أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أماني فؤاد - غرابة الأدب..غرابة العالم وغربة الروح دراسة في كتاب الأدب والغرابة لدكتور شاكر عبد الحميد






















المزيد.....

غرابة الأدب..غرابة العالم وغربة الروح دراسة في كتاب الأدب والغرابة لدكتور شاكر عبد الحميد



أماني فؤاد
الحوار المتمدن-العدد: 4218 - 2013 / 9 / 17 - 00:46
المحور: الادب والفن
    



يقدَّم د. شاكر عبد الحميد فى كتابه "الغرابة.. المفهوم وتجلياته فى الأدب" استقصاءا واسع المعرفة والبحث والرصد لمفهوم الغرابة وتعريفه وتحليله؛ ويعرض معالجات مذاهب علم النفس المختلفة، وبعض المدارس الفلسفية والنقدية، للغرابة وتفسيرها وظواهرها المتعددة وتجلياتها التى ظهرت فى الأدب، وتتبع تاريخية الظاهرة، والدراسات الغربية التي تعاملت معها.
من الأدب ونصوصه، وجهود وتفسيرات علماء النفس له، استخلص فرويد مقاله الفريد عن الغرابة الذى أسس لكثير من البحوث التى توالت بعده، تؤسس عليه، تتفق مع توجهاته، أو تختلف مع بعض مرجعياته، وتعطى الظاهرة تفسيرات أخرى.
والغرابة التى يقصدها المؤلف فى دراسته حالة من القلق المقيم، أو الخيال المعتم لا المضئ المبهج. يشير في متن كتابه إلى أن جوهر الغرابة فى العلاقة التى توجد بين الموت والحياة ، وفى انتقاء الألفة، وغياب الأمن. ويذكر أن الأكثر غرابة من هذه الغرابة نفسها أن تتحول الأشياء التى كان ينبغى النظر إليها على أنها غريبة على أنها أشياء عادية ومألوفة. ويقسّم الغرابة فى الأدب إلى نوعين: غرابة المألوف، وغرابة غير المألوف، وقد يعنى الغريب لديه كل ما يستدعى وجود تفسير أو تأويل ولا مانع من تعدده.
والغرابة فيما أتصور تفترض أن هناك مسافة بين المُستقبل وما يستقبله من رسالة، هناك مسافة تحتمل تعدد التفسيرات وتعدد الانطباعات بداخلها، وأتصور أن اقتصار مفهوم "الغرابة" على الجانب المقلق وغير الآمن والمكتظ بالأشباح والخوف وغير المألوف كما يقدمه الكتاب كانت في حاجة إلى توسع، فالغرابة تتضمن أكثر مما يخيفنى أو يشعرنى بالوحشة. إنها، فيما أتصور، مساحات أخرى يمكن أن يسكن بطرقها ودهاليزها عوالم الدهشة والتعجب، والخيال المضيئ لا المعتم فقط، يمكننى أن أشعر بالغرابة وأنا مأخوذاً لا عن خوف، لكن عن اتساع العالم أكثر مما أتصور، عن الرغبة فى مناوشة المستقر والآمن والثابت.
فى ظنى أيضاً أن عوالم الفانتازيا والواقعية السحرية، التي تدخل في الكتاب ضمن عوالم الغرابة، لا تدفع بالمكبوتات فقط، أو الأساطير إلى السطح، بل تخلَّق عوالم ممكنة لا كائنة، هذه العوالم لا يتحكم فيها الخوف قدر ما تحكمها الدهشة، والاتساع في العالم، والرؤى غير النمطية، ربما كانت المفردة الأكثر مناسبة لما يقصده الكاتب "أدب التوجس و القلق"، "أدب الخوف والوحشة"، أو "الغرابة الموحشة" كما ذكر. كما أن هناك فرق بين الغرابة كمفردة متداولة بيننا الآن فى ثقافة المجتمع المصرى وكونها مصطلحاً فى اللغات الأخرى لا يحتمل سوى القلق والوحشة.
لا ينضوى تحت الغرابة التى يقصدها المؤلف كل الأدب الفنتازى أو أدب الواقعية السحرية، فلماذا لم يوضّح النص الفرق والاختلاف بينهما؟ فهناك منطقة أخرى يتخلق فيها هذا الأدب ربما يحتوى كل عناصر الغرابة التى تحدثت عنها فصول الدراسة التسعة أو بعضها، وأعتقد أن هناك مناطق فى إدراك ومخيلة المبدع تخلَّق عوالماً موازية للواقع، لا تخضع للخوف والقلق والأمراض النفسية القديمة والحديثة ولا تدفعها الوحشة، هناك منطقة تخضع للعب والتجريب، ومحاولات تفسير العالم على نحو متجدد. منطقة تلهو بين الخلق الجديد الذى على غير نحو سابق، والرغبة فى محاولة تفسير العالم والمكبوتات الداخلية ومكنونات النفس البشرية، وهى لا تنطلق من الغرابة الموحشة، لكنها تندفع بإغواء الخلق الجديد وتوظيف هذه الكهوف المظلمة، ورؤية الأشياء والمعانى والموجودات تحت متغيرات كثيرة ثقافية واجتماعية وسياسية، فى سياقات كلية متراكبة، تخلَّق هذه المعالجات الأدبية، وتدفع بوجودها فى ذوات ترى فى الإبداع متنفساً من شأنه أن يخلخل جمود العالم وظواهره التى تكلست وتحجرت. كأن المبدع يقف فى تلك المنطقة ليقول لست خائفاً أو شاعراً بالوحشة، لكننى مناوش، أتمرد على الكائن والمستقر، وأدواتى التى أشاكس بها جمود الظواهر ومغازلة كل موروثات الحضارة البشرية من أساطير وخرافات وتأويلات متباينة للأديان، من أحلام وعلاقات سريالية لتفسير الظواهر، من فلكلور شعبى وممارسات طقسية رسختها الشعوب.
تعرض المؤلف في الدراسة لكثير من الأعمال الأدبية السردية تحت نوع الرواية والقصة القصيرة، وجاءت استشهاداته فى جلها الأكبر من النصوص الغربية، واستقصى فيها الأدب الكلاسيكى والرومانسى وصولاً إلى الأدب المعاصر وما ينضوى تحت تيار الحداثة وما بعدها، وكنت أود، زيادة في المعرفة، لو أن الدراسة اعتمدت على استشهادات من السرد العربى، واتخذت نماذجاً منه لتوضيح ظواهر الغرابة وأظنها موجودة فيه. وأتصور أن هذا الجهد الدءوب والمستقصى الذى قدمه الكاتب لو ضم الأدب العربى لأثراه، وفتح مجالاً لدراسات متعددة يحتاجها الدرس النقدى والنفسى له. تمنيت أيضاً لو أن الدراسة اشتملت على إشارات تتماس مع الأدب المقارن فيما يختص بعلاقات التأثير والتأثر التابع للمدرسة الفرنسية أو الأمريكية، ومن خلالها كان بإمكان الكاتب أن يشير إلى تأثر الآداب الغربية والعربية بعضها ببعض في النصوص التى تجلت فيها ظاهرة الغرابة أو الأدب الفانتازى أو ما يطلق عليه أدب الواقعية السحرية.
ترتب أيضاً – فيما أتصور – على اعتماد المؤلف في استشهاداته على النماذج الأدبية الأوروبية كشف للمراحل الحضارية المتتابعة التى مرت بها الذات الغربية المبدعة، والمتلقية، والابتعاد نسبياً عن مراحل تتطور الذات العربية وما توالى عليها من متغيرات متعددة توالت على الحضارة العربية القديمة والحديثة.
ومع الاعتراف بأن الواقع الثقافى يشير إلى ما يشبه التبعية الثقافية وتأثر الأدب العربى بالغربى منذ بدايات عصر النهضة، لكن هناك أيضاً خصوصية ثقافية عربية نشأت من تضافر مجموعة من العوامل منها الموروثات الخاصة للحضارة العربية، وخصوصية التقاليد المجتمعية، والمراحل السياسية والاقتصادية التى توالت عليها، وهو ما كان يمكن دراسته وتحليله لو أن الكتاب اعتمد على نماذج من الأدب المصرى والعربى.
التماس مع الأدب المقارن كان من شأنه أيضاً أن يوضح تأثير نصوص تتكىء علي السرد الفانتازي والغرابة في الأدب العربي مثل "ألف ليلة وليلة" وغيرها من نصوص، وكيف تطورت هذه التأثيرات بظواهرها وتجلياتها. ثم أثر هذه التجليات الغربية المتطورة على الأدب العربى فى علاقات تأثرية هى بلا شك واقعة دون جدال.
يتكون الكتاب من تسعة فصول تعالج الغرابة وتجلياتها فى الأدب، فى الفصل الأول وهو بعنوان "حول معنى الغرابة":

(1)
يشير الكاتب إلى الالتباس الكامن فى تعريف الغرابة وذلك لأن تحديده يجعله معروفاً، مألوفاً، ومن ثم ليس غريباً، لكن الباحثين أجمعوا على خصائص مهمة للغرابة تتلخص فى أن:
1- الغرابة إحساس حياتى، وإحساس جمالى أيضاً، خبرة حياتية وخبرة استاطيقية، تتعلق بالانفعال المترتب على وجود شئ غريب، مخيف، أيضاً غير مألوف، وقد يثير الرعدة والرعب، ويمكن أن يوجد فى الأدب وفى الفن، وفى غيرهما أيضاً.
2- يتم الشعور بالغرابة فى المواقف التى تبدو كأنها جديدة، لكنها التى تعود بنا وتذكرنا – مع ذلك – بمواقف سابقة مألوفة، وهكذا تكون مواقف الغرابة أشبه بالعودة والتكرار لمواقف أليفة قديمة، ربما تم كبتها أو نسيانها سابقا.
3- ترتبط الغرابة كذلك بالتكرار، تكرار المواقف والمشاعر والأفكار، ويكون التكرار الملازم لمواقف الغرابة لا إرادياً، فى أغلب الأحوال.
4- يكون الشعور بالغرابة أكثر احتمالاً فى المواقف المألوفة، والواقعية حيث تكون القوة الحتمية القهرية المخيفة المحيطة بالوضع الواقعى أقوى، أما خيال الغرابة فخيال يحبط الرغبات، يدمرها، يعوق تدفقها ويقتلها؛ ومن ثم فإنه قد يجسِّد الغرابة بشكل يفوق تجسيدها فى الحياة.
5- فى الأدب كما يقول "فرويد" من الأيسر خلق التأثيرات الخاصة بالغرابة عندما نكون موجودين ضمن نطاق الواقع وليس خارج حدوده، أى ليس فى عالم ما وراء الطبيعة، والكائنات الخارقة.
6- من الممكن إثارة الإحساس بالغرابة أيضاً من خلال بعض الموضوعات، مثل التماثيل الشمعية المجسدة لشخصيات بشرية، وكذلك الدمى التى كونت على نحو بارع، والأوتوماتا أو المخلوقات الآلية المحاكية للكائنات الحية، وكذلك ما يتعلق بالأشباح والظلال والمرايا والأشباه والمومياوات، وانعكاس الجثث... إلخ، ومع ذلك فإن معنى الغرابة فى الأدب قد أصبح يتجاوز هذه المعانى الكلاسيكية له إلى حد بعيد.
7- تتجسد الغرابة أيضاً من خلال فكرة القرين، حيث يمكن أن توجد شخصيات يمكن اعتبارها متطابقة لأنها يشبه بعضها بعضاً، أو توحد الذات مع شخص آخر، وتؤدى هذه العمليات إلي ازدواج وانقسام وتبادل وتعدد الذات، وقد ذكر "فرويد" أن الخلط بين الحى والميت ليس وحده كافياً لحدوث الغرابة؛ بل إن القلق الذى بينهما والمرتبط بالشك والالتباس واختلاط الحياة بالموت هو الذى يحدث ذلك الشعور بالغرابة.
(2)
فى الفصل الثانى المعنون "بالغرابة والأدب":- يرجع المؤلف الغرابة فى الأدب إلى: غرابة غير المألوف، كما فى حالات التحول والازدواج والمسخ والنسخ. وغرابة المألوف: هنا لا يوجد تحول أو مسخ أو نسخ بل تكرار وعبث وفوضى واختلال فى الشعور بالواقع والذات.
ويعطى الباحث أمثلة متعددة من قصص "لإدجار آلان بو" تحت عنوانات سيد الغرابة، وروح الانحراف التى يرجعها الباحثون إلى: تشيؤ الإنسان أو نزع الإنسانية عنه، وهو أمر يرتبط بالآلية، وجنون العظمة، وبارانويا الاضطهاد أو الارتياب، ويعد "بو" سيد الغرابة لأنه وجه الانتباه إلى الأعماق اللاشعورية الجحيمية، ويرى "فرويد" ومعه المؤلف أن عرض هذه الأشياء فى الموضع الخاص بالواقع الطبيعى، أى ذلك الواقع الذى لا تنتمى فيه إلى عالم خيالى أو متخيل؛ بل إلى عالم طبيعى. عالم واقعى، لكنه "واقعى" غريب، يجعلها أكثر تأثيرا.
يتحدث الكاتب عن قوة الأدب وتأثيره وذلك بما يمتلك المبدع من حرية الخيال، وقدرته على الطاقة الإيحائية، أى تلك الطاقة التى تجعله يضفى الحياة على بعض من الأشياء والكائنات التى تفتقر إلى الحياة. ويعتمد الكاتب على رصد فرويد للأبعاد العامة للغرابة فى الأدب وخاصة بعد ظهور تيارى الحداثة وما بعد الحداثة مثل:
- القلق من فقدان شئ أو شخص عزيز وحيوى، الخوف من الموت، أو فقدان أحد أعضاء الجسم.
- ظاهرة القرين: حالات تفكك الذات وانقسامها وتعددها، أفكار الظل والمرايا.
- الإحيائية: من حيث تحول الميت إلى حى، وبالعكس، أو الجمع بين الحياة والموت فى حالة واحدة كما فى الدمى.
- أيضاً تمثل ظاهرة التكرار نوعاً من الغرابة، فعودة الشئ نفسه ولكن فى شكل غريب، مختلف ومخيف يدعو إلى القلق ومن ثم التساؤل.
- كذلك فإن الأشباح والأرواح يمكن النظر إليها هنا على أنها عملية عودة من الموت إلى الحياة.
يعرض المؤلف نظرية "تودوروف" عن العجائبى أو "الفانتاستيك" كنوع أدبى، وفيها يرى أن التردد أو الالتباس والحيرة والشك هي السمات الدافعة للغموض غير المستقر، وهو ما يحدث الارتباك لدى القارئ قبل أن يجرى تصريف هذا الارتباك أو تبديده نهائياً خلال السرد، وأن يفسر من خلال قوانين الواقع العادية، وأن الغرابة تستمر حين يستمر التردد والالتماس.
ويلخص "تودوروف" العناصر التى تسم الأعمال الخيالية العجائبية فى:
1- يتعلق الأدب العجائبى بنوع من القلق الوجودى، وكذلك الشعور العام بعد الراحة.
2- اعتمد "تودوروف" على "فلاديميير سولوفيوف" و"دستويفسكى" بضرورة أن يبقى العمل الأدبى العجائبى تحت شعور القارئ بدوام الشعور بالغرابة والالتباس لدى شخصياتها، وغالباً ما ينتقل إلى القارئ، وأن يكون الأدب شديد القرب من الواقع.
3- أن يشمل شعور التردد شخصيات العمل، والقراء للعمل أيضاً، وأن الفانتاستيك ينقسم إلى: العجيب "البساط السحرى، الغيلان...."، والغريب الذي يكون القلق فيه خاصية متضمنة فى بنية العمل الأدبى، ويعمل فيه الإنسان عقله النقدى أو خياله فلا يفهمه.
4- أن يتحقق فى العمل الأدبى العجائبى ثلاثة شروط:
أ - تكوّن عالم للشخصيات فى العمل، التردد فى تفسير أحداث القصة، طبيعية أو خارقة.
ب – التردد سمة للشخصيات داخل العمل الأدبى، وأن يتوحد القارئ مع شخصية ما.
جـ - ينبغى أن يتبنى القارئ اتجاهاً معيناً فيما يتعلق بالنص، بحيث يرفض التأويلات المجازية التى تنم عن الحكمة والموعظة الأخلاقية.
5- تنتقل الرؤية التفسيرية القائمة على الشك من الشخصية المحورية إلى القارئ، ومن خلال حالة التراكب أو التداخل بين الراوى وبطل القصة، ويمتد هذا الشك والالتباس إلى الإدراك البصرى حيث لا ثقة فى الأشخاص والأحداث، بل وتخلَّق أحداثاً غير موجودة تحت تأثير الهلاوس والخداعات الإدراكية والكوابيس والأحلام والأمراض العقلية.
ويعرَّف تودوروف العجائبى: "بأنه التردد الذى يحسه كائن لا يعرف غير القوانين الطبيعية فيما يواجه حدثاً فوق طبيعى وفق الظاهرة"، ويقسم فى ضوء ذلك الأعمال العجائبية إلى العجيب المحض أو الخالص، والعجيب العجائبى.
يعرض المؤلف الانتقادات التى وجهت لتقسيمات "تودوروف" من قبل ما تذكره "روزمارى جاكسون"، وحاجة الأمر إلى التفسير فى ضوء مصطلحات أدبية ليست غامضة وغير متسقة. كما أن اهتمامه الخاص بالبنية الشكلية للعمل الأدبى قد أدى إلى إهمال الأبعاد الاجتماعية له.
تقول "ديزى كانون" معلقة على نظرية "تودوروف" أنه اختزل الغرابة ونصوصها إلى نوع الأثر اللاحق، وأنه أنكر الجانب الفردى الخاص بتلقى العمل القائم على الغرابة. فى حين أن الغرابة مثلها مثل الخبرات الفنية والجمالية كلها تقوم فى جانب منها على أساس خبرة الفرد السابقة، وسمات شخصيته، والمجتمع الذى يعيش فيه أيضاً.
تركز الباحثة هنا على نظريات التلقى، وثقل دور القارئ فى منظومة صنع المنتج النهائى للإبداع.
فى كتابات "هيلن سيكسوس"، و"سارة كوفمان" و"نيل هيرتر" بدا مصطلح الغرابة أكثر أهمية، لكنه أخذ منحى مغاير للمفهوم فى الماضى الذى ارتبط بتيمات مصاص الدماء والأقران والأشباه، والموتى والأحياء، انتقل إلى كل ما يمكن أن يحدث على نحو متكرر فى كل جانب من جوانب حياتنا اليومية، وكذلك فى تلك العلاقات كلها التى قد تتكون بين الإنسان وكل تلك البيئات المألوفة بالنسبة إليه أكثر من غيرها: البيت، العائلة، الصداقة، الحب، علاقات الآباء بالأبناء، وبالعكس، علاقات العمل، مراكز التسوق الحديثة، المطاعم التى تقدم الأغذية السريعة، وسائل النقل العامة، المكاتب الحكومية، الذات نفسها من حيث تحولها إلى مكان غريب موحش بدلاً من أن يكون مألوفاً وأليفاً، هكذا لم تعد الغرابة، فى التصور المعاصر لها تنتمى إلى فئة غير العادى وغير المألوف من الأماكن والأمور والانفعالات فقط، بل إلى كل ما هو عادى أيضاً، مألوف وأليف، لكنه يتحول أيضاً، تدريجياً بفعل آلية التكرار إلى نقيضه، غير المألوف غير العادى، غير الأليف، بل الموحش والغريب والمخيف والمهدد والمعادى. هنا العادى يتحول إلى غير عادى، غير عادى لا يجيئ من المقابر، أو ما وراء الطبيعة أو العالم الخارجى، بل من داخل الواقع وداخل الحياة، وداخل النفس البشرية فى تحولاتها وتشوهاتها وتشكيلاتها الغريبة غير المتوقعة والغرابة تعبر،ـــــ أو بالأحرى تدمر- تلك الحدود التى بين الغريب والمألوف.
لقد أصبح المكوَّن المألوف محل اهتمام المحللين النفسيين والتفكيكيين، وبعض أصحاب النظريات الأدبية والسياسية والمعمارية المعاصرين وأكدوا على الأهمية البالغة له فى النظر إلى مفهوم الغرابة.
لدى "جوليا كريستينا" أصبحت الغرابة المحيرة أو الموحشة التى يكون عليها بيت المرء، وطنه، عالمه نقطة البداية للأخلاق المتعلقة بإدراك الآخر حيث المواجهة أو الالتقاء بالغريب عن المكان – هى التى تكشف أكثر من غيرها عن تلك الميول التى داخل الذات نحو الآخر بكل جوانبها السلبية أو الإيجابية.
لدى "هيلين سيكوس" تصبح الغرابة مفهوم محورى فى مهمة سياسة الإبداع الأدبى، ولم تعد الغرابة مجرد حالة أو لحظة يتم الإدراك خلالها لتفكك الواقع؛ بل حالة تلعب دوراً ما فى كل بنية عقلانية وتمثيلية، ومعرفية.
كان جوهر الغرابة قد تمثل لدى فرويد فى التحول من المألوف إلى غير المألوف ومن العادى إلى غير العادى، من خلال عودة المكبوت تجاوزت الغرابة الجانب الخيالى الغريب الخاص بالأشباح والوحوش والأطياف لدى "ينتش" و"فرويد" وغيرهما إلى كل ما هو عادى ومألوف فى الحياة اليومية، وربما هذا ما يشير إلى عالمنا الغريب وأن البشر فى سلوكياتهم العادية ربما هم الأشباح والأطياف والوحوش والموتى. المكبوت إذن صار يتمثل فى عالم النهار فى عالم الوعى، فى المواقف التى قد توحى بالألفة والطمأنينة والاستقرار فى السرديات العائلية، والسير الذاتية، والأماكن المألوفة، بل حتى الحميمية.
كما يشير "فيلاشينى كوبان" إلى الغرابة المتمثلة فيما يسمى "نموذج الغزو" ويعنى بعض الأبواب المفتوحة على الاختلاف الذى لا يمكن تدجينه، أو ترويضه أو جعله مألوفاً أو بيتياً.
اتسم البحث عن الغرابة فى الأدب الذى قدمه الدكتور شاكر عبد الحميد بالثراء المعلوماتي وغزارة الأفكار المعروضة وتتبع ظاهرة الغرابة وتعريفها لدى العلماء والباحثين بداية بينتش وفرويد وتودوروف.
وحين يعرض لنظرية تودوروف على سبيل المثال يفرد لها صفحات لعرضها وبطريقة علمية موضوعية،يكثفها فى نقاط لاختصارها بما لا ينتقصها، ثم يعرض أيضاً لما وجه إليها من نقد، بداية من مالدان دولار، ولوس آرمت، وروز مارى جاكسون.
يعرض المؤلف كل الآراء حول موضوع البحث لكنه حينما يرجح أحد الآراء يذكر ذلك، ففى معرض حديث "جاكسون" عن الأدب العجائبى وقوله بأنه أدب تقويض هادم لكل ما هو عقلانى وواقعى ومنظم، يقول : "فإن مونليون" يطرح وجهة نظر أخرى فهو يقول بما هو عكس ذلك، لأنه فى رأيه أشبه بنوع من الدفاع عن الوضع الراهن والحفاظ على النظام الاقتصادى أيضاً، وذلك لأنه من خلال تجسيده يبعث إلى ضرورة اكتشاف أسباب هذه الحالة الهدمية المضطربة ومحاولة تجاوزها وحلها، ومن ثم العودة إلى الوضع السابق عليها.
يقول عبد الحميد: "والرأى الأقرب إلى الصواب لدينا هو أن هذا النوع من الأدب، أدب هدم وبناء، هدم من أجل البناء، وبناء من أجل الهدم سعياً وراء بناء أفضل، وأنه مثلما قامت المدن الحديثة على أساس الهدم للقرى وأشكال الحياة القديمة، فإنها قد هدمت أيضاً تلك القيم القديمة المرتبطة بالخرافة والخوف من المجهول والغامض سعياً وراء العقل واليقين والحرية، لكنها فى الوقت نفسه أبعدت الإنسان عن نفسه، أيضاً جعلته مغترباً عن واقعه وعن ذاته، وأسلمته للشك والخوف وفقدان اليقين ومن ثم كانت تلك العودة الخاصة إلى الأفكار القديمة خلال ذلك الأدب الرومانتيكى والعجائبى".
دعونا نخلص من هذا العرض إلي أن الأدب الغريب والعجائبى بدأ بسمات خاصة، ذات توجهات تمس التصورات القديمة عن الخوف، تطور مفهوم الخوف عند الإنسان، لم يبارح الخوف الإنسان، كان يخاف من أشياء وأصبح يخاف من أشياء أخرى. الخوف مقيم، والأشياء التى يخاف منها الإنسان متغيرة – تطور شكل الخوف عند الإنسان من الجن والعفاريت والظلام والأشباح والموت، إلى التكرار والعادة والآلية والبيت والعلاقات والأبناء والشوارع والمولات، الخوف من الاستلاب، أن يستلب الإنسان لصالح الآلية والتكرار والعادة، ادعاء قيم والتعامل وفق معايير نفعية أو قهرية أخرى.
يتتبع المؤلف معنى الغرابة وأنواعها وبواعثها والفروق الطفيفة والجزئية بها، كما أنه يعرض للباحثين المختصين بعلم النفس، وأشكال الأدب والنصوص التى تمثَّل فيها هذه السمات التى تركن للعجائبى والغريب، وأهم الأدباء والمبدعين الذين تناولوا هذه الظواهر فى نصوصهم.
ثم يعرض للتطور التاريخى لمفهوم الغرابة وتحليله ومباعث وجوده، فى حياة الإنسان ومن ثم فى الفن والأدب. وهو إذ يعرض لذلك يبدأ منذ أول الاجتهادات منذ بيتش وفرويد لينتهى بأحداث الأبحاث ما بعد "لاكان" و"جوليا كريستيفا"ويعرض للنقد النسوي بصدد تفسيرهن لإحدى القصص الطويلة لهوفمان.
يستكمل الفصل الثانى بحديثه عن الذاكرة الطيفية والآخر، سواء أكان كياناً مفارقاً، أو الذات نفسها كما تنعكس على نفسها وتتأملها.
يذكر الباحث رأى "جوليان وولفريز" فى جوهر الغرابة وأنها تجمع بين الشعور ونقيضه، وفى جمعها هذا بين المتناقضين يكمن جوهرها وجوهرها الذى على الأطراف، على الحدود، على الخط الفاصل أو المساحة الثالثة التى بين الحضور والغياب، الحياة والموت، الأنا والآخر، اليقظة والنوم، الماضى والحاضر، وهذه الحدود لأنها مبهمة غير محددة، لا تنتمى إلى أحد الأطراف من دون الآخر، تكون بيئة صالحة لتعدد الاحتمالات.
يورد عبد الحميد رأى "نيكولاش إبراهام" و"ماريا توروك"، فيما يختص بالطيفية والشبحية والمراودة، فالمراودة هى عملية عابرة للأجيال، إنها تأخذ شكل "السرد" الذى ينتقل داخل عائلة ما، أو مجتمع ما، أو ذات ما، من دون أن يقر له قرار لأنه يتعلق بأمر ما مكبوت، أمر نود تحاشيه عند مستوى الوعى؛ لذا يظل موجوداً داخل الذات الفردية أو الجامعية، يظل يشكل فى داخلهما ما يسميه "إبراهام وتوروك"، شبحاً ما، شكلاً أو تشكيلاً لا شعوريا، لم يصبح قط شعورياً إلا من خلال أشكال رمزية، ويكون الأدب والفن وكذلك الأحلام بعض هذه الأشكال، ويتمثل ذلك فى أنا الشخص، أو الجماعة: تظل هذه الأعماق مضرمة وتحمل فى أعماقها الأسرار غير المباح بها. وتظل الاضطرابات والتشوهات فى حياة الإنسان الحامل لتلك الأسرار، وفى النصوص التى تنتابها هذه الأسرار، وذلك لأن هذا الحضور إنما يحدث خلال معان بديلة ورمزية وجانبية كثيرة، ومن ثم تظل تحمل مناطق من الغموض الدافع للتساؤل.
كما أنه يعرج على الدراسات العربية ويناقش دراسة "الأدب والغرابة" لعبد الفتاح كليطو ويلاحظ افتقادها لكل ما يتعلق بجوهر الغرابة من الناحية النفسية، ولا بما يتعلق بها من دراسات عربية مهمة من منظور نقاد أدب، أو علماء اجتماع، أو فلاسفة.
ويرى أن رؤية "كليطو" للغرابة محددة تقتصر على المعنى اللغوى.
كما يتطرق لكتاب "الغرابة بين التلقى والسرد العربى القديم" لمحمد بن عبد العظيم بنعزوز ويرى أنه اعتمد على منحى "كليطو" فى تحديد الغرابة.
كما يشير إلى الدراسة التى قام بها "حسن المودن" بعنوان "الكتابة والغرابة المقلقة فى قصص محمد غرناط، دراسة على مجموعة "داء الذئب" وتحدث فيها عن تيمات أساسية مثل: إحياء الموتى وتكليم الحيوانات، خلق العوالم المخيفة من خلال انفعالات الخوف والهلع.
يختزل الكاتب الخوض فى الدراسات العربية والأعمال الإبداعية العربية إلى حد كبير، ومن ثم لا يذكر فى الدراسة جهود الباحثين العرب المنشغلين بعلم نفس الإبداع.



(3)

فى الفصل الثالث المعنون "بالغرابة وسرديات الخوف والظلام" يعرف شاكر عبد الحميد الخوف بأنه أحد الانفعالات الأساسية الكبرى ويشير إلى أخطار واقعية مدركة أو متخيلة. ثم يشير إلى اختلافه عن القلق، ومتى يحدث الخوف. ثم يحدث قارئه عن المفاهيم الشقيقة للخوف فى العربية مثل "الرهبة" و"الروع" و"الفزع" و"الهلع" و"الرعب" و"الذعر".
ثم يتطرق الكاتب إلى السرد المخيف ويذكر ميل كثير من النقاد إلى التمييز بين الذعر والرعب، فأسباب الرعب غالباً ما تكون موجودة فى الأحلام أما أساس الذعر فهو الواقع نفسه، ويتحدث على أن جوهر الاتجاه "القوطى" ومركزه تلك الخبرة الانفعالية التى تعرض نفسها خارج الزمن والذات فى شكل "توتر" بين الواقعى وغير الواقعى كما قال "فارما".
كما أن التوق إلى الرعب إنما هو غطاء سطحى يعبر عن رغبتنا المتأصلة فينا الخاصة بالخوف الشديد من الخواء أو العدم أو الفراغ، هكذا قال كل من "بودريار" و"دريدا" و"ليوتار" إن الشرط ما بعد الحداثى الذى نعيش فيه قد سبب تحولاً جذرياً فى طبيعة خيالنا الجمعى، إنه تحول موجه – وعلى نحو ملغز وغامض – نحو الخوف والفزع والرعب، خوف من الموت، وكل ما يخيف يعمل كقوة داخلية موجهة توجه – كما تقول "ماريا بيافل" – وراء تلك التعبيرات عن المفاهيم ما بعد الحداثية فى الأدب، وتعبر عن تلك الحالة من الاستثارة والذعر التى فى عقولنا أو أرواحنا.
لاحظ الباحثون أمثال "دانى كافالارو" عدد من وجوه التشابه بين مفهومى الذعر والرعب ومفهوم الغرابة كما قدمه فرويد يتلاقيا حين الشعور بالغرابة عندما تكتسب الظروف المألوفة فجأة دلالات ومعانى غير مألوفة.
يقول "ديفيد موريس" وهو يفسر الغرابة وعلاقتها بالذعر والرعب هى "إحساس مهين يصيب المرء بالدوار أو الذهول، إحساس يحملنا على نحو عميق إلى ما وراء الأحاسيس والأجواء الإنسانية العادية، وهو إحساس ينطلق عندما نواجه الصورة الخفية المحرفة، لكنها غير المبعدة تماماً، عن رغباتنا المكبوتة".
يفرق الباحث أيضاً بين الجليل والجميل، فالموضوع "الشئ/ الشخص، الجميل له شكل مادى وحواف أو حدود محيطة له به واضحة، فى حين أن الجليل يتحدى التحديد أو التعريف له، أى يتحدى وضعه ضمن إطار محدد أو واضح. وذلك وفقاً لطبيعته التى تميل إلى تجاوز أو عبور تلك المستويات المقبولة للحجم أو الطاقة، مع ملاحظة أن الجليل لا يكون بالضرورة مرعباً.
كما يشير الباحث إلى التلاقى الذى حدث بين الأدب القوطى وأدب الخيال العلمى، ويقصد المؤلف بالأدب القوطى الأدب الذى يهتم بالأطياف الشريرة وتجلياتها الطيفية الشبحية المخيفة.
يتحدث الكاتب عن الذات ويقرر أنها موضوع خبرة الخوف وموقعها، ويرتبط الخوف بالموت الرمزى الفردى والجماعى، ويعد انجذاب ذات "ما بعد الحداثة" إلى الأدب وأفلام الرعب نوعاً من مراجعة الواقع، المواجهة الرمزية من مسافة معه، ونحن نتذوق المخيف والغريب بدافع رومانتيكى ملازم لطبيعتنا، دافع كُبت بقوة وحرمنا تطويره فى ثقافتنا الحديثة وما بعدها.
يقول الكاتب ما لم ينتبه إليه "فرويد" أننا نخاف من الخوف نفسه، الشعور بانعدام الأمل وفقدان الأمن، عدم الثقة والشك، انبعاث بعض المكبوتات.
يعد الظلام وبعض فصول السنة، والأزمنة الانتقالية، الاضطرابات السياسية، وهو ما تحدث عنه "كانط" و"ليوتار" فترات التحولات والانتقالات، وهى مادة ثرية لازدهار أدب الغرابة.
ويشير المؤلف إلى الجانب الإيجابى الملازم لقوى الفوضى والتدمير والظلام ، فهم الشرط المسبق الضرورى لتكوين الضوء والنوم والخروج من الظلام، أو الانغماس فى وضع خانق.
يتحدث "يونج" عن القناع الذى يعد الوجه الاجتماعى المقبول، والذى يوضع على الطاقات البدائية ويعبر عن ظل قد كبت أو منع من الظهور فى شكله الأصلى، وقد ترتبط هذه الأقنعة وتربط بطاقة حيوية ومن ثم الإبداع، وهنا لا بد من وسائل مساعدة مثل الخيال والحدس والموهبة.
فى خاتمة الفصل يتحدث المؤلف عن ارتباط الغرابة بعمليات الإبداع ذاتها، وكذلك عملية التلقى والقراءة للأدب، وأيضاً بعض الأفكار النقدية مثل التناص، وحضور الأشباح وهى بالطبع فى هذا المجال مجازية، أى حضور الآخر فى الذات، حضور أعمال الآخرين فى عملى، وهو ما اعتمد عليه "دريدا" فى مؤلفه "أطياف ماركس"،الذي يتحدث فيه عن تحول الغرابة إلى فكرة عامة فى الحياة العادية فى الشارع والبيت، تداخل الحدود بين الموت والحياة، آلية التكرار التى تحول الإنسان إلى آلة أو شئ.
يتسع مفهوم طرح الغرابة ويحرص د. "شاكر عبد الحميد" على بحث جذوره الفلسفية والنقدية، وعرض تجلياته بصورة متسعة وهو ما يميز هذا الجهد المحيط.
(4)
فى الفصل الرابع المعنون "بالغرابة وتفكك الذات":-
تخير شاكر عبد الحميد تعريف "لاكان" للذات وتقسيمه وتشكيله لها فيقول: "هكذا تستكشف نظرية "لاكان" من البنيات المختلفة للمعنى التى بواسطتها، وداخلها تحدد للذات الإنسانية مواقفها داخل العالم فى علاقتها بالذوات الأخرى، ومثله مثل "هيجل" حدد "لاكان" الوضع الخاص بالوعى الإنسانى بأنه وعى يكون فى حالة بحث دائم للوصول إلى اليقين الذاتى، كما أنه وعى يقوم بتحويل ذاته وعالمه، خلال محاولاته الوصول إلى ذلك اليقين. ومثله مثل نيتشه، تبنى "لاكان" فكرة وجود ذات وهمية أو متخيلة، تكون دائماً على شفير التمزق، وعلى حافة التفكك، ذات ترغب دائماً فى التمسك بذلك الوهم الخاص بالكلية".
واقترح لاكان وجود مراحل ثلاثة مهمة لتكون الذات هى:
1- مرحلة ما قبل المرآة 2- مرحلة المرآة 3- مرحلة ما بعد المرآة.
يتحدث "لاكان" عن الأنا والمجتمع ويشير إلى دور الفراغ الكبير أو فقدان المعنى، ويرتبط وجود الفراغ بظهور الغرابة من خلال المسافة بين المألوف وغير المألوف، ويدخل الفرد فى شبكة من العمليات الرمزية، نظام التداول الذى يقوم بتمثيله لدوال أخرى، وهذا النظام يفشل كلية، فتظهر فجوة بين الذات وعملية التمثيل الرمزى للعالم، هنا تصبح الذات نفسها فراغاً، مفتقرة إلى المعنى وتتشكل هوية الذات من خلال هذا الافتقار إلى المعرفة، العجز عن تعرف نفسها فى الصور العقلية الخاصة بالإنسانية، شعورها بالخوف من نفسها، وتعد هذه الحيرة جوهرية لدى "لاكان" لأن الفرد المنقسم هكذا يسعى جاهداً إلى التعرف على ذاته، المعرفة بذاته والعالم داخل النظام الرمزى من خلال سلسلة من عمليات التوحد، وعندما يمثل الواقع فراغاً داخل النظام الرمزى يحدث الانقسام والاضطراب، يصبح الإحساس بالواقع مفككاً، وعندما نواجه هذا الفراغ نشعر بالغرابة بكل ما يصاحبها من أحاسيس "تأثيرات" مصاحبة خاصة بالاغتراب.
وترتبط الغرابة لدى "لاكان" بالنظرة المحدقة، بما يسمى التمويه والصور المموهة، بذلك الشعور بأنه فى تلك اللحظة التى ينظر فيها الإنسان إلى العالم، فإن العالم ينظر إليه أيضاً وهكذا فإن "الواقعى" وفقاً لما قاله لاكان هو ذلك الذى يعود دائماً إلى المكان نفسه.
ويرصد "لاكان" لبدايات التفكك حين يقع بعض الناس فرائس للدهشة العميقة وبعد تلقيهم لإحدى الصدمات العنيفة، فيبدو العالم غريباً غير مألوف، أشبه بحلم وأن الأشياء تبدو له – خلالها – أقل من حجمها أو أكبر، وتأتى الأصوات من بعيد وتبدو الصور الخيالية آلية، والخيال صعب المنال، والانفعالات مفتعلة. ويبقى الشخص كأنه فقد الشعور بشخصيته، كأنهم يحسون بأنهم كما لو كانوا يرون أنفسهم، يشاهدون فيلماً، وهذا نوع من الشعور غير السار بالمشاهدة.
ويورد الكاتب حديث "فلهلم ماير" عن اختلال الشعور بالواقع والشخصية، ويرى علماء النفس إن اختلال الشعور بالشخصية يدل على إحساس ضعيف غير متكامل بالأنا أو الذات، ناتج من صراعات خاصة بعدم الكفاءة، وعدم التكامل بين مكونات الذات من ناحية، وبينها وبين الواقع من ناحية أخرى، وتتعدد الأعراض التى تصيب الذات التى تعانى هذه الاختلالات مثل:
1- اختلال الشعور بالواقع، أى أن العالم الخارجى غريب غير واقعى.
2- الماكروبيزيا: وهى الشعور بالتحول الغريب فى أحجام الأشياء وأشكالها.
3- الآلية الشعورية.
4- الإحساس المتحول بالزمن وبالأماكن.
5- الشعور بالغرابة البدنية.
6- المراقبة العالية والمستمرة للذات.
7- التحولات الوجدانية.
8- التذكر والتخيل.
9- خبرة الخواء العقلى.
10- الاغتراب عن الواقع المحيط بهم.
ويعرض الكاتب فى زاوية بحث محورية لتأثير المدن الكبيرة على الذات الإنسانية ويشبهها بوجه "يانوس" إله البوابات فى الأساطير الرومانية، فلقد كان مزدوج الوجه، ويرى "ميشيل فوكوه" أن للمدن وجهين، وهى ذات هويات مزدوجة فهناك الأماكن الذاتية وهناك العشوائيات، الحميمية والاغتراب، الفقر والغنى، وهكذا ،وهو ما يصيب الإنسان بالغرابة.
وربما كانت الغرابة فى الأزمنة الماضية نتيجة تباعد الأماكن وعزلتها بعضها عن بعض ،فى العصر الحديث ولطبيعة المدن الحديثة كان من المفترض أن يخلق المكان الألفة، لكن الاقتراب المكانى أفرز فى حالات عدة نوعاً من الابتعاد وحالة من التشويش والعزلة والوحشة، وساعد على ذلك وسائل الاتصال والإعلان الحديث، فأصبحت الأماكن الحديثة أماكن الغياب لا الحضور والألفة. الأماكن التى يكون الإنسان فيها رقماً من ملايين.
(5)
يستكمل الكاتب بحثه ورصده لحالات الذات البشرية فى الفصل الخامس"- فيتحدث عن "ازدواج الذات وانقسامها" بعد أن تبدأ فى التفكك.
ويتخذ المؤلف رواية "دكتور هيكل ومستر هايد" ل"ستيفنسون" نموذجاً أدبياً لازدواج الذات، ويعبر عن ازدواج "كافكا" بمقولته "أنا – هو".
ثم يتحدث عن أصل الازدواج فيطرح فرضاً ويذكر أنه بحاجة إلى مزيد من الدراسات للتحقق منه يقول: أن هناك ذات أولى فى النصف الأيسر من المخ تعيش حياة متتابعة متكررة وتجد نفسها مع الوقت ووطأة الظروف قد وقعت فى أسر الآلية، فتفقد شعورها بالوجود الحى، هنا يجيئ الدور على النصف الأيمن فيدخل بصوره ومجازاته وانفعالاته وقدراته الخاصة على الحركة فى المكان ويقدم للذات الأولى بعض ما يساعدها على الخروج من أسر الرتابة.
وربما كان الإبداع هنا وسيلة تحمى المبدع من الجنون مثل هولدرين، ونيتشه، وسرندبيرغ وفيرجينيا وولف وغيرهم.
يحاول عالم النفس أن يفسر الذوات المزدوجة فى الإنسان بقول "هنا يخفى الأفراد أسرارهم الخفية المعتمة التى تتحدث عن ذات أخرى، هى فى واقع الأمر، الذات الأولى، الأنا نفسها، لكنها كما تتجسد فى أعماقها، ومشاعرها، تتجسد فى ظلالها الداخلية، قلقها الذى لا تستطيع الهروب منه إلا من خلال مثل تلك التجسيدات والتشكيلات والتحولات" وقد عكست هذه التحولات والتبادلات فى الهوية ذلك القلق العام الذى شعرت به الشخصيات فى المدينة. كما أن هذا القلق قد انعكس بدوره على شكل الحياة الحديثة فى المدينة أيضاً، وبخاصة خلال الليل والظلام، فالمدينة أيضاً – هنا – فقدت تماسكها واستقرارها، أصبحت مزدوجة، متحولة، مخيفة، قلقة ومقلقة".
حول الازدواجية والأدب:
تعنى كلمة الازدواجية وجود حالتين اثنين من شئ ما، أن يدرك شئ واحد على وجهين، يشير إلى ذلك الخيال الذى اهتم بتجسيد وجود حالتين عقليتين أو أكثر لدى الفرد الإنسانى الواحد.
وقد أشارت بعض الدراسات إلى أن الكتاب الذين اهتموا بتجسيد الازدواج والتعدد فى الشخصيات الأدبية كانوا هم أنفسهم يعيشون حياة مزدوجة، مثل ستيفنسون، ودستويفسكى، أوسكار وايلد.
ترجح الأبحاث أيضاً أن هذه الازدواجية فى الشخصيات هى من النتائج المتعلقة بالمدن الحديثة وتطورها، فهى تروج لقيم سامية فى حين يتحكم فى واقعها اعتبارات نفعية وتسلطية لا حصر لها. وإن كنت أرى أن هذا الترجيح ليس بهذا الثقل،اتصور أن تطور وعي الإنسان بنفسه وتراكم ثقافاته المتنوعة، جعلته يدرك ما لم يكن يستطيع تفسيره في السابق قبل المدن.
(6)
فى الفصل السادس المعنون "بالغرابة والقرين" يعرَّف الباحث القرين بأنه ظهور أو تجلي شبحى لحالة داخلية تحدث انقساماً داخل الذات، وفى الوقت نفسه تحدث التكامل الخاص بهذه الذات، على الأقل أمام نفسها، ذلك الجانب السلبى الغامض المخيف المرفوض فيها، وتسقطه على صورة أخرى لها وتكون هذه الصورة الأخرى هى ذاتها، تكون قرينها، إنها صورة محاكية ثانوية أى صورة هوية تشتمل على الذات وموضوعها، الذات وهويتها الأخرى، الذات وكينونتها، الذات التى لا تتشكل إلا من خلال قرينها أو شبحها أو صورتها الخفية الأخرى كما أشار "جوليان وولفريز"، كما يشير الباحث لحضور واضح لمسلمة "الكلام المزدوج" حيث اضطراب اللغة وتشوهها وتكرارها على نحو ساخر وعلى نحو جاد، نماذج القرين فى الأدب الغربى كانت نتاجات لبيوت غير مألوفة وغير مستقرة، ولأوطان مضطربة وأحياناً مدمرة، وتجسد فكرة القرين الخوف من الوحش، الوحش الذى فى الداخل وفى الخارج.






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,577,821,447
- البورترية في النص الروائي عند خيري شلبي -موال البيات والنوم ...
- أسطاسية أسطورة عدل موازية للروائي الكبير خيري شلبي
- الأنترنيت وأليات السرد في نص -في كل أسبوع يوم جمعة-للروائي إ ...
- التماهي بين الموجودات في أدب خيري شلبي
- الإنسان والفن..والوحوش
- البناء الروائي في -عاشق تراب الأرض-للروائي :أحمد الشيخ
- الحدود في الأسلام والمعاصرة
- أشياء برع فيها الأخوان المسلمون
- روضة... هندسة القاهرة
- الصمت الصاخب بالموسيقي في -تانجو وموال- للروائية -مي خالد-
- بعيدا عن إطلاق الرصاص..
- سُحقاَ للتبعية
- الفانتازيا الذهنية بين روايتين صانع المفاتيح وعالم المندل
- المرأة والقهر المضاعف
- الإله في كتاب النحات
- الإعاقة بين الواقعية والفانتازيا
- صانع المفاتيح...سارق نار الفانتازيا الذهنية
- فطر عنيد
- كن اختيارك
- قراءة نقدية لحفيدات شهرزاد


المزيد.....


- مهرجان الدم البليد / علوان عبد كاظم
- مومس في الفصل (الأخيرة). / كريمة مكي العماري
- للقمر وجوه كثيرة آخر ابداعات د. طارق البكري لليافعين / جميل السلحوت
- نافذة خشبية - قصائد هايكو - / سالم الياس مدالو
- الوطن / أحمد زحام
- -الراصد الوطني للنشر والقراءة- يفتتح موسمه الثقافي بالقنيطرة / فاطمة الزهراء المرابط
- لصيدنايا الصباح / مريم نجمه
- هل أعتزلت التمثيل ؟! / سالم اسماعيل نوركه
- لا تستسلم ! / احسان طالب
- عوسج هداة ووعول - قصائد هايكو - / سالم الياس مدالو


المزيد.....

- جواد غلوم: حبُّ امتناعٍ لامتناع - إيلاف
- -الجامع الأزهر الشريف- .. كتاب جديد يوثق تاريخ أعرق مساجد مص ...
- الفنانة كارين كنور تستعرض مراحل تطوّر أعمالها وتشكّل أسلوبها ...
- ألكساندرا كولونتاي :العلاقات الجنسية والصراع الطبقي"ترجمة ضي ...
- العراقي عباس جيجان: أنا الشاعر العربي الوحيد الذي وصل لـ «أ ...
- الأردن: ندوة تناقش رواية -بدل عن ضائع- لشربل داغر
- كتاب -محمد السادس وراء الأقنعة- لعمر بروكسي يكشف الأسرار الش ...
- جاك هيوستن يلعب دور البطولة في نسخة جديدة من فيلم «بن هور»
- روعة ودفء اللون الأسود في مجموعة زارا لخريف وشتاء 2014/2015 ...
- البوابة تهنئكم بعيد الأضحى المبارك 2014 بهذه البطاقات


المزيد.....

- رواية -شهاب- صافي صافي / رائد الحواري
- جملة في تبجيل الفنان وردي / جابر حسين
- قلم وفنجان / بشرى رسوان
- جملة في تبجيل الفنان وردي / جابر حسين
- ما بعد الجنون / بشرى رسوان
- تياترو / ايفان الدراجي
- دفتر بغلاف معدني / ناصر مؤنس
- الجانب الآخر من الفردوس / نصيف الناصري
- بئر العالم / حسين علي يونس
- ترجيل الأنثى تسمويا....حزامة حبايب في رواية (قبل ان تنام الم ... / مقداد مسعود


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أماني فؤاد - غرابة الأدب..غرابة العالم وغربة الروح دراسة في كتاب الأدب والغرابة لدكتور شاكر عبد الحميد