أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - راتب شعبو - خيانات مضمرة














المزيد.....

خيانات مضمرة


راتب شعبو

الحوار المتمدن-العدد: 6210 - 2019 / 4 / 24 - 17:00
المحور: الادب والفن
    


رغم مشاعر التضامن ووحدة الحال والمصير، ورغم القرابة الفكرية والسياسية، ورغم الصداقة والرفاقية والمحبة والعيش اليومي المشترك والمديد، كانت النجاة الفردية من العقوبة في ذلك السجن العسكري الرهيب، تشكّل للفرد عيداً نفسياً صغيراً حتى لو شيّد هذا العيد ذاتَه على أصوات عذاب صديق ورفيق وحبيب سقط ضحية الاختيار التعسفي "للرقيب أول".
حين كان يتغلغل "الرقيب أول" بيننا ونحن مصطفين على شكل أنساق، في كل نسق خمسة منكوبين برؤوس منكسة وعيون مغمضة ووجوه تتجه إلى الحائط، كان يختار من بيننا واحداً أو اثنين أو أكثر كي يتحولوا لبعض الوقت إلى موائد للكرابيج. كان يختار من بيننا، نحن الذين تحولنا ثمة إلى لحم بشري مخزون لغرض التعذيب.
لا أحد يستطيع التكهن بمعايير "الرقيب أول". لماذا يقع اختياره على هذا دون ذاك؟ هل هو الطول أم ضخامة الجسد أم لون البشرة أم مكان تواجد الضحية في الصف أم لون الثياب التي يرتدي أم ضخامة الأنف أم غلاظة الشفتين أم الشبه الممكن مع عدو شخصي "للرقيب أول" .. لا أحد يستطيع التكهن. وإذا ما صح تكهن ما فيما يخص "رقيب أول" ما، فإنه لا يصح فيما يخص "رقيب أول" آخر. على هذا لا يمكن لأحد من هؤلاء البؤساء المنكوبين المصفوفين خمسة خمسة أن يستبعد اختياره لحفلة التعذيب.
يدخل "الرقيب أول" بخطى وئيدة مطمئنة بين الصفوف، يتمتم بجمل قصيرة تشي بموقفه السياسي والأخلاقي منا، فنحن لسنا إلا مجموعة من الخونة والمنايك. يضع يده على كتف أحد هؤلاء البائسين المرتجفين ويقول بصوت بارد ومسيطر: اطلع! فيخرج الضحية من بين الصفوف لينتظر ما ينتظره. لا يعرف الباقون، برؤوسهم المنكسة وعيونهم المغمضة، على من وقع المصير الأسود. الشيء الوحيد الذي يعرفه كل فرد من الباقين هو أن المصير الأسود حاد عنه وأنه نجا ولو مؤقتاً من جرعة ألم هي بدورها غير قابلة للتخمين، فقد تكتفي الكرابيج من لحم الضحية بالقليل المقدور عليه، وقد تطمع وتطمع فلا تترك ضحيتها إلا وقد فارقها الوعي.
ربما تتكرر كلمة: اطلع، التي تقع في القلب مثل أفعى باردة، مرة أخرى وربما أكثر، قبل أن يكتفي "الرقيب أول"، ويطلب من البقية الناجية دخول المهجع، لتبدأ وليمة التعذيب. لحظات ويكتوي وجودنا بأصوات صراخ واستغاثات من اختارهم المصير الأسود. عذاب نفسي حاد، يجاوره مع ذلك غبطة صغيرة بالنجاة الفردية، نوع من التواطؤ مع النفس أو من الخيانة المضمرة. فرغم كل شيء يبقى للفرد أنانيته الخاصة وانفصاليته التي لا تُخترق إلا في لحظات استثنائية كما في لهيب الثورات أو في تمادي الحب.
اليوم، يمارس أحدنا تواطؤاً مع نفسه حين يتاح له الشعور بسعادة أن يزور أمه في عيد الأم، وأن يقبّل رأسها ويشعر باحتضانها وبسعادتها لحضوره. كثير من الأمهات قضين في هذا الصراع، وقد حالفنا الحظ أن أمنا لم تكن بين من ماتوا، حتى الآن. ثم حالفنا الحظ أننا لم نمت بعد، وأننا قادرون على زيارتها، حتى الآن. كانت أمنا إذن من الناجين، وهذا ما يبعث فينا سعادة ما، سعادة لم يكن لها أن توجد بهذا الشكل وهذا الدفء الأناني، إلا وسط افتقاد الكثيرين لأمهاتهم اللواتي رماهن هذا الدمار الواسع في عتمة الموت. إنها سعادة أنانية يشعّ بريقها على خلفيةٍ من بؤس الغير. ليس في الأمر هجاء أو تهمة شريرة لمن يغتبط بالنجاة من موتٍ حصد آخرين. في النهاية لم يكن له يد في موت الآخرين أو عذابهم، ولم يستشره القدر فيمن يميت ومن ينجي. ولكن تبرز في هذه اللحظات فردية الشخص وانفصاليته، ويشتد سطوع القول بأن الجرح لا يؤلم سوى صاحبه.
وكذا حال الأم التي تتحسس ابنها وتتأكد من أنه نجا حقاً من آلة الموت النشطة، وأنه لا يزال لها أن تسعد بوجوده على قيد الحياة، سعادة تكتسب قيمة خاصة على خلفية الموت الغزير الذي يُثكل الأمهات بلا هوادة.
"اطمئنوا، لستم بين من قتلتهم العبوة الناسفة أو شوهتهم، مات غيركم وغيركم من تشوه، أما أنتم فما زلتم على قيد الحياة والسلامة"، هكذا يهمس صوت خفيض كائن في خفايا نفوسنا، بعد تفجير يودى بحياة أبرياء كان يمكن أن نكون من بينهم. وهكذا تزهر في نفوسنا غبطة ناعمة لأن الحظ اختار غيرنا للموت ونَكَب غيرنا بالتشوهات ووفّرنا نحن. هكذا يمكن أن ينحني الضمير قليلاً، ومن تلقاء ذاته، بما يسمح لتلك الغبطة "الآثمة" أن تمر.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,559,490,838
- براميل على الذاكرة
- -المقامر- على أضواء سورية
- الموت تحت التعذيب
- بيت في المخيم
- إرهاب ضد الإرهاب
- البلد العابر للسياسة
- النساء في الثورة السورية
- من الذي قلع عين الرئيس؟
- حزب السيارة الزرقاء
- عميد مغلق وباب مفتوح
- الطبيب المسكين وفخامة الجريح
- يا حيوان ليش ما قلت انك -منهم-؟
- تموت وتاكل غيرها
- موت الرواية
- أرض الألغام
- عزلة المنكوبين
- الاغتصاب
- العلويون والثورة السورية
- سلعة العداء للامبريالية في سوق العالم الثالث
- صادق جلال العظم، تراجيديا مفكر


المزيد.....




- بملابس شخصيات فيلم -موانا-.. محمد صلاح يحتفل بعيد ميلاد ابنت ...
- صلاح يحتفل بعيد ميلاد ابنته مكة على طريقة الفيلم الكرتوني -م ...
- وزارتان بلا ثقافة.. كاتب يمني ينتقد صمت اتحاد الأدباء والكتا ...
- روبوت فنانة على شكل إنسان: هل يمكن أن نصنع فناً من دون مشاعر ...
- شاهد.. ماذا تبقى من آثار الموصل؟
- هل يصعب على الموسيقات العسكرية العربية عزف النشيد الوطني الر ...
- بعد الاستقلال.. حزب الكتاب يدعو الحكومة لتقديم تصريح أمام ال ...
- حزب الاستقلال: تقديم الحكومة لبرنامج جديد أصبح ضرورة ملحة
- دومينغو ضيفا على RT عشية إحيائه حفلا موسيقيا كبيرا بموسكو (ف ...
- عبد النبوي يثير جدلا داخل البرلمان


المزيد.....

- شعر الغاوتشو:رعاة البقر الأرجنتينيين / محمد نجيب السعد
- ديوان " الملكوت " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- ديوان " المنبوذ الأكبر " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- شعر /مشاء / مصطفى الهود
- مريم عارية - رواية سافرة تكشف المستور / حسن ميّ النوراني
- مختارت من شعرِ جياكومو ليوباردي- ترجمة الشاعر عمرو العماد / عمرو العماد
- الأحد الأول / مقداد مسعود
- سلّم بازوزو / عامر حميو
- انماط التواتر السردي في السيرة النبوية / د. جعفر جمعة زبون علي
- متلازمة بروين / حيدر عصام


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - راتب شعبو - خيانات مضمرة