أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - علي السعدي - عن السياسة والأخلاق في العراق الجديد / خلاصات غير منتهية















المزيد.....


عن السياسة والأخلاق في العراق الجديد / خلاصات غير منتهية


علي السعدي

الحوار المتمدن-العدد: 3162 - 2010 / 10 / 22 - 11:50
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


" كلما تعمّقتُ في المزيد من المعرفة ، كلما ازدادت الأشياء غموضاً "
تلك مقولة لم أعد أذكر أين قراءتها ولامن هو قائلها ، لكنها حفرت عميقاً في الذاكرة ، فكنت أستحضرها كلّما حاولت الإستمرار في رحلة إستكشاف مايحدث في ذلك البلد الملحمي ، الذي عجزت أجهزة ودول ومراكز أبحاث وخبراء عسكريون وسياسيون ، عن الوصول الى حقيقة مايمكن ان يجري فيه ، كأنما تلك المقولة ، إنبثقت مصادفة من تحت قدمي العراق أو سقطت سهواً من بين حكاياته ، بعد ان تعب قائلها عن فهم ذلك الكرنفال الهائل من الخرافات والأساطير والموروثات والمبتكرات والعقول والإيمانيات والعقائد ، وكلّما يمكن ان يزيد الأشياء غموضاً حينما تعتقد انها باتت في متناول الوضوح ، لكنها في العراق ، حيث " أقصى الوضوح هو الغموض " كما في قصيدة محمود درويش.
ثمانية أشهر منذ الإنتخابات النيابية في 7 آذار من العام الحالي (2010) ، ; كانت هي الأكثر حيوية وغزارة في تاريخ العراق السياسي الحديث ، على الرغم مما ظهر من سلبيات في تأخّر تشكيل الحكومة .
لقد أطلقت الحركة السياسية في الأشهر المذكورة ، مجموعة مما يمكن ان يؤسس عليه من قواعد لممارسة العمل السياسي ، كذلك أظهرت جملة من الحقائق التي ستكون لها انعكاسات ملموسة في المسار الديمقراطي للعملية السياسية في العراق .
المفارقات التي يختزنها العراق ، تبدو (بلا انتهاء – كالدم المراق كالجياع ) على حدّ قول السيّاب ، فقد سال من الدماء العراقية الكثير، وبعشرات الطرق والأساليب ، لكن تلك الدماء كانت تتراكم بشكل غرائبي، لتصنع من ثم سياجاً غير مرئي وغير محسوس كذلك ، تبدو الغرابة فيه انه ألزم السياسيين – أو من هم في صفّهم – ان يسلكوا سبيلاً محدداً ما كان يمكن تصورحدوثه في العراق قبل عقود خلت .
كانت إنتخابات 2010 ، هي الأولى التي فتحت باب السلوكيات السياسية على مصراعيه ، فيما كانت الشهور التي تلتها بمثابة دورات تدريبية مكثّفة على ممارسات مختلفة في حياة سياسية مختلفة .
مما سبق ذكره في فصول سابقة ، ان السياسة في العراق كانت تمارس من دون فكر سياسي ، وهذا يعني استطراداً ، ان العراق لم يكن يعرف معنى ( النخب السياسية ) ذلك لأن النظرة المتمعّنة في سلوكيات القوى السياسية – قديمها وحديثها - يقود الى استنتاج : انها كانت بمثابة نخب تمارس السياسة ، لا نخباً سياسية .
الا ان تلك الأشهر بغزارة حركيتها وكثافة منتوجها السياسي ، هيأت الظروف المناسبة للإنتقال من ثم الى مرحلة من الفرز ينتج بدوره (نخباً سياسية ) ربما للمرّة الأولى – لاحظوا ان الإستدراك ب( لكن ) ومفردة ( المرّة الاولى ) كان لهما حضور واضح في تلك الأشهر موضوع الحديث .
ان من أهم مظاهر وجود النخب السياسية ، هي قدرتها على البدء بوضع الأساسات اللازمة لإنتاج فكر سياسي يقطع مع المنهجيات القديمة المغرقة في الشعارات والمناورات التي تفوح برائحة التآمروالتوتر والعمل على إلغاء الآخرقولاً أو فعلاً أو إستحقاقاً سياسياً، فكر يستطيع إيجاد مفردات تكون من أهم ركائزها وأصلبها ( الحوار - القبول بالإختلاف – البناء الوطني – شرعية الإقتراع – مفهوم متطور لبناء الدولة – شرف غاية / شرف وسيلة ) مفردات تتحول الى سلوكيات تحدد مقدار التزام النخب السياسية بمفهوم الديمقراطية .
( لكن ) ذلك لايأتي جزافاً ولاانطلاقاً من رغبات شخصية وحسب ، انها ممارسة تراكم جزئياتها ببطء - وعسر في الغالب- لتؤسس من ثم ثقافة ومنهجاً وإدارة ورؤى ، تختلف فيها قراءة الواقع وزاوية النظر واستشراف الآتي ، لتبنى على أساسها تكتيكات ومواقف وإستراتيجيات تسهم في صناعة التاريخ وإنشاء الدولة .
القوى السياسية العراقية ، كانت قد بدأت من قديمها : رفع بعضها ( سيفاً ) فهدد وتوعد في مواقف أقرب الى الإملاءات منها الى التفاوض ، فيما لجأ الآخرالى التمترس خلف مواقفه لتتحول تلك المواقف الى شرنقة لفّت حركته وقيدته داخلها ، أما الصنف الثالث ، فمارس السياسة بعقلية التربّص والمناورة والمواقف مرتفعة المنسوب التي وصلت الى درجة إعلان خطوط حمراء على هذا السياسي أو ذاك ،لكن ومع استمرا ر اللعبة بكل أدواتها ، بدأ الفرز يشقّ مجاريه ، بعد ان شحن كلّ طرف مواقفه باقصى مايستطيعه .
في لحظة ما ، بدت الكتل السياسية الكبيرة ، أشبه بمن أطلق خيوله على غاربها ، ملأت الساحة صهيلاً وأثارت حوافرها الكثير من الغبار ، حتى أصبح الموقف دامساً وسط سيل من التصريحات التي ينفي بعضها نفسه ويناقض الآخر، فما ان يُعلن خبر ، حتى يتم تكذيبه بعد زمن قصير – وأحياناً بعد دقائق معدودات - .
لكن وسط هذا الخضّ ، تشكّلت ( الزبدة ) فأنتجت ماكانت العملية السياسية تتجه اليه كإنما بدفع ذاتي ، حدث ذلك عند بعض القوى على مضض وبعضها راضخاً وبعضها متوجساً وقليلها مقتنعاً ، ذلك لأنهم إصطدموا جميعا بالجدار الذي صنعته الوقائع العراقية الدامية .
كانت تلك الوقائع تشير بما لم يكن يقبل الكثير من الأخذ والردّ: لم يعد بإمكان أية قوى سياسية ان تتبنى العنف أو تحرّض عليه ، بعد ان أدركت ان الشارع لم يعد بوارد الإستجابة لما تقول ، حيث بات مشروع بناء الدولة على ما أفرزته العملية الديمقراطية ، هو الأكثر ثباتاً والأوضح جدوى، لقد تبين ان بإمكان الدولة ان تستوعب الجميع وان يكون للجميع دور فاعل فيها ، فعلى الصعيد الخدمي ، هناك الحكومات المحلية المنتخبة ( مجالس المحافظات ) التي تتمتع بصلاحيات إدارية واسعة ، وعلى الصعيد الأمني ،تتشكل في الغالب معظم ألوية الشرطة والجيش – مع قياداتها وضباطها ومراتبها –من أبناء المنطقة أو المحافظة ذاتها ، أما حرية التعبير عن الرأي ، فقد بلغت ما لم تبلغه في أي بلد آخر ، فيما تؤكّد أغلب التقارير والدراسات ، بأن العراق مقبل على ان يكون عملاقاً إقتصادياً يستطيع ان يوفّر لجميع أبنائه سعة في العيش غير مسبوقة ، ما يعني إختصاراً ، ان العنف فقد مبرراته وأصبح مجرد انتحار عبثي لايوصل الى نتيجة ، كذلك بهتت دوافع الخطاب التحريضي بمنطلقاته ودعاواه - الأخلاقية والتعبوية على حدّ سواء - بعد ان ظهر خواؤه وحقيقة توجهات معتنقيه .
في الوقت عينه ، كان المحيط الإقليمي يتغير بدوره في مواقفه نحو العراق ، فقد اصطدمت الدول التي كانت تناصب العملية الديمقراطية في العراق العداء ، بواقع ان تلك العملية أصلب مما اعتقدوا ، وان مسالة انهيارها ليست واردة ، والا دخلت المنطقة في مكامن خطرة قد لا تسلم منها أية دولة ، والمهم في ذلك ، ان العراق بدأ بالتكّون على شكل مغاير ، إذ بدت ملامحه تتخذ صورة ( منقذ ) بدلاً عن مشكلة .
الإيرانيون وطوق الحصارالدولي الذي أخذ بالضغط عليهم ، والسوريون المغلقة أمامهم أبواب الرخاء ، حيث موازنتهم الشحيحة في أحسن توقعاتها (1) لا تفي بمتطلباتهم المتزايدة ، ناهيك ان السياسات المغامرة السابقة والشعارات الثورية ، قد استهلكت واستنفدت أغراضها وبالتالي لم تعد تؤدي الى ماهو مثمر، فيما أدرك الأتراك قيمة الفائدة المتوخاة من علاقة مع عراق يتقدّم إقتصادياً بما يبشّر بامكانات ضخمة .
كان ( ارتخاء ) الساحة العراقية ، قد بدأ يلقي بظلاله فىمايشبه إرتخاءاً نسبياً في المنطقة ، التقت أمريكا مع إيران ( لأول مرّة ) في العراق على تأييد المالكي بعد ان كانتا ضدّه قبل الإنتخابات ، ثم تبعهم السوريون والأتراك - رغم ماذكر ان القائمة العراقية شكّلت بدعم مباشر رباعي الأطراف - أمريكي – سعودي – تركي – سوري - وكان الهدف الأساس منها، قطع الطريق أمام عودة المالكي .
المشاريع العراقية التي بدأ بالإعلان عنها ، كانت مغرية : مدّ خطّ للغاز الإيراني عبر الأراضي العراقية الى الموانىء السورية ، ثم خطّ إستراتيجي عراقي / سوري مشترك ، يصدّر عبره 3،5 مليون برميل من النفط العراقي يومياً ، فيما لاح في الأفق مشروع إستراتيجي آخر أطلق عليه ( القناة الجافةّ) يتكون من عدد من خطوط السكك الحديد التي تنقل بواسطة القطارات ، مئات الآلاف من أطنان البضائع يومياً ، في حركة تبادلية بين من بلدان الشرق باتجاه أوربا وأمريكا عبر البحر المتوسط قادمة من ميناء الفاو بعد توسيعه ليكون الأكبر من نوعه في المنطقة (4)أونقل البضائع الأوربية أو الأمريكية الى بلدان الشرق عبر الميناء المذكور ،ومن الموانىء السورية والأردنية والتركية – وربما الفلسطينية / الإسرائلية لاحقاً - .
تلك القناة ستكون أشبه بحفر وتشغيل قناة السويس التي وفرّت على العالم مسافات كبيرة حين كانت السفن تضطّر الى الالتفاف عبر رأس الرجاء الصالح متجاوزة أفريقيا كلها في طريقها الى بلدان الشرق الأقصى – الصين – الهند –باكستان –ماليزيا - - الخ ، أما ( قناة العراق الجافة ) فستوفر على العالم فارقاً زمنياً يقرب من 25 يوماً اضافة الى نصف التكاليف المالية مقارنة بالمرور عبر قناة السويس .
إذاً ، كانت أجواء العراق معبأة بالغيوم ، لكنها هذه المرّة تحمل مؤشرات الخصب في منطقة تتجه نحو مسارات أخرى أقلّ اضطراباً وأقرب الى التعاون .
زيارة الرئيس الإيراني أحمدي نجاد الى لبنان ، أحدثت عكس ماكانت تتخوف منه بعض الجهات اللبنانية والدولية ، إذ بدا وكأن تلك الزيارة ،إمتصّت جزءاً من التوترات اللبنانية ، فقد إتخذ الرجل سلسلة من المواقف المعتدلة ووجّه رسائل بذلك المعنى الى عدد من الجهات المعنية في لبنان وخارجه ، سواء في خطاباته المتلفزة في بيروت وبنت جبيل ، أو في لقاءاته مع مختلف الشخصيات اللبنانية ، ترافق ذلك مع بداية تقارب إيراني/ مصري يحدث لأول مرّة بعد سنوات من التوتر، ما جعل من إمكانية ان يتوّجها أحمدي نجاد بزيارة القاهرة ، تبدو معقولة أومطلوبة ، إذ من شأن ذلك ان يجعل المنطقة تسير في طريق صلح تاريخي بين إيران وبعض الدول العربية ، كما يمكن إستثمار المواقف الإيرانية كورقة ضغط في المفاوضات مع إسرائيل حول القضية الفلسطينية .
حركة الصلح كانت قد بدأت فعلاً ب( إنقلاب ) إيجابي في المواقف السورية ، اذ بعد قطيعة وتوتر إستمر أكثر من عام بين سوريا والعراق بعد مطالبة حكومة المالكي بتسليم المتهمين بانفجارات وزارتي الخارجية والمالية في بغداد ، أطلقت القيادة السورية مبادرة تجاه الأخير بدعوته رسمياً لزيارة سوريا ، وقد تمت تلك الزيارة في 13/10/ 2010 ، خرج فيها الطرفان متفاهمين على قضايا مهمة ، منها التعاون الإستراتيجي في المجالين الأمني والإقتصادي ، وكان ذلك بمثابة اعتراف ضمني بخطأ النهج السابق للقيادة السورية في تعاطيها مع الملفّ العراقي .
إيران – تركيا- الأردن – سوريا - كلها غيّرت من رؤيتها للوضع العراقي باتجاه الدفع نحو الإستقرار ، لما سيعكسه من فوائد لتلك الدول كمحصّلة طبيعية للأجواء التي بدأت تظهر في المنطقة ، لكن السعودية وحدها بقيت طور المراجعة ، فقد شعرت بأن أوضاع العراق تفلت من بين يديها ،بعد ان تبّين ان خصمها ( اللدود ) المالكي ، هو رئيس الحكومة العراقية المقبل ، وفي لبنان فقدت بعض أوراقها بعد ان أثبت حزب الله وحلفاؤه ، انهم رقم صعب لايمكن ان تمرّ القضايا على حسابه أو رغماً عنه ، وان حلفاء السعودية ليسوا بالقوة الكافية لجعل النفوذ السعودي أكثر فاعلية .
وفي اليمن ، يستمرّ الحوثيون بتقوية أوضاعهم بعد ان عجز السعوديون والسلطات الرسمية اليمنية عن قهرهم عسكرياً ، كذلك تصاعد الإضطرابات الخطرة التي بدأ يشهدها اليمن وقد تمتدّ بتأثيراتها الى السعودية ذاتها .
كان السعوديون يمرّون بأوقات حرجة ، لذا سرّبوا خبراً عن ترحيب الملك عبد الله بترشيح المالكي ، لكنهم سرعان ماسحبوه من التداول بعد ورود أنباء عن إمكان علاوي تشكيل محور آخر منافساً للتحالف الوطني ومرشحه نوري المالكي ، يجتذب الى صفوفه كلّ من المجلس الأعلى وحزب الفضيلة ، وقد زار علاوي السعودية في 11/ 10/ 2010 ، بعد ان سرّبت القائمة العراقية خبراً عن قبولها بدعم عادل عبد المهدي لرئاسة الوزراء ، في مناورة بدا ان الهدف منها كان دفع عمار الحكيم الى المزيد من التصلّب في مواقفه المعارضة للمالكي .
عاد علاوي من تلك الزيارة بمواقف متباينة ، فمن الإستعداد لبدء حوار جديد مع (دولة القانون ) حول تشكيل الحكومة ، الى العودة للمطالبة باستبدال المالكي أو الحصول على 50% من حقّ اتخاذ القرارات في الدولة ، في وقت تمّ فيه تكذيب ماتسرّب من أنباء ، سواء المتعلقة بترشيح عادل عبد المهدي ، أو الإعلان عن محور يضمّ 130 نائباً ، إذ تبيّن انها أعلنت كبالونات إختبار إعلامية ، لكن الحديث عن الموضوعين عاد بقوة في الأيام التالية ، وهكذا استمرت (القائمة العراقية) بإثارة الغبار والتعمية المقصودة ،وكانت تلك من المناورات السياسية التي توصف بالبدائية وغير المجدية.
في تلك الأشهر ، كانت ملامح النخب السياسية في بداية التشكّل ، لكنها انهمكت – كنخب – في ممارسة تكتيكات بدا واضحاً انها مازلت طور التعلمّ والمران ، فهي لم ترس قواعد للسلوكيات السياسية ، ولم يظهر البناء الإستراتيجي في حركتها ، ذلك مايمكن الإشارة اليه في الظواهر التالية :
1- لجوء بعض الكتل السياسية– خاصة ائتلاف العراقية - الى إتباع أسلوب ( غوبلز ) من أجل إغراق الخصم بسلسلة من التصريحات المتناقضة في محاولة إرباكه ومنعه بالتالي عن معرفة حقيقة توجهات القوى المعنية، الى ان يحين الوقت المناسب للإعلان الفعلي عمّا تحقق ، لكن الخطورة في هذا الأسلوب ، انه يهزّ صدقية القوى التي تتبّعه وبالتالي تنعدم الثقة فيما تقوله ، ما ينعكس على وضعها وموقعها الإستراتيجي - وان نجح تكتيكياً - كذلك يضرب أهم مبادىء السلوكيات الديمقراطية المتمثل بالشفافية في وضوح الهدف وسبل تحقيقه .
2- الطموح غير الديمقراطي : في البداهات الديمقراطية ، ان الحجم السياسي تحدده صناديق الإقتراع ، ومن لايحصل على أعداد كافية من المقاعد النيابية ، عليه ان يقرّ بتلك الحقيقة ويتصرّف وفقاً لمعطياتها ، لكن بعض القوى السياسية العراقية ، وقعت في إشكالية المواءمة بين اتساع مدى طموحاتها السياسية ، ومحدودية مكانتها الإنتخابية .
ظهر ذلك في المجلس الأعلى بشكل خاصّ ،فقد تحالف أولاً مع الصدريين ودولة القانون ، وأعلنوا عن تكتل أطلقوا عليه ( التحالف الوطني )، كان المجلس الأعلى يأمل من خلاله دفع مرشحه ( عادل عبد المهدي ) ليكون مرشحاً رسمياًعن التحالف الوطني على حساب المالكي ، وتلك حالة لم يكن من المتوقع حصولها نظراً للفارق الكبير في قاعدة الرجلين الإنتخابية – أصواتاً شخصية وكتلة نيابية – وحين أعلن التحالف الوطني عن موقفه بترشيح المالكي ، رفض المجلس الأعلى ذلك (2) وامتنع عن حضور الإجتماعات الخاصة بالتحالف ، منوّهاً بإمكانية اتفاقه مع العراقية ، ثم أعلن انه على استعداد لدعم المالكي، إذا استطاع النجاح في جمع العدد المطلوب ( 163) نائباً ، فزاد ذلك من تأرجح مواقف (المجلس) ولاموضوعيتها ، إذ كيف يعقل ان تسمح لك قوى أكبر منك تمثيلاً- دولة القانون والتيار الصدري - باستغلالها لتمرير مرشحك أولاً، ثم تحاول بعدذلك ، مشاركتها في نجاحها من دون المساهمة في حصوله – ناهيك بمحاولة عرقلته - ؟
3- جميع الكتل السياسية الفائزة ، نظرت الى المرحلة الحالية باعتبارها حاسمة بشكل مطلق ، وبالتالي لامجال لتعويضها ، سواء في تشكّل العراق الجديد ، أو في تحديد مواقعها المستقبلية كقوى سياسية ، وعليه غابت النظرة العامة التي تضع هذه المرحلة ضمن مقدمات البناء القابلة للتعديل أوللتغيرأو الاستدراك .
ذلك ماقاد بمحصلته الى التصلّب في المطالب والتمترس وراء المواقف .
كان التصلب هدفاً بذاته ، وان لم يؤد الى نتائج حاسمة ، ذلك لأنه يمنح متخذيه الشعور بالقوة والأهمية ، كما يضعهم تحت الأضواء وفي موقع المتابعة الإعلامية ، وهو ماكانت تتطلبه المرحلة كجزء من معركة إثبات الوجود السياسي .
وعليه ،لم يظهر ذلك النوع من السلوكيات التي يمكن التأسيس عليها كسابقات مسلكية ، كأن يعترف خصم لخصمه بالجدارة والأحقيّة ، أو التساهل فيما يعتبره حقّاً ، فقد رفضت (العراقية ) الإعتراف بتفسير المحكمة الدستورية عن مفهوم الكتلة الأكبر(3) واستطراداً الإعتراف بالتحالف الوطني ، فيما بقيت الكتل الكردستانية تحمل نقاط مطالبها باحثة عمن يلبيها كاملة قبل إعلان التحالف معه ، مايعني استثماراً للظروف قد يكون مبرراً ديمقراطياً ، لكنه لايسهم في إرساء قواعد متينة للعمل السياسي .
4- غابت عن خطاب القوى السياسية ، أية مؤشرات عن رسم ملامح فكر سياسي عراقي يبني نواته وفق معادلة (ا لعراق / الوطن ) أي البدء ببناء خصوصية فكرية عراقية تأخذ في الإعتبار تاريخ العراق الجديد الذي يتطلب الإفتراق عن الآيديلوجيات السابقة التي اعتبرت العراق جزءاً من أمة إفتراضية ( العربية عند القوميين العرب وماشابهها عند الكرد ، أو الإسلامية عن الإسلاميين – وهكذا )
وعلى الرغم ان تلك الطروحات فقدت الكثير من جاذبيتها حيث تراجعت الطروحات القومية – أقله في جانبها العربي – فيما ضعفت عند القوى الإسلامية تأثيرات خطابها الآيدلوجي ببعده السياسي ، الا ان الواقع ربما فرض الإشتغال على ماهو قائم من وقائع سياسية ، دون الذهاب في تنظيرات بنائية على الصعيد الفكري ، خاصة ان ذلك يقع على عاتق المثقفين والمفكرين أولاً ، وليس على السياسيين بالضرورة ، وان كان للسياسة في وجهها الممارساتي ، جانب مهم في عمل المنظّرين للقواعد الفكرية في السياسة .
5- " حين تكون واثقاً من نفسك ، سيثق بك الآخرون " ذلك مانادى به الفيلسوف الفرنسي " لاروشفكو " حينما كانت فرنسا تعاني من أوضاع تشابه الى حدّ ما الأوضاع القائمة في العراق الجديد الذي عرف بهذه التسمية بعد 2003.
كان ذلك درساً بليغاً يستحق التمعن في نتائجه ، لقد ظهر المالكي وحكومته قبيل انتخابات 2010 ، بأنه المرفوض من الجميع والمزّنر بالعداوات ، كانت "الفيتوات " والخطوط الحمراء تحيطه من الداخل والخارج ، وقد تواصل ذلك الحصار بين الرفض المطلق الى البحث عن بديل الى عدم الإرتياح ، حتى الأشهر الطويلة التي تلت إعلان نتائج الإنتخابات ، لكن الرجل بدا واثقاً ، لابقدراته الشخصية أوميله الى الثبات والعناد وحسب ، بل بما منحته إياه أصوات الناخبين وماتوصلت اليه نتائج استطلاعات الرأي العديدة الذي وضعته في الموقع الأول – ولولا ذلك ، لتحولّ العناد الى مسلكية جامدة تحمل في طياتها ملامح دكتاتورية -.
وهكذا بدأ سياج العدوات والخصومات بالإنهيارمن حوله ، وذهب البعض من خصومه – في الداخل والخارج – الى قناعات معلنة أو ضمنية ، ان الرجل مؤهل لقيادة المرحلة - وان تصرّف ضمن ماهو مألوف في العمل السياسي من غير ابتكار أو إبداع - .
الخلاصة من كلّ ذلك ، ان التجربة العراقية في الزمن المذكور، خرجت من دون أن ترسي مايمكن ان يحسب لها كسابقة أخلاقية سياسية ، لقد كانت ( البراغماتية ) بمفهومها النفعي ، هي السائدة في السلوك السياسي ، رغم ان القواعد الديمقراطية تضع للجانب الأخلاقي ، مكاناً مميزاً في السياسية ، ماقد يتجاوز حضور المنفعة الذاتية - بمعنى التحصيل المباشر – في اتخاذ المواقف ، وذلك لايلغي أهمية المنفعة وضرورتها في تحريك عجلة السياسة ، لكن الأمر يكمن في ماهيّة هذه المنفعة وكيفية تحصيلها ، لا في جوهرها الذي قد يكون من أهمّ مقوماته: إرساء القواعد الأخلاقية للعمل السياسي ، لكن ذلك مايزال بانتظار حصوله في مراحل مقبلة .
(1) في العام 2009 ،( توقفت العديد من المنشآت السورية عن العمل وانخفضت مبيعات الغزول بنسبة 50%، بينما طالت عواصف الأزمة الاقتصادية المرافئ السورية حيث انخفضت قيمة الأسطول البحري السوري خلال العام 2009 من مليار دولار إلى نحو أربعمائة مليونا ، - و في العام 2010 ،اعلن عن الموازنة السورية بحدود 16 مليار دولار - لكن ساسة الاقتصاد يتداولون وعودا وتطمينات من بينها أن نسبة النمو الاقتصادي تجاوزت 6%. لكن المطالبات على الطرف المقابل لا تزال تتعزز بضرورة دعم الدولة لصناعاتها الوطنية في ظل الانفتاح، وتوجيه الأنظار نحو محدودي الدخل والفقراء وآلاف العاطلين عن العمل.(
الاقتصاد والمال - 25/9 /2010

(2) حضر أمين عام منظمة بدر هادي العامري الإجتماع الذي أعلن فيه عن ترشيح المالكي ، وكانت منظمة بدر تمثل الثقل الرئيس في المجلس الأعلى حيث حصلت على 11 من أصل 17 نائباً للمجلس الأعلى مجتمعاً.
(3) كانت المحكمة الدستورية قد أجابت على استفسار رفعه المالكي قبل الإنتخابات حول تفسير المادة 76 من الدستور ، وتلخص جواب المحكمة ان تعريف الكتلة الأكبر ينطبق على الكتلة الفائزة في الإنتخابات أو التي تشكّلت بعد ذلك .
(4) "مشروع القناة الجافة, الذي ينقل عبر البر البضائع القادمة إلى موانئ العراق من أستراليا وشرق أوروبا وآسيا والمتجهة نحو تركيا وسورية وشمال أوروبا, سيقلص وقت وصول البضاعة بـ25 يوماً وكلفة الشحن بحوالي النصف"، كما سيحوّل ميناء أم قصر إلى محطة طرفية تستقبل البضائع الواردة لحساب الموانئ التركية وميناءيْ اللاذقية السوري والعقبة الأردني, حيث سيتم إلغاء تكاليف المرور بقناة السويس وتكاليف التفريغ والشحن من الموانئ الخليجية.
الجزيرة نت – وكالات – 20/10/2010
جريدة الصباح العراقية 15/ 8/2010







رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,272,396,067
- ثقافة الدم قراطية
- العرب والحداثة - بين تحصيل المعلومة وفقدان المعرفة
- الظاهرة الصوتية والظاهرة الانتحارية عند العرب
- تاجيل فتدويل... بانتظار التعجيل
- عندما تسرق الحقوق
- البصرة انموذجا
- الشباب الطموح والمصير المجهول
- عن الواقع الاعلامي في العراق بعنوان يتامى الاعلام
- صناعة الجنون والهستيريا
- فتوى....كفارة الانتخابات..!
- شارع الوطني في البصرة ....عندما كان حي يرزق
- حوار مع بدوي من صحراء الربع الخالي
- شباط ..شهر الحب والوفاء والتفاؤل
- المازوخية..الوليد المحسن للاسلام السياسي
- الرجل عندما يفقد عضوه...!
- أخجل منكم جميعا..لكنني أقولها
- اليمين يتعرى ويترنح
- الفنان والشاعر فلاح هاشم وذاكرة نصف قرن
- من بارات أم البروم خطة مقترحة لحكومة أم القانون
- منشور أسقط جوا قبل الاحتلال بساعات -ماأشبه اليوم بالبارحة


المزيد.....




- روسيا تقرر إرسال قاذفات استراتيجية إلى القرم رداً على الولاي ...
- "داعش" في سوريا يقول إن النزوح من الباغوز لن يضعف ...
- روسيا تقرر إرسال قاذفات استراتيجية إلى القرم رداً على الولاي ...
- "داعش" في سوريا يقول إن النزوح من الباغوز لن يضعف ...
- الجيش النرويجي: روسيا عطلت نظام -جي بي إس- أثناء مناورات -ال ...
- اليمن... -أنصار الله- تعين نائبا عاما وتجري تغييرات في جهاز ...
- الوليد بن طلال: خاشقجي كان صديقا لي ومقتله كارثة استخباراتية ...
- بوتين بالقرم.. في ذكرى عودتها إلى روسيا
- القضاء الفرنسي يضع صهر الرئيس التونسي الأسبق بن علي قيد التو ...
- الوليد بن طلال: الأمير محمد بن سلمان ساعدني في تبليغ رسالة ت ...


المزيد.....

- قوانين الجنسية في العراق وهواجس التعديل المقترح / رياض السندي
- الأسباب الحقيقية وراء التدخل الأمريكي في فنزويلا! / توما حميد
- 2019: عام جديد، أزمة جديدة / آلان وودز
- كرونولوجيا الثورة السورية ,من آذار 2011 حتى حزيران 2012 : وث ... / محمود الصباغ
- الاقتصاد السياسي لثورة يناير في مصر / مجدى عبد الهادى
- قبسات ثقافية وسياسية فيسبوكية 2018 - الجزء السابع / غازي الصوراني
- مدينة بلا إله / صادق العلي
- ثورة 11 فبراير اليمنية.. مقاربة سوسيولوجية / عيبان محمد السامعي
- مقالات ودراسات ومحاضرات في الفكرة والسياسة والاقتصاد والمجتم ... / غازي الصوراني
- كتاب خط الرمال – بريطانيا وفرنسا والصراع الذي شكل الشرق الأو ... / ترجمة : سلافة الماغوط


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - علي السعدي - عن السياسة والأخلاق في العراق الجديد / خلاصات غير منتهية