أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد الله عنتار - منزلنا الريفي ( 18 )















المزيد.....

منزلنا الريفي ( 18 )


عبد الله عنتار
كاتب وباحث مغربي، من مواليد سنة 1991 . باحث دكتوراه في علم الاجتماع .


الحوار المتمدن-العدد: 4265 - 2013 / 11 / 4 - 20:22
المحور: الادب والفن
    



جدتك ( 1 ) ...
كان النعش قد رفع عاليا، وكان الموكب قد انطلق، لست تدري هل هو نعش جدتك ؛ جدتك التي كنت تعرف، التي تحتضنك، وتسرد لك القصص و الأساطير، جدتك المعلمة التي تمدك بالنصائح ؛ هل تحولت جدتك إلى نعش ؛ إلى جسد، مستسلم لأكتاف حديثة العهد ؟ هل تلك هي جدتك التي كنت تراها وهي في كامل العنفوان، قوية الشكيمة، صلبة الإرادة ؟ كلا ! ما تلك هي جدتك ؛ هذا نعش، وفي النعش جسد يحيط به إزار مكتوبة عليه كلمات غريبة كالخوف والرعب .
لقد توقف الزمن، وشاخ الصوت، وبكت الحمائم، وارتعد الأطفال، حشود من كل حدب وصوب، ومنزلك الريفي غص بالدموع والحشود، وملئ بالنحيب والنشيج ؛ ماتت امرأة، وانهار الجدار، وانعطف الزمان، وقلبت الآيات .
كان منزلك الريفي يعدو كالنهر، وهو يسير بين الرياحين، سرعان ما حلت عاصفة شمسية هوجاء، فجف النبع، وتبخرت المياه وحل الجوع والقحط .
أنت يا أنت الذي هو أنت الذي ليس أنت ؛ ما كنت تعرف امرأة ستتحول إلى نعش، وأن الجسد سيصاب بالوهن، وأن الأيام الجميلة ستتحول إلى ضجر، وأن الربيع سيلبس لباس القحط .
كلا...! كلا ...!
*********************
" كنت عائدا من رحلتك الرعوية، وكانت الشمس قد شاخت في كبد السماء، وكانت القطعان قد انسلت بين العروش والأشجار، وغادرت الغابة والأحراش، عندها تفرس أمامك منزلك الريفي، وراحت الرياح تداعب الأوراق، تقدمت القطعان أمامك، وهمت بالعودة إلى الحظيرة، ثم جلست فوق الصخرة تقرأ القرآن، وكان كل شيء يسير على ما يرام ... وفجأة سمعت دقة المسمار . "
23 يوليوز 2007
*******************
انطلق النعش نحو مثواه الأخير، وسكين انغرزت في البطن كالأنين، لا أحد يستطيع أن يعترض النعش ؛ لا أحد ؛ الطريق مفتوحة ؛ لا شيء غير البكاء ...
******************
يخرج النعش فجأة، تجتمع الحشود ؛ تبكي رشيدة، ثم تولول، فتقول بعينين دامعتين :
" و ااااهي عمتي فين غادة ؛ فين غادة ؛ واهي ديك عمتي ؛ فين غادة أو خليتيني، وها هي عمتي، غير عميمة وحدة اللي عندي، و ااااهي عمتي و هااااا واهي عمتي وها هي عمتي ....."
جميع النساء يبكين، و صوت رشيدة يرفرف في السماء مرتديا جلباب الحزن، تنضم نساء جديدات، ويبدأ مسلسل العناق، و الندب واللطم، لكن الكل ينحب على إيقاع نغمات رشيدة . كان صوتها حزينا كالدماء المهروقة، مثيرا للشفقة كالطفل اليتيم، وملهما كأبيات الشعراء، وبريئا كحب طفلة مراهقة، وراقصا للحياة كخرير المياه، ومنتظما في إيقاعه كناي الراعي ....تلكم هي رشيدة صاحبة الضحكات الدؤوبة ...تلك هي من أحببت يا هذا وأنت طفل في القماط .
توقف كل شيء، حتى الأطفال توقفوا عن اللعب، حتى الكلاب توقفت عن النباح، والنعاج أبت مغادرة الحظيرة ؛ لقد ماتت الراعية الكبرى، ماتت الأم، وتوقف منسوب الحنان، وفاضت الينابيع بالبكاء .
*******************
جدة حنونة، ظلال منعشة، صدر فياض، مستقبل مليء بالأحلام...، ماض مليء بالامتلاء ؛ ذاكرة تأبى النسيان ...تلك هي جدتي، جدتك يا هذا الذي هو أنت الذي ليس أنت ...
وأنت تجلس قرب منزلك الريفي الشائخ، وتهجع قرب الباب، وتتكئ على الحائط، فتستقبلك بالموز والتفاح، فتقول لك :
" لا تضيع دراستك، عليك بالاجتهاد حتى النهاية، أنت ولد موهوب، ومستقبلك مرسوم في دراستك ؛ أعرف أنك تحب الجرائد والمجلات، خذ هذه الجرائد، لقد اشتراها عمك منذ أيام دراسته " .
تعانقك، وتقبلك، فتأخذ أنت الجرائد فرحا، ثم تواصل كلامها : " أنا أحبك لأنك تحب العلم و الكتاب، لقد بذلت جهدا من أجل عمك، لكن لم يرد أن يدرس ؛ حلمي هو أن تدرس أنت، وأن أراك تحصل على منصب مع الدولة، وأفرح من أجلك كثيرا " .
كنت تحس بالنشوة، ولذة التفوق، وها أنت تتصفح الجريدة، وها هي جدتك تقلب واحدة ثم أخرى، فتثير انتباهها صورة، فتقول لك :
" من هذا الرجل ؟ "، فترد عليها : " إنه بوش يا أمي فاطنة "، ثم تعقب عليك : " من هو بوش ؟ " ؛ تجيبها : " إنه قاتل أطفال العراق "، فترغد وتزبد : " إنه مجرم وحقير " .
كنت تشرح لها صورة صورة، و كنت تحس بالفخر، و كانت هي تحس بالفخر، أما المعنويات، فكانت جد مرتفعة .
تذهب إلى المطبخ، وتتركك غارقا في جرائدك، ثم يأتي صوت من بعيد :
" لقد ماتت أمي فاطنة، وقبل أن تموت سألت عنك كثيرا ؛ سألت عن دراستك ؛ عن نجاحك ؛ عن مستقبلك " .
*******************
كان النعش يعدو بسرعة، وكان أخوك من هؤلاء الذين رفعوا النعش، وانطلقوا انطلاقة النسر، كان الموكب جنائزيا مهيبا، كنت تجري وتلهث وراءه باحثا عن بقايا جدتك، لكنك لم تعثر على شيء، أردت أن تكلمها، لكنها أبت، وصارت مع الموكب، طلبت من هؤلاء أن يتوقفوا، غير أنهم قالوا :
" ليس لدينا وقت، علينا أن نقضي هذه المهمة بسرعة " .
هل جدتك أصبحت موضوعا للمهمات ؟
******************
انطلقوا، ثم صاروا يرددون :
" لا إله إلا الله محمد رسول الله ...."
جدتك ميتة الآن، جدتك حية الآن، إنها تقود النعش كالقائد الذي يقود جنده نحو المعركة ؛ إن القائد يريد أن يحيا بخوضه للمعركة، وجدتك تريد أن تحيا بموتها .
*****************
انفتحت أمامك المقبرة، ورأيت جموع الموتى تكلسوا منذ سنين ؛ شاخت الأحجار، وهرمت الأتراب، ونخرت العظام، إنه تاريخ طويل من السقوط أمام صنم المقبرة ؛ المقبرة وحش يلتهم البشر ؛ أنظر إلى الحاج محمد كيف كان وكيف أصبح ؟ لقد أصبح قبرا، لقد أصبح ركاما من التراب ؛ أين بغلته التي كان يمتطيها، وأين عصاه التي كان يلطم بها دابته ؟ كل شيء ذاب في السديم، وتلاشى في العدم، هل يعني هذا أن جدتك ستصبح عدما ؟ ولكن ما هو العدم ؟ وما علاقته بالوجود ؟ وهل يمكن أن يكون العدم وجودا في صيغة أخرى ؟ و ما هي حدود العدم وحدود الوجود ؟
*****************
" جنازة امرأة "
أصبحت جدتك امرأة، فقدت اسمها وهويتها، لم تعد هي " أمي فاطنة " التي تعرف... لم تعد هي ...
وقفت مع الحشود، تصلي صلاة الجنازة، كان نعش، وكانت امرأة وسط النعش، وخلف النعش حشود تتلو آيات نحو القبلة ...أما النساء، فقبعن بعيدا نائحات .
*******************
" أعوذ بالله من الشيطان الرجيم....كل نفس ذائقة الموت "
أهيل التراب، ووضعت الأحجار، أما القبر فصمم على المقاس، إنه أشبه بالحياة، ننطلق من قبرالوجود إلى لحد العدم، والمحجوز هو الإنسان، نستقبل الحياة بالقماط، ونغادرها وسط النعش ؛ من سجن المهد إلى سجن اللحد . ينتهي الفقيه من تعويذاته، ثم يشرع في التسول، يعطيه القلب المكلوم بعض الدريهمات، فيضحك الفقيه متفرسا، أما التعويذات القرآنية، فتتكرر كما تتكرر الأسطوانة، لا حياة تسري في أعماقها، اللهم أنها تنتعش على ظهر الدموع والبكاء والأنين .
******************

أهيل التراب كالبصقة التي تخرج من الأفواه، تفرق الموكب كمن أصيب بالخذلان، كان الموكب كالجسد وها هو يتلاشى ذرة ذرة، ويهيم في الكون المديد، أما جدتك فصارت هي الكون نفسه .

عبد الله عنتار – الإنسان - / 01 نونبر 2013 / واد زم - المغرب





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,682,314,923
- منزلنا الريفي ( 17 )
- منزلنا الريفي ( 16 )
- دموع حبيبتي
- منزلنا الريفي ( 15 )
- الغروب
- منزلنا الريفي ( 14 )
- منزلنا الريفي ( 13 )
- المواطن - شعيبة - ( 3 )
- زوابع وخريف
- من واد زم إلى زحيليكة : رحلة في ثنايا الريف
- ذكريات...أمواج متلاطمة ...يونس...المهدي
- كابل
- المواطن - شعيبة - ( 2 )
- المواطن شعيبة
- منزلنا الريفي ( 12 ) / ( بني كرزاز...مواقع - أسماء - ملاحم - ...
- منزلنا الريفي ( 11 )
- منزلنا الريفي ( 10 )
- دروس في الرقص
- منزلنا الريفي (( 9 ))
- لا مبالاة


المزيد.....




- فيسبوك يعتذر عن ترجمة اسم الرئيس الصيني بشكل -غير لائق-
- مؤتمر برلين وعلامات الفشل الأولى: حفتر والسراج يرفضان الحضور ...
- دروس منفصلة في اللغة لأبناء المهاجرين في النمسا تثير مخاوف م ...
- دروس منفصلة في اللغة لأبناء المهاجرين في النمسا تثير مخاوف م ...
- على خطى والده... نجل عبد المجيد عبد الله يدخل عالم الغناء ...
- أول ظهور لكاظم الساهر بعد انسحابه من -موسم الرياض-... صور
- مجلس النواب يحتضن يوما دراسيا حول الأسرة المغربية
- الإعلامي المصري هاني أبو زيد يفضح بالداخلة سقوط الورقة الأخي ...
- كاردشيان من نجومية الجمال والموضة إلى محامي الدفاع عن المظلو ...
- -الزهر لما يلعب- يعيد سمير غانم وشيرين للوقوف معاً على خشبة ...


المزيد.....

- حروف من الشرق / عدنان رضوان
- شبح الأمراض النادرة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- ديوان النفي المطلق / السعيد عبدالغني
- ديوان الحضرة / السعيد عبدالغني
- ديوان الحاوى المفقود / السعيد عبدالغني
- ديوان " كسارة الأنغام والمجازات " / السعيد عبدالغني
- أثر التداخل الثقافى على النسق الابداعى فى مسرح يوهان جوتة / سمااح خميس أبو الخير
- زمن الخراب (رواية) / محمود شاهين
- طقوس الذكرى / عبد الباقي يوسف
- مسرحية -كلمات القرد الأبيض الأخيرة- وجدلية العلاقة بين الشما ... / خالد سالم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد الله عنتار - منزلنا الريفي ( 18 )