا هاتفيا ملفي سوريا وليبيا
- الصين تحبذ عدم مغادرة أي أجنبي إقليم ووهان بؤرة تفشي -كورونا ...
- بيان لـ16 دولة عن استخدام -القوة المميتة والمفرطة- في مظاهرا ...
- تداول فيديو سابق لرد عادل الجبير على صحفية تركية بحوار في لن ...


المزيد.....

- الإسلام جاء من بلاد الفرس ط2 / د. ياسين المصري
- خطاب حول الاستعمار - إيمي سيزير - ترجمة جمال الجلاصي / جمال الجلاصي
- حوار الحضارات في العلاقات العربية الصينية الخلفيات والأبعاد / مدهون ميمون
- عبعاطي - رواية / صلاح الدين محسن
- اشتياق الارواح / شيماء نجم عبد الله
- البرنامج السياسي للحزب / الحزب الشيوعي السوري - المكتب السياسي
- الشيخ الشعراوي و عدويّة / صلاح الدين محسن Salah El Din Mohssein
- مستقبلك مع الجيناتك - ج 1 / صلاح الدين محسن Salah El Din Mohssein
- صعود الدولة وأفولها التاريخي / عبد السلام أديب
- الثقافة في مواجهة الموت / شاهر أحمد نصر


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - اسماعيل شاكر الرفاعي - الرسالة والنبوة