أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعيد الوجاني - الاغنية السياسية















المزيد.....



الاغنية السياسية


سعيد الوجاني
الحوار المتمدن-العدد: 3961 - 2013 / 1 / 3 - 20:42
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


جرت العادة على تقسيم الاغنية السياسية بين صنفين من الاغاني بحسب التطور المرحلي والزمني الذي يتواجد فيه المغني . هكذا يمكن القول ان الاغنية السياسية تتوزع بين الاغنية الملتزمة ، وهي اغنية الاطر والنخبة العضوة في تنظيمات سياسية ، وبين الاغنية الثورية وهي الاغنية الشعبية التي قد لا يكون الصّاغون اليها اعضاء في تنظيم سياسي . فالفرق واضح بين الاغنية البرجوازية التي يغنيها المغنون البرجوازيون من البرجوازية الصغيرة او المتوسطة او ما فوق المتوسطة ، وبين الاغنية الشعبية التي يصغي اليها الشعب بمختلف طبقاته الاجتماعية خاصة العمال والفلاحين والمثقفين ، وأقسام من البرجوازية بمختلف طبقاتها الاجتماعية ، بل يصغي اليها حتى الحكام رغم اختلاف اشكال ’نظم حكمهم . واذا كانت الاغنية السياسية الملتزمة هي اغنية النخبة المثقفة والعضوة في احزاب ، او مقتنعة بإيديولوجيات معينة ، فان هذا لا يعني بالمرة ان كل المثقفين حتى ولو كانوا من البرجوازية الصغيرة والمتوسطة هم معنيون بالإنصات لهذه الاغاني المسماة ملتزمة . فليس كل مثقف هو ملتزم سياسيا مع تنظيم ، بخلاف الاغنية الثورية التي هي الاغنية الحماسية والجماهيرية التي ينصت اليها كل الشعب بمختلف اطيافه وطبقاته . وهذا يعني ان الاغنية السياسية الملتزمة لا يفهمها غير المثقفين العضويين بخلاف الاميين من اغلبية الشعب التي يصعب عليها فهم هذا النوع من الاغاني ، ويفضلون بدله الانصات الى الاغنية الثورية المحركة للوجدان والحواس .
وبالرجوع شيئا ما الى الوراء سنجد ان الاغنية الملتزمة تزدهر وتنتشر في وقت التحرك والنضال ضد الحكم المركزي ، اي في وقت الدولة المستقلة ، وهذا كان حال الشيخ امام واحمد فؤاد نجم بمصر ، في حين نجد الاغنية الثورية الحماسية تزدهر وتنتشر في وقت الاحتلال ، وفي اوقات الحروب الاهلية ، او في اوقات الحروب الحدودية . وبالرجوع شيئا ما الى الوراء كذلك ، سنجد ان الاغنية الثورية قد غطّت كل الانشطة الثقافية لجميع المنظمات الداخلة في منظمة ( التحرير ) الفلسطينية ، بل انه كان لكل منظمة مغنوها الثوريون وأغانيها الثورية ، بدءا بفتح ومرورا بالجبهتين الشعبية والديمقراطية لتحرير فلسطين ..لخ . وهذا النوع من الاغاني الثورية غطّى كذلك جميع الانشطة الثقافية لجميع الاحزاب الوطنية اللبنانية ابان الحرب الاهلية وبعدها ، من الحزب الشيوعي ، الى رابطة العمل الشيوعي ، الى حزب البعث ( القطر اللبناني ) الى الحزب السوري القومي الاجتماعي وهكذا .. لخ . وحين ظهرت الى السطح الحركات الاسلامية في بداية ثمانينات القرن الماضي وطيلة التسعينات من نفس القرن ، اصبح لهذه الحركات مغنوها الثوريون وأغانيها الثورية ، لإضفاء الحماس الشعبي على حركة النضال الجماهيري وسط الشعب الفلسطيني ، ووسط الشعب العربي الذي كانت تهزه تلك الاغاني التي يغلب عليها الطباع العسكري والعمليات العسكرية ( حماس والجهاد الآن ) . وفي لبنان كذلك اصبح لحزب الله ولحركة امل الشيعية مغنيهم الثوريين ، وأغانيهم الثورية التي تشحن الجماهير ضد اسرائيل وضد المخططات المعادية ، وهو ما يفيد انتصار الاغنية الثورية الشعبية الحماسية على الاغنية السياسية الملتزمة ، اغنية النخبة والأطر ، وهو ما يفيد كذلك تعريض قاعدة المنصتين للأغنية الثورية الشعبية على حساب اغنية النخبة المسماة اغنية ملتزمة ، بل يمكن القول الآن بانقراض الاغنية السياسية الملتزمة بسبب افلاس اليسار الماركسي ، وتحول اليسار البرجوازي من الانقلاب على الدولة الى الاصطفاف وراءها مقابل مقاعد برلمانية او مناصب حكومية ، في حين لا تزال الاغنية الثورية الجماهيرية صامدة ما دامت قد تكلفت بها الاحزاب الاسلامية من اخوانية ، وسلفية دعوية ، الى سلفية حركية ، الى سلفية جهادية .
وبالرجوع الى التاريخ المغربي نكاد نجزم بوجود الاغنية السياسية الملتزمة ، وغياب الاغنية الثورية الجماهيرية ، وان كنا نتحفظ على من يعتبر اغاني العيطة ( لعيوط ) التي تؤديها الشيخات اغاني سياسية كما يحاول ان يثبت الباحث في لعيوط والشيخات حسن نجمي . لقد نشطت الاغنية السياسية الملتزمة وسط منظمات الحركة الماركسية اللينينية المغربية ، وبالضبط منظمة الى الامام ومناضليها في صفوف الاتحاد الوطني لطلبة المغرب ، وكان من بين المغنيين الذين رسموا للأغنية الملتزمة سعيد المغربي من خلال اغانيه التي كانت ترددها حناجر الحركة الطلابية خاصة بمناسبة الايام والأسابيع الثقافية التي كان تشرف عليها التعاضديات ، والجمعيات بالجامعات والمدارس العليا مثل المدرسة المحمدية للمهندسين . اما منذ تسعينات القرن الماضي فقد دخلت الحركة الاسلامية على الخط خاصة جماعة العدل والإحسان التي اضحى لها شحرورها المسمى رشيد غلام .
لماذا لا يمكن اعتبار اغنية شيخات العيطة اغنية سياسية ؟ : اذا كانت الاغنية السياسية الملتزمة التي هي اغنية النخبة العضوية ( غرامشي ) ، يمكن اعتبارها بالأغنية التقدمية تجاوزا ، لأنها من أداء الحركات التي تعتبر نفسها تقدمية ، مع ما يرافق ذلك من تغليب الثقافة والنشاط السياسي في المنتديات المؤطّرة لهذا النوع من النشاط المديني ، لأنه يحصل بالمدينة وليس بالبادية ، وحيث يكون للمغني الملتزم جمهور من المثقفين ومن الطلبة يصغون ويشجعون ، وهو ما يعني احساس بالتجاوب بين المغني وبين جمهور الحاضرين ، فان الشيخة التي كانت تغني بالبادية كقاعدة عامة ، لم تكن تنطلق في اغانيها من شعور بالالتزام السياسي او الاجتماعي او حتى الطبقي بالتعبير الماركسي للفن ، ولكنها كانت تكتفي بوصف ما كان العامة يصفونه ، وما كانت السن العامة تتداوله من اخبار وحكايات عن بذخ وترف وسطوة ( القياد ) ( قايد ) الذين عملوا تحت مظلة الحماية ، الى جانب التغني بالربيع والسهول والحب والزواج ، اي المواضيع الاجتماعية المعروفة بالبادية المغربية . ان الشيخة حين كانت تغني العيطة ، لم تكن عضوة في تنظيم ، او انها تتضامن مع آخر او انها مقتنعة بإيديولوجية كما ، لكنها كانت تغني كأي شخص يمتهن حرفة الغناء مقابل اجر غير قار ، كان يتوقف على جود وسخاء المنظمين للحفل الذي يطلق عليه بالمفهوم المغربي ل ( قصارى ) ، التي غالبا ما كانت تنتظم ليلا سواء في لقاءات خاصة ، او في اعراس بمناسبة زواج او ختان او ما شابه ذلك . كما ان الجمهور المنظم لل ( قصارى ) لم يكن سياسيا او ذا ميول سياسية ، لكنهم كان يمكن ان يكونوا من علية القوم ( ملاكو اراضي فلاحية شاسعة او كانوا قيادا بالإدارة الفرنسية ) . واذا كانت الاغنية السياسية الملتزمة النخبوية تعرف تجاوبا من قبل الطلبة والعضويين بالأحزاب ، مع ترديد الشعارات السياسية ، فان حفلات الشيخات التي كان ينظمها الخواص كانت تعرف تدخين ( الكيف بالسبسي ) و معاقرة كؤوس الخمر الاحمر ( الرّوج ) ، وهذا يطلقون عليه في المصطلح الشعبي ب ( ليترو ) اضافة الى قنينات الجعة المغربية من نوع ( ستورك ، سبيسيال و فلاك ) . وعند شعور القوم بالإعياء والتعب من شدة السهر والإفراط في شرب الخمر ، كان الجمع يتفرق مع ظفر رئيس ومنظم ( لقصارى ) بالشيخة اذا كانت جميلة ، وتوزيع باقي الشيخات على المقربين من منظم السهرة ( لقصارى ) من احباب وأصدقاء . لهذا فان ( العيطة ) التي كانت تؤديها الشيخات لا يجوز اطلاق وصف الاغنية الملتزمة او السياسية عليها ، لأنها وببساطة كانت تفتقر الى المضمون السياسي التي عرفت به الاغنية الملتزمة بالجامعات والمعاهد العليا ، كما ان الشيخة ، وعند انتهاء الحفل ، كانت المسكينة وحدها تقصد مسكنها الذي يكون غالبا عبارة عن سكن شعبي جد متواضع لتجدها في اليوم الموالي تركب حمارا او تحلب معزة . واذا كان المغنيون الملتزمون يجدون الدعم والمساندة من قبل التنظيمات التي ينتسبون اليها ، فان الشيخة ، خاصة اذا كانت جميلة ، تبقى عرضة لجميع انواع الاستغلال الجنسي والمادي من قبل الاقطاع بالبادية ، وعندما يبدأ نجمها بالأفول تصبح في متناول الجميع بالبادية ، وهنا كم من شيخة نظمت سهرات مع قياد طغاة انتهى بها المطاف بالتسول في الاسواق ، والعيش على صدقات العدد القليل من القوم الذين يعرفونها ، اما الاكثرية الشابة التي لا تعرف عنها شيئا وهي القاعدة ، فإنها لا تعيرها اهتماما يذكر ، خاصة اذا كانت المسكينة تعيش خريف العمر ( زهرة خربوعة و ولد العواك مع القايد المكي بالرماني ) ، واذا كانت العيطة لا يمكن اعتبارها اغنية سياسية ملتزمة او تقدمية ، فأنها تبقى فنا من الفنون التي ينضح بها التراث المغربي الاصيل .
وفي ميدان الاغاني السياسية ، لا بد من التذكير بالأغاني التي كان يؤديها ’مغنيون ، ليسوا بالثوريين ، ولا بالإصلاحيين ، ولا بالمتأسلمين . والمقصود هنا ، ما يعرف بالأغنية الوطنية التي كانت تتناول رمز النظام او البلد او القضايا الوطنية وكمثال ( عبد الوهاب الدكالي والأغنية المشهورة " حبيب الجماهير " ، محمود الادريسي وأغنية " واد زيز " ، الاغنية التي اداها جيل جيلالة تحت عنوان " الساقية الحمراء ليّ والواد وادي .. " ثم اغاني فيروز عن القدس وام كلثوم عن جمال عبد الناصر...لخ
وبالرجوع الى الاغنية السياسية الملتزمة التي يمكن اعتبارها اغنية " تقدمية " لأدائها تؤدى من قبل مغنّيين يعتبرون نفسهم ينتمون الى تنظيمات تعتبر نفسها " تقدمية " ، سنجد ان اليسار الماركسي السبعيني ، راهن في مخاطبة الجمهور المثقف ، من اجل الاستقطاب على الاغنية الملتزمة التي اعتبرها تجسيدا فعليا وموضوعيا لآمال الجماهير التي كان يرى انها مستنزفة اقتصاديا واجتماعيا وفكريا وأخلاقيا ، او بتعبير اكثر وضوحا فان اليسار راهن على الاغنية التقدمية لتكون تعبيرا ايديولوجيا عن النضال الطبقي الذي تخوضه الجماهير التي حظيت بتنظير كبير من قبل الاقلام الماركسية دون ان تكون هناك علاقة تجمعها بهذه الجماهير التي كانت تعيش في واد واليسار يعيش في آخر . وهنا نطرح السؤال : هل يمكن اعتبار فرقة ناس الغيوان وأغانيها ثوريون ؟
اعتقد انه بدأ الحديث موضوعيا عن الاغنية الملتزمة في المغرب في بداية سبعينات القرن الماضي ، اي التقدمية التي من المفروض ان تكون مرتبطة بقضايا وهموم الناس ، منذ المحاولات الغنائية لناس الغيوان . وقبل معالجة الموضوع لا بد من الاشارة الى انه بعد موت الحسن الثاني ومجيء خلفه العاهل محمد السادس الى الحكم ، وفي اطار التفتح الذي كانت تجريه التلفزة المغربية خاصة القناة الثانية مع الفرق الغنائية ومع المواطنين ، وأثناء استضافتها لمجموعة جيل جيلالة ، اعلن احدهم ( عبد الرحمان ) ، انهم كانوا يغنون الاغنية الملتزمة ، اي الاغنية السياسية . وعند استقبالها ، اي التلفزة للشيخة الحاجة الحمداوية ، وسألها المستجوب عن مضمون الكلمات التي تشملها اغانيها ، اكدت هي بدورها انها تمزج بين الاغنية السياسية وبين الانسانية . وعندما طلبها المستجوب بترديد مقاطع من الاغنية السياسية ، قالت " الجيش الملكي ، واقف ’اويطاكي ، لابس الكاكي " ، هذا مع العلم ان مجموعة جيل جيلالة عندما انطلقت لأول مرة ، كانت تغني دون ان تدرك سياسيا ، كنه مضمون الكلمات التي كانت ترددها في أغانيها والتي كانت عبارة عن كلمات منقولة من بعض المجاديب ( مجدوب ) وبعض الرواة ، اي دون اي يكون للمجموعة دور في ابتكار الكلمات باستثناء اغنية " لعيون عينية والساقية الحمراء لي والواد وادي آسيدي .. " . كما ان المجموعة مثل مجموعة ناس الغيوان ، وبالنظر الى الفترة الزمنية التي ظهرا فيها ، السبعينات من القرن الماضي ، كانا يحاولان التشبيه او التشبه نوعا ما بفرقة الخنافيس الانجليزية ، التي كان لها رواد كثيرون من مختلف المعمور. وبالمقارنة بين مجموعة " الغيوان " ومجموعة " جيل جيلالة " ، تبقى مجموعة " لمشاهب " اكثر وضوحا في الترويج لخطاب سياسي ، بسبب البيئة التي ترعرعت فيها المجموعة ، والبيئة التي احتضنتها ، خاصة وان مغنييها وبخلاف " الغيوان " و"جيل جيلالة " لهم مستوى ثقافي متقدم يجعلهم يدركون مغزى مضمون الاغاني التي يقدمون ، الى درجة ان المانيا الاتحادية عرضت عليهم طلب الحصول على اللجوء السياسي ، لكنهم رفضوا .
وكما قلت اعلاه ، بدأ الحديث عن الاغنية السياسية الملتزمة منذ بداية السبعينات مع مجموعة ناس الغيوان ، إلا انها لم تكن تطرح كبديل موضوعي للأغنية الرسمية ، لأنها كانت تفتقر الى رؤية ايديولوجية ، وطبقية ، وعلمية واضحة تنطلق من تحديد طبقي او اجتماعي يحدد خلفيات واقع الاستغلال والظلم واللاعدل والمطالبة بالمساواة ، ولا غرابة في ذلك ، والحلول الغيوانية ، تكون في معظم الاحيان حلولا استسلامية ، وإتكالية ، وتشاؤمية ، وهروبية تتجلى في الاستجداء المشحون بالحزن ، والحسرة ، والمعتمدة على القدرة تارة ، وبالدعوة الى الاخاء ، والمحبة ، والسلام ، والوئام تارة اخرى ، وهذه الحلول هي وليدة رؤية ضيقة تتنافى مع طبيعة العلاقات الاجتماعية ، وطبيعة المسار التاريخي للمجتمع المغربي ، ورغم ذلك تبقى محاولتهم الغنائية متقدمة عن الاغنية السائدة ، بطرحها مضامين اجتماعية عكسها جيل السبعينات من القرن الماضي .
ولعل السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح ، هو هل توجد اغنية سياسية تقدمية ملتزمة ، اي تجربة غنائية متميزة في المغرب ؟ . يثار الحديث عن الاغنية السياسية التقدمية في المغرب بنوع من التحفظ نظرا لعدم وجود تجربة غنائية تشكل صورة البديل الموضوعي للأغنية المغربية السائدة ، إلا ان الساحة الطلابية كانت لا تخلو من مجموعة من المحاولات التي كانت نخبوية ومحدودة ، وكانت تتسم بانخفاض في المستوى الفني ، اي انها لم تصل الى مستوى تجربة . وهنا لا يجب الخلط بتاتا بين محاولات غنائية وتجربة غنائية . فالأولى عبارة عن مجموعة من الاغاني يمكن اخضاعها للتصدير والاغتناء الفني المستمر لكي تشكل فيما بعد تجربة متكاملة وناضجة ، والثانية وهي هذه المحاولات الغنائية نفسها ، وقد وقفت على رجليها بعد ابداع فني طويل ، وهذا يعني انها وصلت قمة النضج الفني ، ودعمت ركائزها كأغاني تنطلق قوية ، لها وزنها ، وقيمتها الفنية ، وجذورها ، وأسسها المتينة التي ترتكز عليها ، ضامنة لذلك الاستمرارية ، والنفس الطويل والعطاء الكثير ، ومن ثم تكون جديرة بان تسمى تجربة غنائية ، وبان تحتل مكانتها اللائقة بها الى جانب ميادين الفن التقدمي المعبر عن طموحات اجتماعية واقتصادية معينة ، ولابد من الاشارة هنا الى ان الفن البرجوازي بصفة عامة ، والأغنية الرسمية بصفة خاصة ، لها وزنها وتتمتع بمستوى فني رفيع يسهل تغلغلها في وجدان اوسع الجماهير ، وما اغاني ام كلثوم ، وعبد الحليم ، ومحمد عبد الوهاب ، وفيروز مثلا التي استطاعت ان تضمن ثقلها وجماهيريتها ، وان تغزو وجدان الجماهير العربية على امتداد الوطن العربي الكبير الا دليلا على هذا النجاح . ولتجاوز هذا النمط من الغناء في المجتمع العربي خاصة المصري منه ، كان لا بد من خلق اغاني تقدمية تتمتع هي الاخرى بمستوى فني رفيع ومتقدم ، تتجاوز الاغاني الرسمية ، وتطرح كنموذج متقدم وكبديل موضوعي للأغنية الرسمية المبررة للعلاقات الاجتماعية السائدة .
واذا كان يمكن القول ان الاغنية السياسية الملتزمة والتقدمية قد تغلغلت في وسط الاتحاد الوطني لطلبة المغرب ، وضمن الفصائل اليسارية التي كانت تعتقد انها تحمل الهم الوطني والشعبي ، حيث برز اسم سعيد المغربي كما برز في فن الجزل سعيد الودان ، فان انطلاق الاغنية السياسية الملتزمة على الصعيد العربي قد جسد صيرورة الانسان العربي ومتحدية اكبر غوغائية وزوبعة غنائية لا معقولة ، بحيث اصبحت هذه الاغنية تشكل صوت الانسان الفقير الكادح الرافض لواقع النهب وسرقة المال العام والخيانة ، وصوت النضال ضد ابشع استغلال طبقي اجتماعي ، واستعماري ، وقمع سياسي ، واستنزاف ايديولوجي . هكذا انتشرب الاغنية التقدمية على امتداد الوطن العربي ، ففي لبنان الذي كان ولا يزال مسرحا لأخبث جريمة تقترف ضد الانسانية ، اطل علينا مارسيل خليفة بأغاني مأساة الانسانية الذي يواجه قوى الاستغلال والاستعمار في مقطوعات غنائية رفيعة وجد متطورة على المستوى الفني مثل " جواز السفر " و " ريثا " . وفي فلسطين تفجر صوت مصطفى الكرد مطلقا صرخات التحدي و معلنا عن تشبثه بأرضه وشعبه وبندقيته ، وغالبا ما تتخذ اغاني الكرد طابعا حماسيا نظرا لطبيعة الظروف التي يعيشها الشعب الفلسطيني في مواجهة العدو الصهيوني العنصري ، بحيث تكون اغانيه بمثابة تحريض لهذا الشعب لحمل السلاح ، والاستمرار في الكفاح المسلح الى غاية تحرير الارض . وفي تونس يطالعنا الهادي كله بأغاني تعبر عن بؤس الانسان الكادح ، وخاصة العمال المهاجرين في اوربة الغربية . وفي مصر نجد تجربة الشاعر احمد فؤاد نجم وزوجته عزة ورفيقه الشيخ امام ، وهي تجربة متطورة و’متجذّرة ، لان نجم وإمام كانا يخاطبان الجماهير بلغتها وتراثها المتنور مع العمل على تنوير هذه الجماهير بمضامين ثورية خلاقة ’مصاغة صياغة تعليمية وتوجيهية الى الجماهير التي كانت متحمسة لمثل هذا العطاء الفني الذي شغل الساحة المصرية والعربية طيلة السبعينات والثمانينات من القرن الماضي . بل وأكثر من هذا ، فقد تمكن نجم وإمام ، عبر تجربتهما الخاصة من فضح نوايا الامبريالية الامريكية ’عراب دولة آل صهيون " شرفت ينكسون بابا " و " فاليري جيسكار ديستان " ، كما شرح آخر ما وصل اليه كفاح الشعوب المسلح ضد الرجعية والاستعمار والاحتكارات " جيفارا مات " ، عبر مقطوعة غنائية شعبية تستطيع التغلغل بسهولة في الوجدان الجماهيري ، ومن ثم تكون اغاني احمد فؤاد نجم والشيخ امام بديلا موضوعيا للأغنية الرسمية السائرة في ركب المؤامرة والخيانة والاستسلام منذ عهد السادات وحسني مبارك ، كما تعتبر قمة ما وصلت اليه الاغنية التعليمية التوجيهية في العالم العربي . ان الاغنية السياسية التقدمية من منظور اليسار الثوري كما من منظور الحركات الاسلامية تشكل واجهة من واجهات النضال الذي يجب خوضه وسط الجماهير ومختلف الطبقات الاجتماعية ، لذلك وبخلاف اليسار فان الحركة الاسلامية تحرس على صياغة اغاني تفهمها الجماهير بكل سهولة ، مع ربطها الفعلي بواقع الجماهير التراثي واللغوي ، مع الرفع من مستواها ، ومن قدراتها على استيعاب مضامين الاغنية ومراميها الطبقية والمستقبلية ، ويطرح بديلا موضوعيا يتوافق مع سيرورة وصيرورة الانسان العادي ضمن مقولات الوصول الى الحكم لتطبيق نظام الخلافة او الجمهورية الاسلامية .
واذا كان للأغنية السياسية الملتزمة تأثيرها وسط الجماهير ، حيث الهمت وشجعت جماهير ملعب سانتيغو بالشيلي على تحدي فاشية بينوتشي وعسكره ، لما كانت الجماهير تردد مقاطع من الاغنية المقاتلة للمناضل الشيلي فكتور جارا ، الذي قطعوا اصابعه ، ورغم ذلك استمر في الغناء حتى الموت ، فان ما يؤسف له في العشرية الاولى والثانية من الالفية الثالثة هو نكاد نجزم بانتفاء الاغنية السياسية كما كانت في سبعينات القرن الماضي ، بسبب الافلاس الذي ضرب منظمات اليسار الماركسي والشيوعي ، مع انتقال هذه الاغنية الى المنظمات والحركات الاسلاموية ( الجهادية والاخوانية ) حيث تتم بشكل متقزز ورديء عما تعودت الاجيال سماعه خلال القرن الماضي . اما الاغنية الثورية الحماسية فهي بدورها ، نكاد نجزم بفقدانها عند الاحزاب الشيوعية والماركسية والقومية بالساحة اللبنانية ، مع الاحتفاظ ببعض منها عند بعض منظمات ( التحرير ) الفلسطينية ، وانتقال هذه الاغاني بشكل مغاير عند منظمة حماس والجهاد وحزب الله في لبنان .
























































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































































الاغنية السياسية
جرت العادة على تقسيم الاغنية السياسية بين صنفين من الاغاني بحسب التطور المرحلي والزمني الذي يتواجد فيه المغني . هكذا يمكن القول ان الاغنية السياسية تتوزع بين الاغنية الملتزمة ، وهي اغنية الاطر والنخبة العضوة في تنظيمات سياسية ، وبين الاغنية الثورية وهي الاغنية الشعبية التي قد لا يكون الصّاغون اليها اعضاء في تنظيم سياسي . فالفرق واضح بين الاغنية البرجوازية التي يغنيها المغنون البرجوازيون من البرجوازية الصغيرة او المتوسطة او ما فوق المتوسطة ، وبين الاغنية الشعبية التي يصغي اليها الشعب بمختلف طبقاته الاجتماعية خاصة العمال والفلاحين والمثقفين ، وأقسام من البرجوازية بمختلف طبقاتها الاجتماعية ، بل يصغي اليها حتى الحكام رغم اختلاف اشكال ’نظم حكمهم . واذا كانت الاغنية السياسية الملتزمة هي اغنية النخبة المثقفة والعضوة في احزاب ، او مقتنعة بإيديولوجيات معينة ، فان هذا لا يعني بالمرة ان كل المثقفين حتى ولو كانوا من البرجوازية الصغيرة والمتوسطة هم معنيون بالإنصات لهذه الاغاني المسماة ملتزمة . فليس كل مثقف هو ملتزم سياسيا مع تنظيم ، بخلاف الاغنية الثورية التي هي الاغنية الحماسية والجماهيرية التي ينصت اليها كل الشعب بمختلف اطيافه وطبقاته . وهذا يعني ان الاغنية السياسية الملتزمة لا يفهمها غير المثقفين العضويين بخلاف الاميين من اغلبية الشعب التي يصعب عليها فهم هذا النوع من الاغاني ، ويفضلون بدله الانصات الى الاغنية الثورية المحركة للوجدان والحواس .
وبالرجوع شيئا ما الى الوراء سنجد ان الاغنية الملتزمة تزدهر وتنتشر في وقت التحرك والنضال ضد الحكم المركزي ، اي في وقت الدولة المستقلة ، وهذا كان حال الشيخ امام واحمد فؤاد نجم بمصر ، في حين نجد الاغنية الثورية الحماسية تزدهر وتنتشر في وقت الاحتلال ، وفي اوقات الحروب الاهلية ، او في اوقات الحروب الحدودية . وبالرجوع شيئا ما الى الوراء كذلك ، سنجد ان الاغنية الثورية قد غطّت كل الانشطة الثقافية لجميع المنظمات الداخلة في منظمة ( التحرير ) الفلسطينية ، بل انه كان لكل منظمة مغنوها الثوريون وأغانيها الثورية ، بدءا بفتح ومرورا بالجبهتين الشعبية والديمقراطية لتحرير فلسطين ..لخ . وهذا النوع من الاغاني الثورية غطّى كذلك جميع الانشطة الثقافية لجميع الاحزاب الوطنية اللبنانية ابان الحرب الاهلية وبعدها ، من الحزب الشيوعي ، الى رابطة العمل الشيوعي ، الى حزب البعث ( القطر اللبناني ) الى الحزب السوري القومي الاجتماعي وهكذا .. لخ . وحين ظهرت الى السطح الحركات الاسلامية في بداية ثمانينات القرن الماضي وطيلة التسعينات من نفس القرن ، اصبح لهذه الحركات مغنوها الثوريون وأغانيها الثورية ، لإضفاء الحماس الشعبي على حركة النضال الجماهيري وسط الشعب الفلسطيني ، ووسط الشعب العربي الذي كانت تهزه تلك الاغاني التي يغلب عليها الطباع العسكري والعمليات العسكرية ( حماس والجهاد الآن ) . وفي لبنان كذلك اصبح لحزب الله ولحركة امل الشيعية مغنيهم الثوريين ، وأغانيهم الثورية التي تشحن الجماهير ضد اسرائيل وضد المخططات المعادية ، وهو ما يفيد انتصار الاغنية الثورية الشعبية الحماسية على الاغنية السياسية الملتزمة ، اغنية النخبة والأطر ، وهو ما يفيد كذلك تعريض قاعدة المنصتين للأغنية الثورية الشعبية على حساب اغنية النخبة المسماة اغنية ملتزمة ، بل يمكن القول الآن بانقراض الاغنية السياسية الملتزمة بسبب افلاس اليسار الماركسي ، وتحول اليسار البرجوازي من الانقلاب على الدولة الى الاصطفاف وراءها مقابل مقاعد برلمانية او مناصب حكومية ، في حين لا تزال الاغنية الثورية الجماهيرية صامدة ما دامت قد تكلفت بها الاحزاب الاسلامية من اخوانية ، وسلفية دعوية ، الى سلفية حركية ، الى سلفية جهادية .
وبالرجوع الى التاريخ المغربي نكاد نجزم بوجود الاغنية السياسية الملتزمة ، وغياب الاغنية الثورية الجماهيرية ، وان كنا نتحفظ على من يعتبر اغاني العيطة ( لعيوط ) التي تؤديها الشيخات اغاني سياسية كما يحاول ان يثبت الباحث في لعيوط والشيخات حسن نجمي . لقد نشطت الاغنية السياسية الملتزمة وسط منظمات الحركة الماركسية اللينينية المغربية ، وبالضبط منظمة الى الامام ومناضليها في صفوف الاتحاد الوطني لطلبة المغرب ، وكان من بين المغنيين الذين رسموا للأغنية الملتزمة سعيد المغربي من خلال اغانيه التي كانت ترددها حناجر الحركة الطلابية خاصة بمناسبة الايام والأسابيع الثقافية التي كان تشرف عليها التعاضديات ، والجمعيات بالجامعات والمدارس العليا مثل المدرسة المحمدية للمهندسين . اما منذ تسعينات القرن الماضي فقد دخلت الحركة الاسلامية على الخط خاصة جماعة العدل والإحسان التي اضحى لها شحرورها المسمى رشيد غلام .
لماذا لا يمكن اعتبار اغنية شيخات العيطة اغنية سياسية ؟ : اذا كانت الاغنية السياسية الملتزمة التي هي اغنية النخبة العضوية ( غرامشي ) ، يمكن اعتبارها بالأغنية التقدمية تجاوزا ، لأنها من أداء الحركات التي تعتبر نفسها تقدمية ، مع ما يرافق ذلك من تغليب الثقافة والنشاط السياسي في المنتديات المؤطّرة لهذا النوع من النشاط المديني ، لأنه يحصل بالمدينة وليس بالبادية ، وحيث يكون للمغني الملتزم جمهور من المثقفين ومن الطلبة يصغون ويشجعون ، وهو ما يعني احساس بالتجاوب بين المغني وبين جمهور الحاضرين ، فان الشيخة التي كانت تغني بالبادية كقاعدة عامة ، لم تكن تنطلق في اغانيها من شعور بالالتزام السياسي او الاجتماعي او حتى الطبقي بالتعبير الماركسي للفن ، ولكنها كانت تكتفي بوصف ما كان العامة يصفونه ، وما كانت السن العامة تتداوله من اخبار وحكايات عن بذخ وترف وسطوة ( القياد ) ( قايد ) الذين عملوا تحت مظلة الحماية ، الى جانب التغني بالربيع والسهول والحب والزواج ، اي المواضيع الاجتماعية المعروفة بالبادية المغربية . ان الشيخة حين كانت تغني العيطة ، لم تكن عضوة في تنظيم ، او انها تتضامن مع آخر او انها مقتنعة بإيديولوجية كما ، لكنها كانت تغني كأي شخص يمتهن حرفة الغناء مقابل اجر غير قار ، كان يتوقف على جود وسخاء المنظمين للحفل الذي يطلق عليه بالمفهوم المغربي ل ( قصارى ) ، التي غالبا ما كانت تنتظم ليلا سواء في لقاءات خاصة ، او في اعراس بمناسبة زواج او ختان او ما شابه ذلك . كما ان الجمهور المنظم لل ( قصارى ) لم يكن سياسيا او ذا ميول سياسية ، لكنهم كان يمكن ان يكونوا من علية القوم ( ملاكو اراضي فلاحية شاسعة او كانوا قيادا بالإدارة الفرنسية ) . واذا كانت الاغنية السياسية الملتزمة النخبوية تعرف تجاوبا من قبل الطلبة والعضويين بالأحزاب ، مع ترديد الشعارات السياسية ، فان حفلات الشيخات التي كان ينظمها الخواص كانت تعرف تدخين ( الكيف بالسبسي ) و معاقرة كؤوس الخمر الاحمر ( الرّوج ) ، وهذا يطلقون عليه في المصطلح الشعبي ب ( ليترو ) اضافة الى قنينات الجعة المغربية من نوع ( ستورك ، سبيسيال و فلاك ) . وعند شعور القوم بالإعياء والتعب من شدة السهر والإفراط في شرب الخمر ، كان الجمع يتفرق مع ظفر رئيس ومنظم ( لقصارى ) بالشيخة اذا كانت جميلة ، وتوزيع باقي الشيخات على المقربين من منظم السهرة ( لقصارى ) من احباب وأصدقاء . لهذا فان ( العيطة ) التي كانت تؤديها الشيخات لا يجوز اطلاق وصف الاغنية الملتزمة او السياسية عليها ، لأنها وببساطة كانت تفتقر الى المضمون السياسي التي عرفت به الاغنية الملتزمة بالجامعات والمعاهد العليا ، كما ان الشيخة ، وعند انتهاء الحفل ، كانت المسكينة وحدها تقصد مسكنها الذي يكون غالبا عبارة عن سكن شعبي جد متواضع لتجدها في اليوم الموالي تركب حمارا او تحلب معزة . واذا كان المغنيون الملتزمون يجدون الدعم والمساندة من قبل التنظيمات التي ينتسبون اليها ، فان الشيخة ، خاصة اذا كانت جميلة ، تبقى عرضة لجميع انواع الاستغلال الجنسي والمادي من قبل الاقطاع بالبادية ، وعندما يبدأ نجمها بالأفول تصبح في متناول الجميع بالبادية ، وهنا كم من شيخة نظمت سهرات مع قياد طغاة انتهى بها المطاف بالتسول في الاسواق ، والعيش على صدقات العدد القليل من القوم الذين يعرفونها ، اما الاكثرية الشابة التي لا تعرف عنها شيئا وهي القاعدة ، فإنها لا تعيرها اهتماما يذكر ، خاصة اذا كانت المسكينة تعيش خريف العمر ( زهرة خربوعة و ولد العواك مع القايد المكي بالرماني ) ، واذا كانت العيطة لا يمكن اعتبارها اغنية سياسية ملتزمة او تقدمية ، فأنها تبقى فنا من الفنون التي ينضح بها التراث المغربي الاصيل .
وفي ميدان الاغاني السياسية ، لا بد من التذكير بالأغاني التي كان يؤديها ’مغنيون ، ليسوا بالثوريين ، ولا بالإصلاحيين ، ولا بالمتأسلمين . والمقصود هنا ، ما يعرف بالأغنية الوطنية التي كانت تتناول رمز النظام او البلد او القضايا الوطنية وكمثال ( عبد الوهاب الدكالي والأغنية المشهورة " حبيب الجماهير " ، محمود الادريسي وأغنية " واد زيز " ، الاغنية التي اداها جيل جيلالة تحت عنوان " الساقية الحمراء ليّ والواد وادي .. " ثم اغاني فيروز عن القدس وام كلثوم عن جمال عبد الناصر...لخ
وبالرجوع الى الاغنية السياسية الملتزمة التي يمكن اعتبارها اغنية " تقدمية " لأدائها تؤدى من قبل مغنّيين يعتبرون نفسهم ينتمون الى تنظيمات تعتبر نفسها " تقدمية " ، سنجد ان اليسار الماركسي السبعيني ، راهن في مخاطبة الجمهور المثقف ، من اجل الاستقطاب على الاغنية الملتزمة التي اعتبرها تجسيدا فعليا وموضوعيا لآمال الجماهير التي كان يرى انها مستنزفة اقتصاديا واجتماعيا وفكريا وأخلاقيا ، او بتعبير اكثر وضوحا فان اليسار راهن على الاغنية التقدمية لتكون تعبيرا ايديولوجيا عن النضال الطبقي الذي تخوضه الجماهير التي حظيت بتنظير كبير من قبل الاقلام الماركسية دون ان تكون هناك علاقة تجمعها بهذه الجماهير التي كانت تعيش في واد واليسار يعيش في آخر . وهنا نطرح السؤال : هل يمكن اعتبار فرقة ناس الغيوان وأغانيها ثوريون ؟
اعتقد انه بدأ الحديث موضوعيا عن الاغنية الملتزمة في المغرب في بداية سبعينات القرن الماضي ، اي التقدمية التي من المفروض ان تكون مرتبطة بقضايا وهموم الناس ، منذ المحاولات الغنائية لناس الغيوان . وقبل معالجة الموضوع لا بد من الاشارة الى انه بعد موت الحسن الثاني ومجيء خلفه العاهل محمد السادس الى الحكم ، وفي اطار التفتح الذي كانت تجريه التلفزة المغربية خاصة القناة الثانية مع الفرق الغنائية ومع المواطنين ، وأثناء استضافتها لمجموعة جيل جيلالة ، اعلن احدهم ( عبد الرحمان ) ، انهم كانوا يغنون الاغنية الملتزمة ، اي الاغنية السياسية . وعند استقبالها ، اي التلفزة للشيخة الحاجة الحمداوية ، وسألها المستجوب عن مضمون الكلمات التي تشملها اغانيها ، اكدت هي بدورها انها تمزج بين الاغنية السياسية وبين الانسانية . وعندما طلبها المستجوب بترديد مقاطع من الاغنية السياسية ، قالت " الجيش الملكي ، واقف ’اويطاكي ، لابس الكاكي " ، هذا مع العلم ان مجموعة جيل جيلالة عندما انطلقت لأول مرة ، كانت تغني دون ان تدرك سياسيا ، كنه مضمون الكلمات التي كانت ترددها في أغانيها والتي كانت عبارة عن كلمات منقولة من بعض المجاديب ( مجدوب ) وبعض الرواة ، اي دون اي يكون للمجموعة دور في ابتكار الكلمات باستثناء اغنية " لعيون عينية والساقية الحمراء لي والواد وادي آسيدي .. " . كما ان المجموعة مثل مجموعة ناس الغيوان ، وبالنظر الى الفترة الزمنية التي ظهرا فيها ، السبعينات من القرن الماضي ، كانا يحاولان التشبيه او التشبه نوعا ما بفرقة الخنافيس الانجليزية ، التي كان لها رواد كثيرون من مختلف المعمور. وبالمقارنة بين مجموعة " الغيوان " ومجموعة " جيل جيلالة " ، تبقى مجموعة " لمشاهب " اكثر وضوحا في الترويج لخطاب سياسي ، بسبب البيئة التي ترعرعت فيها المجموعة ، والبيئة التي احتضنتها ، خاصة وان مغنييها وبخلاف " الغيوان " و"جيل جيلالة " لهم مستوى ثقافي متقدم يجعلهم يدركون مغزى مضمون الاغاني التي يقدمون ، الى درجة ان المانيا الاتحادية عرضت عليهم طلب الحصول على اللجوء السياسي ، لكنهم رفضوا .
وكما قلت اعلاه ، بدأ الحديث عن الاغنية السياسية الملتزمة منذ بداية السبعينات مع مجموعة ناس الغيوان ، إلا انها لم تكن تطرح كبديل موضوعي للأغنية الرسمية ، لأنها كانت تفتقر الى رؤية ايديولوجية ، وطبقية ، وعلمية واضحة تنطلق من تحديد طبقي او اجتماعي يحدد خلفيات واقع الاستغلال والظلم واللاعدل والمطالبة بالمساواة ، ولا غرابة في ذلك ، والحلول الغيوانية ، تكون في معظم الاحيان حلولا استسلامية ، وإتكالية ، وتشاؤمية ، وهروبية تتجلى في الاستجداء المشحون بالحزن ، والحسرة ، والمعتمدة على القدرة تارة ، وبالدعوة الى الاخاء ، والمحبة ، والسلام ، والوئام تارة اخرى ، وهذه الحلول هي وليدة رؤية ضيقة تتنافى مع طبيعة العلاقات الاجتماعية ، وطبيعة المسار التاريخي للمجتمع المغربي ، ورغم ذلك تبقى محاولتهم الغنائية متقدمة عن الاغنية السائدة ، بطرحها مضامين اجتماعية عكسها جيل السبعينات من القرن الماضي .
ولعل السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح ، هو هل توجد اغنية سياسية تقدمية ملتزمة ، اي تجربة غنائية متميزة في المغرب ؟ . يثار الحديث عن الاغنية السياسية التقدمية في المغرب بنوع من التحفظ نظرا لعدم وجود تجربة غنائية تشكل صورة البديل الموضوعي للأغنية المغربية السائدة ، إلا ان الساحة الطلابية كانت لا تخلو من مجموعة من المحاولات التي كانت نخبوية ومحدودة ، وكانت تتسم بانخفاض في المستوى الفني ، اي انها لم تصل الى مستوى تجربة . وهنا لا يجب الخلط بتاتا بين محاولات غنائية وتجربة غنائية . فالأولى عبارة عن مجموعة من الاغاني يمكن اخضاعها للتصدير والاغتناء الفني المستمر لكي تشكل فيما بعد تجربة متكاملة وناضجة ، والثانية وهي هذه المحاولات الغنائية نفسها ، وقد وقفت على رجليها بعد ابداع فني طويل ، وهذا يعني انها وصلت قمة النضج الفني ، ودعمت ركائزها كأغاني تنطلق قوية ، لها وزنها ، وقيمتها الفنية ، وجذورها ، وأسسها المتينة التي ترتكز عليها ، ضامنة لذلك الاستمرارية ، والنفس الطويل والعطاء الكثير ، ومن ثم تكون جديرة بان تسمى تجربة غنائية ، وبان تحتل مكانتها اللائقة بها الى جانب ميادين الفن التقدمي المعبر عن طموحات اجتماعية واقتصادية معينة ، ولابد من الاشارة هنا الى ان الفن البرجوازي بصفة عامة ، والأغنية الرسمية بصفة خاصة ، لها وزنها وتتمتع بمستوى فني رفيع يسهل تغلغلها في وجدان اوسع الجماهير ، وما اغاني ام كلثوم ، وعبد الحليم ، ومحمد عبد الوهاب ، وفيروز مثلا التي استطاعت ان تضمن ثقلها وجماهيريتها ، وان تغزو وجدان الجماهير العربية على امتداد الوطن العربي الكبير الا دليلا على هذا النجاح . ولتجاوز هذا النمط من الغناء في المجتمع العربي خاصة المصري منه ، كان لا بد من خلق اغاني تقدمية تتمتع هي الاخرى بمستوى فني رفيع ومتقدم ، تتجاوز الاغاني الرسمية ، وتطرح كنموذج متقدم وكبديل موضوعي للأغنية الرسمية المبررة للعلاقات الاجتماعية السائدة .
واذا كان يمكن القول ان الاغنية السياسية الملتزمة والتقدمية قد تغلغلت في وسط الاتحاد الوطني لطلبة المغرب ، وضمن الفصائل اليسارية التي كانت تعتقد انها تحمل الهم الوطني والشعبي ، حيث برز اسم سعيد المغربي كما برز في فن الجزل سعيد الودان ، فان انطلاق الاغنية السياسية الملتزمة على الصعيد العربي قد جسد صيرورة الانسان العربي ومتحدية اكبر غوغائية وزوبعة غنائية لا معقولة ، بحيث اصبحت هذه الاغنية تشكل صوت الانسان الفقير الكادح الرافض لواقع النهب وسرقة المال العام والخيانة ، وصوت النضال ضد ابشع استغلال طبقي اجتماعي ، واستعماري ، وقمع سياسي ، واستنزاف ايديولوجي . هكذا انتشرب الاغنية التقدمية على امتداد الوطن العربي ، ففي لبنان الذي كان ولا يزال مسرحا لأخبث جريمة تقترف ضد الانسانية ، اطل علينا مارسيل خليفة بأغاني مأساة الانسانية الذي يواجه قوى الاستغلال والاستعمار في مقطوعات غنائية رفيعة وجد متطورة على المستوى الفني مثل " جواز السفر " و " ريثا " . وفي فلسطين تفجر صوت مصطفى الكرد مطلقا صرخات التحدي و معلنا عن تشبثه بأرضه وشعبه وبندقيته ، وغالبا ما تتخذ اغاني الكرد طابعا حماسيا نظرا لطبيعة الظروف التي يعيشها الشعب الفلسطيني في مواجهة العدو الصهيوني العنصري ، بحيث تكون اغانيه بمثابة تحريض لهذا الشعب لحمل السلاح ، والاستمرار في الكفاح المسلح الى غاية تحرير الارض . وفي تونس يطالعنا الهادي كله بأغاني تعبر عن بؤس الانسان الكادح ، وخاصة العمال المهاجرين في اوربة الغربية . وفي مصر نجد تجربة الشاعر احمد فؤاد نجم وزوجته عزة ورفيقه الشيخ امام ، وهي تجربة متطورة و’متجذّرة ، لان نجم وإمام كانا يخاطبان الجماهير بلغتها وتراثها المتنور مع العمل على تنوير هذه الجماهير بمضامين ثورية خلاقة ’مصاغة صياغة تعليمية وتوجيهية الى الجماهير التي كانت متحمسة لمثل هذا العطاء الفني الذي شغل الساحة المصرية والعربية طيلة السبعينات والثمانينات من القرن الماضي . بل وأكثر من هذا ، فقد تمكن نجم وإمام ، عبر تجربتهما الخاصة من فضح نوايا الامبريالية الامريكية ’عراب دولة آل صهيون " شرفت ينكسون بابا " و " فاليري جيسكار ديستان " ، كما شرح آخر ما وصل اليه كفاح الشعوب المسلح ضد الرجعية والاستعمار والاحتكارات " جيفارا مات " ، عبر مقطوعة غنائية شعبية تستطيع التغلغل بسهولة في الوجدان الجماهيري ، ومن ثم تكون اغاني احمد فؤاد نجم والشيخ امام بديلا موضوعيا للأغنية الرسمية السائرة في ركب المؤامرة والخيانة والاستسلام منذ عهد السادات وحسني مبارك ، كما تعتبر قمة ما وصلت اليه الاغنية التعليمية التوجيهية في العالم العربي . ان الاغنية السياسية التقدمية من منظور اليسار الثوري كما من منظور الحركات الاسلامية تشكل واجهة من واجهات النضال الذي يجب خوضه وسط الجماهير ومختلف الطبقات الاجتماعية ، لذلك وبخلاف اليسار فان الحركة الاسلامية تحرس على صياغة اغاني تفهمها الجماهير بكل سهولة ، مع ربطها الفعلي بواقع الجماهير التراثي واللغوي ، مع الرفع من مستواها ، ومن قدراتها على استيعاب مضامين الاغنية ومراميها الطبقية والمستقبلية ، ويطرح بديلا موضوعيا يتوافق مع سيرورة وصيرورة الانسان العادي ضمن مقولات الوصول الى الحكم لتطبيق نظام الخلافة او الجمهورية الاسلامية .
واذا كان للأغنية السياسية الملتزمة تأثيرها وسط الجماهير ، حيث الهمت وشجعت جماهير ملعب سانتيغو بالشيلي على تحدي فاشية بينوتشي وعسكره ، لما كانت الجماهير تردد مقاطع من الاغنية المقاتلة للمناضل الشيلي فكتور جارا ، الذي قطعوا اصابعه ، ورغم ذلك استمر في الغناء حتى الموت ، فان ما يؤسف له في العشرية الاولى والثانية من الالفية الثالثة هو نكاد نجزم بانتفاء الاغنية السياسية كما كانت في سبعينات القرن الماضي ، بسبب الافلاس الذي ضرب منظمات اليسار الماركسي والشيوعي ، مع انتقال هذه الاغنية الى المنظمات والحركات الاسلاموية ( الجهادية والاخوانية ) حيث تتم بشكل متقزز ورديء عما تعودت الاجيال سماعه خلال القرن الماضي . اما الاغنية الثورية الحماسية فهي بدورها ، نكاد نجزم بفقدانها عند الاحزاب الشيوعية والماركسية والقومية بالساحة اللبنانية ، مع الاحتفاظ ببعض منها عند بعض منظمات ( التحرير ) الفلسطينية ، وانتقال هذه الاغاني بشكل مغاير عند منظمة حماس والجهاد وحزب الله في لبنان .





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- المنطلقات النظرية للاشتراكية الصهيونية البروليتارية
- الحركة الاسلامية بالمغرب ( 6 )
- الحركة الاسلامية الاخوانية بتونس ( 5 )
- الحركة الاسلامية في لبنان ( 4 )
- الصراع بين حزب البعث والسلفية الاخوانية في سورية ( 3 )
- التيار السلفي في مصر ( 2 )
- ملف عن السلفية الاسلاموية ( 1 )
- النخبة وزمن التّيه السياسي
- الثورة آتية لا ريب فيها
- عودة كريستوفر رووس الى المنطقة
- في الثقافة الوطنية القومية الاصيلة
- الماركسية والتراث والموقف من الدين
- تسعة واربعين سنة مرت على حرب اكتوبر . ماذا بعد ؟
- الموقع الطبقي لحركة الضباط الاحرار
- عالم آخر ممكن
- لبنان وسورية في فوهة البركان الصهيوني
- اتجاه العنف في الاستراتيجية الامبريالية الامريكية
- البنك العالمي للانشاء والتعمير في خدمة الادارة الامريكية
- ( الدولة اليهودية ) ومفهوم الحدود الآمنة
- حركة التحرر العربية : ازمة عارضة او بنيوية ؟ الربيع ( العربي ...


المزيد.....




- شاهد.. هكذا قتلت الشرطة الأمريكية طالب جامعة 
- أمريكا تنهي حالة الحماية المؤقتة للسودانيين في 2018 وتمددها ...
- إسرائيل: اسقطنا طائرة موجهة إيرانية تابعة لحزب الله فوق الجو ...
- FBI تنصت على رئيس مكتب حملة ترامب  قبل وبعد الانتخابات
- بريطانيا تنجح بإطلاق صاروخ مصنوع من ألياف الكربون!
- غوتيريش: الحل في كوريا الشمالية يجب أن يكون سياسيا لتفادي خط ...
- الجيش السوري يتقدم في دير الزور على الضفة الشرقية للفرات
- إخلاء سوق وسط لندن بسبب عبوة مشبوهة
- لماذا يستمر بعض الناس في التهام لحوم البشر؟
- العراق.. قتلى وجرحى في تفجير انتحاري جنوب بيجي


المزيد.....

- قراءة نقدية في مقدمة -العقل والثورة- - ملحوظة عن الديالكتيك- / نايف سلوم
- لروح الشهيد الخالد - عماد الدين سليم الجراح - / عامر الدلوي
- خاتمة القراءة النقدية للأناركية / سامح سعيد عبود
- حقوق وواجبات اللاجئ السياسي في بلد الملجأ / تمارا برّو
- لماذا لسنا مع الاستفتاء / حزب اليسار الشيوعي العراقي
- الأناركية فى التنظيم / سامح سعيد عبود
- علم الآثار الكتابي القديمالجديد وتاريخ فلسطين / محمود الصباغ
- فعالية القوانين الوطنية والدولية في مكافحة الجرائم السيبراني ... / ليلى الجنابي
- في القول السياسي1 / نايف سلوم
- في القول السياسي1 / نايف سلوم


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعيد الوجاني - الاغنية السياسية