أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد الرحيم لعرب - الحلقة الرابعة و الأخيرة: كوني بردا وسلاما على إبراهيم















المزيد.....

الحلقة الرابعة و الأخيرة: كوني بردا وسلاما على إبراهيم


عبد الرحيم لعرب
الحوار المتمدن-العدد: 4200 - 2013 / 8 / 30 - 01:58
المحور: الادب والفن
    


حيرني لغز الكهف العلوي. فتساءلت مع مرافقي النوراني:
- هنا جنة ونار، لكن إلى أين يؤدي الكهف العلوي؟
- إنها "جهنم المفكرين والأدباء".
- ما معنى ذلك؟!
- إنه مصير مدهش، غريب، كاللغز. تلك منطقة آوى إليها أولئك الذين استشهدت ببعض أقوالهم في امتحانك البرزخي.
- الفلاسفة، الأدباء، العلماء...كيف ذلك؟!! ظُلَموا هناك وسيُظلَمون هنا؟ معاذ الله! ألم يُقتَلوا هناك؟ ألم يُعدَموا زورا وبهتانا؟ ألم يُسجَنوا ظلما وعدوانا؟ ألم يُحاصروا ويُشتموا من كل حدب وصوب. ألم يكونوا كالأنبياء يُرمَوْن بالحجر، لأنهم شهروا الحقيقة الصادمة، في وجه الجهل المستشري؟!!
ساورتني دهشة عارمة، غاشية للأبصار، خطفتني كالبرق الصاعق:
- هل هم أيضا في سقر وما أدراك ما سقر؟!!
أجابني بهدوء نوراني، وكأن أسئلتي بالنسبة له مجرد صدى بعيد، في واد سحيق، من كوكب يبعد بملايير السنوات الضوئية عنه:
- لست أدري، ولماذا لست أدري، لست أدري، كما قال أبو ماضي، أحد شعرائكم. يا هذا... خذ مفتاحك، وسترى كل شيء بأم عينيك.
أخذت مفتاحي العجيب، أحسست بقلبي مُزلزلا من مكانه، ودمي يفور، رغم حداثة تجديد خلقي. الدهشة مرة أخرى تطرح الأسئلة. قررت إتمام طريقي المجهول. لا أحد ألفيته ينادني، يا ابن السبيل. صعدت على سلم جهنمي حام. لا أسمع في الأسفل إلا صراخ المستبدين الصاخب. رجلاي تكاد تذوبان من شدة الحر. تقدمت نحو الباب فتحته بقوة وبلا تردد، المصير النهائي الذي لا جدال فيه تراءى أمامي واضحا. ترقبت مرهوبا متصدعا ليأخذوني بالنواصي ويغلوني، ثم الجحيم يصلوني. ازداد خوفي خوفا على خوف. اضطربت كل الاضطراب. أعدت قراءة العنوان المخطوط على الباب الأخير." جهنم الفلاسفة،المفكرين، الأدباء،العلماء،الشعراء،الفنانين، التشكيليين، النحاثين،العازفين...،
- يا إلهي، هذا لا يصدق؟! يا للندامة! يوم لا تنفع الندامة...يا ويلي...يا ويلي... أهذا هو مصيري الملعون؟! نهايتي المأساوية؟ أ أقول يا ليتني قدمت لحياتي؟!!!
فجأة تردد صوت من داخل الكهف مجلجلا:
- خير ما قدمت في حياتك... تفضل...تفضل، لا تجزع ولا ترهب، مرحبا بك عندنا.
- مــــــ.....ــــــن؟ مـــــــــــــــ....ـــــــن أنـــ.....ت؟!!!
لما هممت بخطوة إلى الخلف، ضحك ساخرا مني، مقهقها كأنه سكران:
- لا تخف يا بني...ادخل جهنمنا، أهلا وسهلا بك في أتونها. ليس لك إلا طعام من ضريع، لا يسمن ولا يغني من جوع. ههههههه
- أسناني ببعضها اصطكت... فرائسي تخور... حوبائي اختنقت...وتقول أهلا وسهلا. بئس هذا الترحاب.
- تفضل يا هذا...أنا ابن رشد القرطبي...أنا سقراط الإغريقي...أنا ديدرو الأنواري...أنا غاليلو الكوني...أنا برونو شهيد العلم... أنا ابن المقفع الشرقي...أنا الحلاج الصوفي...أنا إبراهيم الحنفي...أنا مروة الحكيم...أنا طه الأديب...أنا النواس الخمري...أنا المهدي الثائر...أنا الفارابي المعلم الثاني...أنا الكندي فيلسوفكم الأول...أنا ابن سينا طبيب أبقراطي الجذور...أنا...أنا...
ترددت في كل الجنبات أسماء، وأعلام كبيرة، معروفة وأخرى مجهولة. منها من أعرفها حق المعرفة، ومنها من لا أعرف عنها إلا النزر القليل، ومنها من أنا في الطريق لمعرفتها...لمعرفة نفسي.
وفي خضم هذه الدهشة العارمة، تساءلت:
- ماذا وقع في ميزان الحساب حتى صرتم من أهل جهنم؟!
رد أحدهم بشكل هادئ ورزين:
- ادخلها بسلام ولا تهب. أ لم تسمع عويلهم تحتنا؟ أولئك الذين نفونا، شتمونا واتهمونا ثم صلبونا وقتلونا؟.
بدأت شرارات اللهب تتطاير بجانبي، ولحمي يتساقط رغم قوته الماورائية، همهمت واضعا كفي على فمي حتى لا يذوب لساني كاملا:
- ما الفرق؟!... ها أنتم أيضا في جهنم خالدين فيها أبدا!! لا فرق!... لا فرق...!
اهتزت أركاني لضحكة موحدة صاخبة، اشرأبت أيديهم نحوي لتجذبني نحوهم. وهتفوا معا:
- يا أيتها النفس المفكرة، ارجعي إلينا ثائرة، وادخلي جهنمنا لتكون عليك بردا وسلاما. لا قرت أعينهم، ولا التهبت نارهم أصحاب الأخدود.
عينيا اغمضت منتظرا وديان اللهب والزمهرير لتتلقفني. مرت كل الأسماء و الوجوه أمامي مسرعة. وصرخات الكوابيس المرعبة التي كانت تترصدني، كلما قرأت كتابا من كتب فرويد. هذا الأخير ذاته من أيقظني وهو يتلو طلاسم تفسير الأحلام. رشني بماء بارد تخلل كل شقوق نفسي كأرض جرداء. حركت رموش عيني بصعوبة. كل شيء صاف، هادئ، مع موسيقى مارسيلية عذبة لا تنتهي، كلما سمعتها، قلت هل من مزيد؟ تخللتني دهشة رقراقة لا توصف، شوق من الإمكان إلى الوجوب، ومن الضرورة إلى الحرية.
أشجار النخيل والجوز، كانت تلفني بظلها وثمارها. فواكه لا تعد ولا تحصى، تين ورمان، كنا نتسلل لقطفه عندما كنا أطفالا، ونحن نتسلى بلعبة الجنة والنار في الفدادين المجاورة. عنب، تفاح وإجاص، كنا صغارا نراها من بعيد عند خضار ذي زبائن مميزين. لم نعرها اهتماما، ربما اقتنعنا آنذاك بأنها من الأشياء التي لا يجب أن نشتهيها كباقي الأطفال. تمر لذيذ ذكرني بوليمة كنت أسترقها عند عمي البشير، عندما كان يدخل إلى ضفة غير مرتبة من دكانه. ويطرح أمامي ما أشتهيه من التمر واللبن. وفي بعض الأحيان يهديني موزة طرية تسلب الذوق. مياه عذبة رقراقة تحيي النفوس، وتروي أكبادنا بالحياة كأنهار الحوز المتدفقة. وهذه الذكريات تدور بخاطري، أخذ ابن المقفع بيدي وقال:
- تفضل...اجلس لأروي لك قصصا من كليلة ودمنة، سخرية من ماضينا وجلادينا. لعلها جهنم تبدو للبعيدين من أتون أسئلتها، وجنة للغطاسين في متونها.
قال آخر:
- لعلها نار الشوق والبحث عن حقيقة منفلثة. لهب الأسئلة المستعيرة. حر الدهشة الدائمة. طفولي هو الإنسان دائما. هذي جهنمهم وجنتهم في آن.
على وقع هذه الترانيم، في قداس ملكوتي، سرمدي الأنغام. لاحت بسمة حكيمة من فم سقراط ساخرة من ماض عنيد، وقاض حاكمته الحكمة قبل التاريخ. ابن رشد يتأمل مسارات المنفى القديم، وإهانات السلطان ورجال الدين. المتنبي يشهر أبياته فصيحة معجزة المعاني. يضحك ساخرا ممن ادعوا الربوبية ليتهموه بادعاء النبوة. الكواكبي سبر أغوار الدين ليكشف أن الحكم باسمه من وجوه الاستبداد. توضأ من ماء الخلجان مطهرا الإيمان من كل سمسار وبائع صكوك غفران. ديدرو حطم سجن الباستيل الكنسي مضيئا الأرجاء. أبونواس يغازل إحدى حبيباته الحوريات. داروين يبحث عن أصل الجنة والنار في هذا الملكوت، وكيف تحول بعض الطغاة إلى قردة خاسئين. ماركس يلامس أصل الفرح والغبطة السائدة في هذا المكان بين الجميع، وانتفاء صراع الكل ضد الكل.
أخذني الجميع على قدر دهشتي الشاعرية، فارتمينا في نهر ماؤه سلسبيل جار، شهي نمير. وهتفنا جميعا مرددين بين أرجاء الملكوت الحر:
- هذي الجهنم، جنة فردوسية، إذا كان وقودها الفلاسفة، المفكرون، العلماء، الفنانون، الشعراء والأدباء...!!!





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,005,603,677
- الحلقة الثالثة: كوني بردا وسلاما
- الحلقة الأولى: كوني بردا وسلاما على إبراهيم
- صرخة ضد كل الفاشيين بشتى تلاوينهم، من النازية إلى الصهيونية ...
- شجاعة لحد الخوف
- من أم الدنيا إلى كل الدنيا.
- الخيال في زمن الاغتيال
- مقال عن مستبد قديم إلى كل المستبدين الجدد و القادمين على ظهر ...
- ثورة مصر مستمرة: -بشرى للحرية بشعب مصر-
- عمال إيمني:قصيدة إلى كل عمال المناجم بالمغرب: إيمني، بوازار. ...
- إلى ذكرى الشهيد الثائر الأممي تشي غيفارا: خطاب كاميليو وسط ا ...
- رسالة الشهيد البوعزيزي: إلى ثعالب الديار: إلى مفتي الديار:
- من شاعر يحبكم: بشرى للحرية بشعب مصر. مع باقة من القصائد
- بطاقة تهنئة من المغرب: مبارك على الشعوب سقوط مبارك
- رسالة الشهيد البوعزيزي
- أبو القاسم الشابي يُبعث في سيدي بو زيد
- خطاب سيدي السلطان بعد أحداث سيدي بوزيد
- في ذكرى استشهاد الرفيق عبد الرزاق الكاديري، كان أول من سقط ش ...
- حوار قصير بين الأخطل و جرير: إلى كل الجلادين
- شعر ثوري:أنتم أحرار في ألا تعترفوا بالكلام و الحمام
- رفيقي لا ترحل: إلى الرفيق الرقيق المشاعر الطيب المعشر الشهيد ...


المزيد.....




- القاهرة: حفل توقيع ومناقشة ديوان -أم العيون المغفرة-، للشاعر ...
- رسالة ماجستير جديدة عن أديب كمال الدين
- فازت الكاتبة الأيرلندية الشمالية آنا بيرنز بجائزة -مان بوكر- ...
- مصر تستأنف ترميم مسجد الظاهر بيبرس التاريخي (فيديو)
- انطلاق -أيام فلسطين السينمائية- بمشاركة أكثر من 60 فيلما
- بيروت.. القضاء اللبناني يحقق مع الإعلامي هشام حداد
- عزيزة البقالي القاسمي: لمسنا معاناة حقيقية للنساء
- عازفون بغداديون شباب يحاربون العنف والتطرف بالموسيقى
- ملك هوليود مستاء من السعودية بسبب مقتل خاشقجي
- اللجنة الرابعة تجدد دعمها للمسار الرامي إلى إيجاد تسوية لقضي ...


المزيد.....

- جدلية العلاقة بين المسرح التفاعلي والقضايا المعاصرة / وسام عبد العظيم عباس
- مع قيس الزبيدي : عودة إلى السينما البديلة / جواد بشارة
- النكتة الجنسية والأنساق الثقافية: فضح المستور و انتهاك المحظ ... / أحمد محمد زغب
- أغانٍ إلى حفيدتي الملكة مارجو الديوان / أفنان القاسم
- رواية عروس البحر والشياطين / إيمى الأشقر
- -كولاج- المطربة والرقيب: مشاهد وروايات / أحمد جرادات
- اعترافات أهل القمة / ملهم الملائكة
- رجل مشحون بالندم / محمد عبيدو
- موطئ حلم / صلاح حمه أمين
- تنمية المجتمع من خلال مسرح الهناجر / د. هويدا صالح


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد الرحيم لعرب - الحلقة الرابعة و الأخيرة: كوني بردا وسلاما على إبراهيم