أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - صبري المقدسي - التفاؤل: مفتاح النجاح في الحياة العملية






















المزيد.....

التفاؤل: مفتاح النجاح في الحياة العملية



صبري المقدسي
الحوار المتمدن-العدد: 4069 - 2013 / 4 / 21 - 15:53
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


التفاؤل:
مفتاح النجاح في الحياة العملية
ما يصيب الانسان في الحياة من نكبات ومشاكل إنما هي بسبب إدارته الخاطئة وتفكيره غير الصائب والبعيد عن الصواب والحقيقة. لأن الانسان مخلوق حر ومُخيّر، لم يجبره الله على إتباعه أو لعمل الخير، بل أعطاه الحرية في القرار والاختيار. وجعل فيه الروح التفاؤلية التي قلما نفكر فيها، وقلما نستخدمها في حياتنا اليومية.
فالتفاؤل كلمة مليئة بالقوة والعزيمة والصفاء، نحتاجها في عالمنا اليوم بالرغم من الشر المنتشر في كل مكان والفشل في الجوانب الكثيرة من حياتنا اليومية. وهو مرادف للبهجة والتيمّن، ومأخوذ من اليمين، ومعناه البركة والنزوع إلى رؤية الجانب المشرق من الأشياء، وتقوية الأمل في الحياة، وفي نُصرة الخير على الشر، وفي غلبة النور على الظلمة.
ولكن إذا نظرنا وبكل بساطة الى التاريخ البشري نستطيع أن نحكم بغلبة كفة التفاؤل على كفة التشاؤم، بالرغم من كل الحروب والكوارث الطبيعية والسياسية والاجتماعية. والدليل التاريخي الأقوى لما نقول هو إنتقال البشرية من الطور الهمجي الى الطور المدني والحضاري أو في إرتقاء البشرية من المرحلة الدونية الناقصة الى المرحلة التقدمية العالية، وذلك في مجالات عديدة، منها التطور التقني والتكنولوجي، ودور الصحة في القضاء على الكثير من الامراض التاريخية، وفي طول معدل الاعمار، بالاضافة الى تطور الثقافة والنهضة العلمية في مختلف المجالات.
ولا بد من التنويه على أن التفاؤل مفهوم ضروري لتكوين الأهداف التي تتعلق بحياتنا. وعلينا أن لا ننسى على أن الفكر الايجابي الذي يقود الى التفاؤل، هو من أهم الكنوز الفكرية التي يحتاجها الانسان في حياته اليومية. وأما الفكر السلبي فهو فكر هدام ومُدمّر ولذلك على الانسان أن يبعد عنه الروح السلبية وأن يحاول أن يكون إيجابيا في نظرته للحياة وللإمور بالرغم من صعوبة وإستحالة ذلك في بعض الاحيان. وهذه حقيقة دينية وعلمية لا شك فيها، لأن العلم والدين كلاهما يدعوان الى التفاؤل والسعادة. ولا يمكننا أن ننكر بأن الانسان يواجه فترات صعبة جدا في حياته. فالانسان المتفائل يواجهها، ويتغلب عليها بروح ايجابية بناءة. وإذا فشل في مواجهتها فإنه يعتبر ذلك بداية لمرحلة جديدة من الصراع من أجل النجاح والتقدم. ولكن الانسان المتشائم يتعامل مع الامور على العكس من ذلك، فهو يقبل بالفشل الذي يُنزل به الى أسفل الدركات في جميع النواحي الاجتماعية والنفسية والاقتصادية. ويستنتج في النهاية بان الحياة نفسها هي شقاء وعذاب وآلم، ولا تستحق التضحية من أجلها.
وجدير بالاشارة أنه ليس هناك فرق بين التفاؤل والتشاؤم في التجارب الحياتية فقط بل في كيفية الاستجابة للأشياء وكيفية إدراكها. فعندما يمر شخص متفائل في وضع حرج مثلا، فهو يفترض مسبقا بأن الحياة سوف تتحسن. وبينما المتشائم يعتقد بأن الحياة، صعبة ومؤلمة، وسوف تبقى كذلك. وتترك الحالتين بصماتها العميقة على الناس وعلى صحتهم ومستقبلهم. ولا غرابة في أننا نجد في واقع الحياة اليومية بأن الاشخاص المتفائلون يعيشون بصحة أحسن من الاشخاص المتشائمين. إذ يُعمّر المتفائلون عادة أكثر من المتشائمين. فالمتفائلون يتحررون من المعوّقات والتقاليد الاجتماعية التي تؤخر وتقلل مسيرنهم للتقدم الى الامام. ولكن المتشائمون يبقون متخبطين في واقعهم السلبي، ويندبون حظهم العاثر. ويتضح هذا خاصة في حالات المرضى الذين يعانون من السيدا(الإيدز) أو السرطان وغيرها من الامراض المزمنة والخبيثة التي تحتاج الى قوة الايمان للصبر والاحتمال وللقضاء على اليأس والتشاؤم والإحباط والموت.
ولذلك ينصح الاطباء والعلماء النفسانيون بإستقبال المشاكل والصعوبات بالايمان والابتسامة والضحك والتفاؤل. فهي كلها مفيدة للجسد والروح. وتساعد على تجاوز المعوقات والمشاكل المختلفة. فإذا تعرض المرء الى مشكلة حقيقية، فعليه أن لا يزيد الامور تعقيدا بالحزن والتعاسة، بل الأفضل أن يتفائل بشأنها. ولكن من يعتزل الضحك والتفاؤل بعد محنة أو تجربة مريرة، يظل في تعاسة يصنعها بنفسه لنفسه، وتدوم تعاسته لفترة طويلة ولا يدفع ثمنا لها إلا هو، ولا يلوم إلا نفسه.
وقد يحتاج الانسان بين الفينة والاخرى الى نصائح وتوجيهات تفيده في بناء شخصيته وتقوية روحه الايجابية. ومن أهم تلك النصائح: التركيز على العيش ببساطة ومن دون تعقيد كبير. لأن الحياة نفسها بسيطة وغير معقدة، والتعقيدات الموجودة هي في الواقع من صنع الانسان نفسه، وبسبب مشاكله وهمومه الداخلية والنفسية. ولا بد أيضا من المحافظة على نظافة أنفسنا ونظافة محيطنا وبيوتنا، من التلوّث. لأن البيئة، هي بيتنا الذي يجب حمايته. فإن كان بيتنا خربا ومتوسخا فكيف تكون حياتنا يا ترى؟!. والشىء الآخر الذي يُعد بالاهمية نفسها هو التخلص من الأنا المُهلكة والمدمّرة في النواحي المختلفة من الحياة، مع التركيز على الجمالية في الحياة، وفتح الآفاق الجديدة من التحديّات التي تساعدنا على الخروج من مشاكلنا اليومية، وتدخلنا في هدوء وسلام داخلي. مع التصرف في طبيعة الحال بثقة وفعالية ومثابرة مستمرة في جميع خطوات حياتنا. وعلى رأس كل ذلك، تجنب القلق والتوتر النفسي، من دون التسليم بالفشل، مع توطيد العزم على البحث والدراسة والعمل والابداع.
وتعد تلك الطرق والوسائل بحسب المقاييس العلمية لعلم النفس من الطرق المضمونة والناجحة في خلق الروح التفاؤلية التي يحتاجها المرء في حياته. وقد نسمع كثيرا من البشر يقولون: (ليست وضعيّتي جيّدة ولكنني سوف أسعى الى تحسينها). فهذا السعي هو القوّة المُحرّكة للأفكار التي تساعد الانسان للخروج من اليأس والوصول الى الأمل، والى تحقيق الأهداف الحميدة بطرق شتى.
وتؤكد الدراسات الاختبارية، بأن الناس الذين يتطلب عملهم القعود الكثير في مكاتبهم، يتعرضون للحزن والتشاؤم أكثر من الذين يتحركون أثناء العمل. ومن الملفت للنظر ان نسبة المتفوقين في أسواق البيع والشراء من بين المتفائلين، تفوق أكثر بكثير مقارنة مع المتشائمين أثناء العمل في المخازن والشركات والتأمينات الصحية، وشركات التأمين على الحياة، وفي كل أنواع الاعمال التجارية الاخرى.
ويفسر علماء النفس والمختصون، التقسيم الموجود بين البشر بالنسبة الى المتفائلين والمتشائمين الى وجود دوافع فكرية تصل الى العقل الباطن في فكر كل شخص، بعضها ايجابي وبعضها الآخر سلبي. وينهمك البعض في منع الدوافع السلبية من الدخول الى حياتهم، ويرحبون بقدر الامكان بالدوافع الايجابية. وأما البعض الآخر فيجد الاستعداد اللازم لإستقبال الدوافع السلبية التي تملأ حياتهم بالروح السلبية المحبطة والمقلقة والتي تلقي بهم في الفشل والاحباط.
ولعل التربية البيتية هي المسؤول الاول، التي تصيب الاطفال بالصدمات العنيفة وتجعلهم يميلون الى التشاؤم. والعلاقات المتوترة بين الوالدين، تؤثر بصورة سلبية على مستقبل أولادهم. بالاضافة الى الكوارث الانسانية والطبيعية التي تصيب العائلة، وتطبع بصماتها في عقولهم وقلوبهم. وعلى العكس من هؤلاء الذين تحكمهم الروح الايجابية، ويعملون على تحقيق وإنجاز الكثير من الامور في حياتهم بسبب روحهم المرحة وتفائلهم الجيد.
وتجدر بالاشارة على أن متعة الحياة تكمن في التجديد والتحديث النابع من دواخل البشر، وفي جعل النفس في منأي عن صعوبات الحياة. ولكن ليس في الحقيقة كل ما يتمناه المرء يُدركه، ولا يُمكن أن تسير الأمور على وتيرة واحدة دائما. فكما أن الحياة فيها حزن وألم وعذاب، فإن فيها أيضا راحة وفرح وسلام. وكما أن فيها عمل ونجاح وابداع، فيها أيضا فشل وسقوط وإنحطاط.
ولذلك لابد إذن من ممارسة هذه العقلية التفاؤلية في الحياة اليومية والنظر اليها نظرة إيجابية كأن نقول لأنفسنا: (شكرا لله على الصباح الجديد الذي ننتظره بفارغ الصبر)، ويؤثر هذا التعبير على نشاطنا ومشاعرنا، ويجعلنا مستعدين للعمل والبناء بدلا من لعن اليوم الجديد، كقول البعض في صباح كل يوم: (سيكون يوما حارا أو باردا، متعبا أو مضجرا، طويلا أو قصيرا، ممطرا أو مشمسا)، مما يقضي على العزيمة، ويضعف الطاقات ويزيد الهموم والأحزان.
والسؤال الذي قد يسأله البعض، هل التفاؤل جيّد دائما وفي كل الاحوال؟ والجواب في طبيعة الحال، لا يمكن أن يكون الانسان متفائلا في كل شىء وفي كل الأوقات. فالانسان المتفائل قد يقع في بعض المشاكل بسبب حسن نيته وثقته المُفرطة بنفسه أو بغيره، أو بسبب النظر الى الناس الأردياء الذين ينوون شرا بالمنضار الايجابي البناء. ولكن لابد من الحيطة والحذر، وخاصة في حالة اتخاذ القرارات. إذ يجب على المرء أن يكون حكيما حتى لا يورط نفسه في مشاكل مستعصية لا مخرج منها، كما يؤكد المعلم النصراني: (كونوا حكماء كالحيّات وودعاء كالحمام).
فالتفاؤل إذن أمر حسن ومحمود، إذ يساعد الناس على النجاح، ويعينهم على التركيز في المستقبل، ويسهل لهم الامور، مهما كانت صعبة ومستحيلة. فهو طريق مضمون للحصول على السعادة الحقيقية، التي تدعونا الى تحقيقها بالطرق الصحيحة والغير الملتوية.
صبري المقدسي






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,517,305,035
- الحضارة المعاصرة: وليدة الحضارات القديمة مجتمعة
- الحداثة: الضامن الرئيسي لتحرير العقل
- اللغة: اهم ركيزة لتحصين الثقافة والهوية
- معرفة الذات: الطريق الامثل لمعرفة الآخرين
- الحضارة المعاصرة بنت الحضارات القديمة مجتمعة
- الثقة بالنفس: الاساس المتين للنجاح في الحياة
- علم الفلك: أم العلوم واصل كل العلوم
- البحث عن السعادة
- الحرية اقدس وأغلى عطية للإنسان
- دور التربية في بناء المجتمع وتنظيمه وقيادته
- في البدء كان السؤال وفي السؤال كان التمدن
- دور العلم في بناء المجتمع وتطوره وازدهاره
- المثقف: هو الرسول وهو الرسالة
- الحداثة: الضامن الرئيسي الوحيد لتحرير العقل
- العولمة: هوية جديدة للبشرية
- الثقافة: الضامن الرئيسي الوحيد لتمدن الامم
- دور الثقافة والدين في بناء المجتمع وتنظيمه وقيادته
- دور الثقافة والسياسة في بناء المجتمع وتنظيمه وقيادته
- فكرة تأسيس النظام العالمي الجديد
- الربيع العربي ثورة شعبية ام ثورة عابرة


المزيد.....


- المواعيد و الوعود والالتزامات على محك زمننا المهدور / عائشة التاج
- مصداقية الانسان بين المباديء و المصالح / عماد علي
- القارئ والنص .. نحو فهم ابستمولوجي / اسامة غالي
- القارئ و النص...نحو فهم ابستمولوجي / اسامة غالي
- الإفلات من إله الشر - الماتريكس / محمد عبد القادر الفار
- دعوة النورانية – السبيل الشافي / حسن ميّ النوراني
- الفصل من الوظيفة بسبب النميمة والغيبة !! / اسماء محمد مصطفى
- العشق يجعل العقل يسير في السراب / صباح الرسام
- تشريح الكراهية / حمودة إسماعيلي
- الطفل و الفلسفة: هل هناك فلسفة قاصرة؟ / مصطفى بلحمر


المزيد.....

- أمريكا: الشرطة تعثر على صاحب مسدس استخدم بجريمة قتل على يد م ...
- بالصور..أجمل الأماكن لقضاء عطلة رومانسية في الصيف
- أوكرانيا: نظام دفاع جوي يُسقط طائرتين حربيتين شرق البلاد
- أكلات رمضانية مع الشيف الشربيني.. كوكتيل اللحم بالتوابل
- الصومال.. اغتيال مغنية شهيرة
- منظمة تتهم بغداد باستخدام البراميل المتفجرة
- انتشال جثث بخانيونس..ومقتل صحفي بغزة
- وزيرة الدفاع الألمانية: 800 جندي سيدربون الأفغان بعد انسحاب ...
- ايران تعول على استئناف المفوضات مع السداسية في 1 سبتمر/أيلول ...
- بالفيديو.. رفع علم القديس أندراوس على فرقاطة -ستويكي- الروسي ...


المزيد.....

- شبح ماركس ورعب نهاية التاريخ / معن الطائي
- حياتي الزوجية أنا اخترتها... لماذا تحوّلت جحيماً؟ / ماريا خليفة
- الروح العلمي الجديد عند غاستون باشلار / زهير الخويلدي
- الفضاء العمومي عند هابرماس / خالد مخشان
- القطيعة المعرفية في التقدم الفكري / المنصور جعفر
- جورج باتاي: الجنون المتنقل بين الفلسفة والقداسة / مجموعة من الباحثين العرب
- العنف المؤسس على الدين / حاتم تنحيرت
- المادية الديالكتيكية لجماعة من الأساتذة السوفييت / جماعة من الأساتذة السوفييت
- إشكالية المثقف عند غرامشي / رسالة ماجستير في الفلسفة ،لحيدر علي محمد باشراف الاستاذ مدني صالح
- موجز تاريخ الفلسفة / جماعة من الاساتذة السوفيت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - صبري المقدسي - التفاؤل: مفتاح النجاح في الحياة العملية