أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - طلعت رضوان - الحب والتعددية فى مواجهة الكره والأحادية















المزيد.....

الحب والتعددية فى مواجهة الكره والأحادية


طلعت رضوان

الحوار المتمدن-العدد: 3729 - 2012 / 5 / 16 - 06:01
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


أكثرمن مجلة علمية وأكثرمن جمعية ثقافية تحمل اسم هيباتيا فى أوروبا. ولها موقع على الإنترنت. وكتب عنها (ول ديورانت) و(برتراند رسل) وآخرون من مفكرى أوروبا ، ومن مصرد. زكى نجيب محمود ، ود. إمام عبدالفتاح إمام ، بل إنّ السينما العالمية أنتجتْ فيلمًا عن قصة حياتها ، شمل انتاجها العلمى والفلسفى ومذبحة اغتيالها. بخلاف دوائرالمعارف العالمية. لذلك كانت سعادتى بالغة عندما قرأتُ كتاب (هيباتيا والحب الذى كان) تأليف المفكرالمصرى داود روفائيل خشبة- ترجمة سحرتوفيق- الصادرعن المركزالقومى للترجمة- عام 2010.
يأخذ القسم الأول من الكتاب شكل الرواية ويدورحول تلاميذ هيباتيا. ينسحب التلميذ حتب من دروسها وينضم إلى دروس الكنيسة. وينتقد الفتاة مريم لأنها ((بدلامن أنْ تشرح لى ماذا يعتقد المسيحيون ، تُحدّثنى عما تعتقده هى)) وبدأ التباعد بينه وبين خطيبته إيزيس عندما كان يُردد دائمًا أنّ المرأة أصل الخطيئة. كما أنه يتجرأ على معلمته ويقول لها : يبدوأنك لاتجدين أية مشكلة مع مريم المسيحية. فلماذا يُحزنك تحوّلى للمسيحية؟ردّتْ هيباتيا: مريم لم تخترأنْ تُصبح مسيحية. لقد ولدتْ ابنة لوالدين مسيحيين. وهى تحتفظ بعقل متفتح وتسعى للفهم. بينما أنت وريث لثقافتين ثريتين : المصرية والهيلينية. وفى تطوردرامى لشخصيته لايكف عن محاولة إقناع إيزيس بالذهاب معه إلى الكنيسة. ولأنها ترفض عرضه قال لها : أنت تقبلين فلسفة أفلاطون كما تُقدّمها هيباتيا. ردّتْ عليه : نحن نجد الإلهام فى فلسفة أفلاطون ولكننا ننتقد فكره. نكشف عن العيوب فى حججه. ونجد أخطاءً فى استنتاجاته. أما الرضوخ لسلطة لاتقبل المساءلة- سواء كانت سلطة نص أوشخص- فهويعنى أنْ نتنازل عن حقنا فى التفكيروفى الفهم. وهذا معناه أنْ نُدمّرأسس كرامتنا الإنسانية. أهذا هوما تحثنى على فعله ؟ عند هذا الحد كان لابد من الفراق والقطيعة بينهما.
الثنائى الثانى مريم وستيفانوس. مريم شخصية عقلانية ، فهى تعترف بأنها مسيحية وتذهب إلى الكنيسة ، لأنها لاتريد أنْ تُقلق والديها. ولكنها ترى أنّ ((التقوقع المتزايد للمسيحيين يُقسم مجتمعنا إلى كتل متباينة. لم نعد شعبًا واحدًا. لقد أصبحنا عشائرمنفصلة تنظركل واحدة إلى الأخرى بارتياب متبادل وكراهية متبادلة)) وترى أنّ الكنيسة تبنى قلعة عاتية من الفكرالعقائدى الجامد ، المسلح بسلطة مؤسسية تُهدد بخنق كل بحث حروتجفيف منابع الفهم . خطيبها ينتقدها ويشكوها لأهلها لأنها لاتذهب إلى الكنيسة بانتظام. وتشعربالإهانة عندما يُشيع أنّ هيباتيا أفسدتها. فإذا بمريم تُعلن رأيها بوضوح : إذا كان دينه يعنى له الكثيرفإنّ حرية الفكرتعنى لى الكثير. ذهب خطيبها إلى أبيها وقال له : أنا لا أستطيع أنْ أربط نفسى بشخصية باعت روحها للشيطان .
دارالقسم الأول (الروائى) حول الصراع بين التعددية والأحادية. التعددية التى تعشق الحياة ولاترفض الآخرالمختلف ، ولكنها ترفض التطابق معه. بينما الأحادى لايقبل إلاّ تطابق المثلثات بشرط أنْ يكون مثلثه هوالمعيار، ففشلتْ نماذج الحب الرافضة لقتل العقل الحر. وكان التلاميذ فى هذا القسم هم الكواكب الصغيرة التى تدورحول شمس المعرفة (معلمتهم هيباتيا) التى تربّص لها الأحاديون الكارهون لحب الحياة ، المعادون للعقل الحر، فتم تدبيرمذبحة اغتيالها بتحريض من البطريرك كيرلس. وكما تخلص اليونانيون المتعصبون من سقراط ، فعل المتعصبون المسيحيون ماهو أبشع مع هيباتيا ، حيث مزقوا ثيابها وجروها عارية ومزّقوا جسدها بشقفات الخزف وأحرقوا الجسد الممزق وختموا المشهد الدامى بحرق كتبها .
القسم الثانى من الكتاب يشتمل على ما سجلته التلميذة مريم من محاضرات هيباتيا (يعتمد د. داود روفائيل خشبة فى صياغته لفلسفة هيباتيا على مراجعه العديدة التى أرّختْ لحياتها وفلسفتها) قالت هيباتيا: إنّ تدميركل المسلمات ضرورى لتحريرعقل الإنسان ومن عبودية المفاهيم المسبقة. ولكى نعيش يجب أنْ نعمل ونفكر، على أنْ تكون الأفكارغيرممتنعة أمام الفحص والهدم إنْ لزم الأمر. إنّ خطأ أفلوطين هومحاولة إضفاء الثبات على رؤى لايمكن التعبيرعنها إلاّعن طريق مجازشارد أوحجة تُبيد ذاتها بذاتها ، بينما أفلاطون يُعلمنا ألانركن إلى الوهم ، وهم أنك وضعتَ يدك على الصدق التام. وكان هيراقليطس يرى أنّ كل الأشياء فى العالم فى حالة تحول بلا توقف. ولايمكن لصيغة محددة من الفكرأنْ تدعى لنفسها صلاحية حاسمة وقطعية (وبالتالى) لايوجد ما يُسمى الحقيقة النهائية. عقلنا الخلاق وحده هوالحقيقى. وكان سقراط يرى أنّ الفكرهوحياتنا وهو كينونتنا الحقة. وفى ذات الوقت أنّ كل فكر(محدد ونهائى) غارق فى التناقض والزيف. وأنّ العقل الفاعل وحده هوالذى يكتشف مافى فكره الخاص من تناقض ، فيهدم كل صياغات هذا الفكر. الفلسفة هى إعادة اكتشاف بلا نهاية لحقيقتنا. إنّ عقلنا الخلاق هوتوكيدنا المحب لكل كينونة إيجابية. هوحقيقتنا وقيمتنا الحقة. وهوكل مانعرفه من (الحقيقة) وماعدا ذلك هوأسطورة. وإذا نسيت أنها لاشىء إلاّ أسطورة فإنها تتحول إلى خرافة مهلكة. نحن البشرفى الأساس كائنات عاقلة. وهذا هوامتيازنا ومجدنا (وفى نفس الوقت) مأساتنا. نحن نعيش مشاعرالحب والصداقة ومشاعرالحسد والكراهية. وكلها من صنعنا نحن. وهنا يأتى الخطر. فبينما القيم والمفاهيم التى تولد مشاعرطيبة ، توسع حياتنا وتُثريها ، فإنّ القيم والمفاهيم التى تولد مشاعرسيئة تقلص وتفسد قدراتنا الإبداعية. وهكذا فإنّ تفكيرنا هومجدنا وهوعدونا. وهذا هوالسبب فى أننا ينبغى أنْ نبنى عوالم مثالية بلا توقف. فبدونها تكون إنسانيتنا ناقصة. وينبغى أنْ نُدمرعوالمنا المثالية بلا توقف (أيضًا) فعندما نتوقف عن إدراك أنها من إبداعنا نكون بلا عقل مهما بلغنا من الذكاء. إنّ اعتبارأحد أساليب التعبيرهوالتمثيل الصحيح للحقيقة جنون. وإذا كنتُ أعترف بأننا فى حاجة إلى الأسطورة ، فلابد أنْ نعترف أنها أسطورة. إننى مقتنعة بأنّ كل بحث عن الحقيقة خارج الروح الإنسانية هوبحث عقيم ووهم . بهذا المعنى أجد أنّ الفلسفة هى أخص وأسمى حياة للإنسان . الفلسفة هى ممارسة فعل العقل. إنّ كل مقولة من المقولات التى قدّمتها يمكن أنْ تُدحض ، لأنّ كل صياغة محددة للفكر، كل ظهورمحدد للكينونة لابد أنْ يزول .
تُمثل أسطورة إيزيس وأوزيريس جوهرالمأساة والمجد لكل وجود متناه. الوجود المتناهى يُحتم بالضرورة أنْ يُدمّرليُبعث مرة أخرى فى شكل جديد. هذا هوالدرس الذى نقرأه فى البذرة التى تُدفن لتُبعث مرة أخرى فى حياة جديدة. ولابد أنّ البشرأدركوا هذا الدرس الذى نجده فى كل الثقافات ممثلا فى أساطيرمختلفة. إنّ قصة القيامة المسيحية تنتمى لتراث موقر. إنها صيغة من موت أوزيروقيامته. وهذا ماأسميه مبدأ الزوال. إننا نجد تناظرًا مع التمثيل المسيحى ل اللوجوس الأزلى متجسدًا فى جسد فانٍ. وأظن أنّ المؤلف المسيحى الذى قدّم هذا التمثيل كان يحاول التعبير عن رؤية ميتافيزيقية. ومن المؤسف أنّ ذاك التعبيرالشعرى أهدرعلى يد عقليات ضحلة بحيث تحوّل إلى دوجما. والآن يتخاصمون ويتقاتلون حول ماإذا كان هذا الجسد واحدًا أوإثنين. أوإثنين هما واحد. أوواحدًا هوإثنان إلخ دون أنْ يعلموا أنّ كل تلك الصياغات يمكن أنْ تكون مجازات ملهمة عندما تُقبل كمجازات. ولكنها تتحول إلى بهتان يورث بلادة العقل عندما نغفل عن البطلان الكامن فى المجاز. إذا لم نهدم الفرضيات ، يتم تثبيتها كخرافة مهلكة. وإنْ لم نُحررأنفسنا من أسرالأسطورة نتعفن. إذا أخطأنا فهم الأسطورة واعتبرناها واقعًا تتحول إلى صَدَفة ميتة. أعترف أنّ أفكارى مبهمة مثل كل تفكيرنظرى يحتاج دائمًا للفحص. وإذا نسينا هذا نقع فى الوهم المهلك. الفلسفة دعوة للتأمل ولاتُقدّم إجابات نهائية. وإذا كنتَ تبغى الإجابات فلتذهب إلى اللاهوتيين : كل إجاباتهم صادقة صدقًا مطلقة حتى عندما تكون متناقضة تناقضًا مطلقًا. إننى لا أقدّم إجابات وإنما أغريكم بالنظرداخل عقولكم. وحتى التعبيرالفلسفى إذا افترض الثبات يتحول إلى خرافة. استمتعوا بأفكارأفلوطين. ولكن لاتأخذوا صياغاته بجدية وبدون تفكير. لاتُحوّلوا فلسفته إلى دين . الدين يصبح ضارًا لوتمأسس. والفلسفة ضارة لو توهمتْ الثبات.
وإذْ أشكرالمفكرالمصرى د. داود على كتابه عن هيباتيا التى لايعرفها أغلب أحفادها ، فإننى أناشد الثقافة السائدة ووزارة الثقافة لإقامة ضريح رمزى فى الإسكندرية لهذه الفيلسوفة المصرية.
*****





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,555,600,802
- مِن القومية الإسلامية إلى القومية المصرية : لماذا ؟
- ثورة يناير والإبداع الروائى
- الأعياد المصرية : الماضى وآفاق المستقبل
- الطبقة العاملة واليسار المصرى
- مجابهة الأصولية الإسلامية
- التقويم المصرى
- الحضارة المصرية : صراع الأسطورة والتاريخ
- السوداء والمشمية - قصة للأطفال
- الشخصية اليهودية والروح العدوانية
- ثروت عكاشة : دراما العلاقة بين الثقافة والسياسة
- الجذور التاريخية لمأساة الشعب الفلسطينى
- درس من خبرة الحركة الوطنية
- صياغة التعصب الدينى بالإبداع
- دستور وطنى دائم أم شخص الرئيس
- شواطىء العدل والحرية عند رمسيس لبيب
- السفر الأخير - قصة قصيرة
- مجابهة التخلف الحضارى
- الإبداع بين الدراما والسياسة
- أوديسا التعددية الثقافية
- مباراة عصرية فى شد الحبل بين الحرية والدكتاتورية


المزيد.....




- كيف حول وسم على تويتر البابا فرانسيس لمشجع فريق كرة قدم؟
- كيف حول وسم على تويتر البابا فرانسيس لمشجع فريق كرة قدم؟
- النيابة المصرية تجدد حبس ابنة يوسف القرضاوي ونافعة وإسراء عب ...
- المسماري: لم نستهدف المدنيين في القصف الجوي ويتهم -الإخوان ا ...
- أردوغان يكشف عن خطة تركيا في منبج.. ويهاجم الناتو: ربما لأنن ...
- بالفيديو.. وفد من المنتخب السعودي يزور المسجد الأقصى
- الخارجية الفلسطينية: الاحتلال الإسرائيلي يجند الأعياد الديني ...
- المسجد البابري تحت الضوء مجددا.. الهند تشدد القيود الأمنية ق ...
- الفاتيكان: أحداث سوريا أكبر كارثة إنسانية منذ الحرب العالمية ...
- الفاتيكان: أحداث سوريا أكبر كارثة إنسانية منذ الحرب العالمية ...


المزيد.....

- ماملكت أيمانكم / مها محمد علي التيناوي
- السلطة السياسية، نهاية اللاهوت السياسي حسب بول ريكور / زهير الخويلدي
- الفلسفة في تجربتي الأدبية / محمود شاهين
- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - طلعت رضوان - الحب والتعددية فى مواجهة الكره والأحادية