أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - حقوق الانسان - فاطمة ناعوت - سأختارُ دينَ الحرامي






















المزيد.....

سأختارُ دينَ الحرامي



فاطمة ناعوت
الحوار المتمدن-العدد: 3133 - 2010 / 9 / 23 - 13:10
المحور: حقوق الانسان
    


بلاغ إلى السيد حبيب العادلي
أعتذرُ، بدايةً، عمّا بعنوان المقال من مجاز ومبالغة. والحقّ أن هذه العبارة لها ما يبررها في متن المقال. والحقُّ أيضًا أن تلك العبارة، بما تحمل من بلاغة رمزية ومبالغة مجازية، ليست من صياغتي، بل من صياغة مواطن مصريّ، ضربه الظلمُ والشعور بالعجز وقلّة الحيلة، فأخرجت منه المرارةُ تلك البلاغةَ التي أحسده عليها، وربما يحسده على صوغها الشعراءُ. رغم ما في العبارة من استفزاز، ربما يستشعره القارئ منذ الوهلة الأولى. لكنني أتمنى على القارئ أن يؤجل حكمَه حتى يُنهي المقال، ليكون حكمُه أكثر علميةً، وعدلا.
وصلتني هذه الصرخة من مواطن مصري اسمه: سامي يونان. أنقلها تقريبًا كما هي، لم أتدخل إلا في أقل القليل، ولم يعمل قلمي إلا في تعديل الصياغة والأسلوب؛ لأنني لم أُرِد أن أُفقدَ الرسالةَ طاقةَ القنوط المُرِّ والشعور بانعدام العدالة، تلك التي تملؤها بسبب المهزلة التي وراءها.
قبل أسبوعين، اتصل به الجيران في التاسعة صباحًا، وهو في عمله، ليخبروه بأنهم أمسكوا بلصٍّ يحاول سرقة منزله. وكانوا قد اتصلوا بشرطة النجدة في السابعة، ووعدت الشرطةُ بالحضور، ولم يأت أحد! ترك الرجلُ عمله وأسرع إلى بيته ليجد الجيران وسكّان الشارع وقد احتشدوا هناك. أخبروه أنهم سمعوا صراخ الزوجة ينبعث من شقتهم فأسرعوا، ليجدوها في حال انهيار تام. بينما اللص قد سقط من شباك الصالة في منور العمارة، أثناء محاولته الهرب بعدما اكتشفت الزوجة وجوده. من جديد، عاود الاتصال بالنجدة، ثم بشكاوى وزارة الداخلية. وليس قبل الثانية عشرة ظهرًا، حين وصل أمين شرطة، قام بالقبض على "السيد الحرامي".
فى قسم البوليس سأله الأمين: "ليه بتضربه؟" فأقسم الرجلُ أنه لم يفعل! فاستأنف الأمين: "عايزين تاخذوا حقكم، يبقى بالقانون بلاش ضرب!" فأعاد القسَمَ بأنه لم يضربه، بل سقط اللصُّ حين افتضح أمره. وشهد الجيران بأنهم شاهدوا اللصَّ وراقبوه لحظة محاولة الهروب وسقوطه في المنور، كل هذا قبل وصول الرجل من عمله.
وهنا، أطلق الأمين القنبلة المدوية. قال إنه مضطر إلى تحويل كلٍّ من السارق والمسروق إلى نيابة أمن الدولة؛ لأن الأول مسلم والثاني مسيحي! ثم أردف، بإيماءة العالم بطبائع الأمور: "ودي طبعا، فيها سين وجيم!"
- "والعمل؟"
- "نعمل محضر صُلح، وعدم تعرض منك ولا منه، ويا دار ما دخلك شر، وتروحوا لحال سبيلكم. وبعدين لازم تاخد الحرامي وتعالجه، لأنه ممكن يعمل لك محضر، وتقرير طبي، وشغلااااانة."
وبالفعل أخذ "المسروقُ" السارقَ" إلى صيدلية قريبة وعالج خدوشه التي تسبب فيها قفزه من شباك الشقة المنهوبة. ودفع "المُعتدَى عليه" مصاريفَ علاج "المعتدي"، ثم راضاه لكي يضمن عدم رفعه قضية تحرّش طائفي عليه!
وأُقفِلَ المحضر في ساعته وتاريخه، تحت رقم 18 ح، بتاريخ 23/8/2010.
لكن النكتة في الأمر، أن المحضر خرج بصياغة: "عدم تعرّض"، وليس: "سرقة"، بعدما اعتذر اللصُّ، ووعد بعدم محاولة سرقة هذا المسكن بالذات، في خُططه اللصوصية القادمة!
يحدثُ هذا في بلدنا العريق مصر، أول دولة في التاريخ سنّتِ القانون والتشاريع! يحدث ذلك بعد عشر سنوات من الألفية الثالثة، بين مواطنيْن: أحدهما "منهوبةٌ حقوقه"، وخائف، والثاني "ناهبُ حقوق" ومستقوي! الأول مجبورٌ بأقليّته، والثاني مَحْميٌّ بأكثريته، وبالمادة الثانية في الدستور!! يحدث في بلد يدين بالإسلام الذي حرّم اللهُ فيه الظلمَ على نفسه، لكي نتعلم، نحن العباد، ألا نتظالم فيما بيننا، كما ورد في حديثه القدسيّ: "يا عبادي، إني قد حرّمتُ الظلمَ علي نفسي، وجعلتُه بينكم مُحرَّمًا، فلا تظالموا."
قال لي الراسل في رسالته البائسة: في المرة القادمة سأختارُ أن أكونَ على دين الحرامي، كيلا تُسرق حقوق مواطنتي في وطني، على مرأى ومسمع من أسرتي وجيراني وأطفالي، والأكثر بؤسًا، تحت عيون رجال الأمن الذين يؤمّنون حياتي مقابل مواطنتي ومقابل ما أدفع من ضرائب تُقتصُّ مباشرة من راتبي.
وهنا أسألُ أولي الاختصاص: هل للجريمة دينٌ؟ وهل عدم تظالم العباد، كما أمرنا الله، يخصُّ عقيدةً دون أخرى؟
لكن الحكاية لم تنته.
في المساء سأل الأطفالُ أباهم: "هو ليه الحرامى متحبسش يا بابا؟"
وعجز الأبُ عن الإجابة. فسألني بدوره: "هو صحيح ليه الحرامي متحبسش يا أستاذة فاطمة؟"
وبدوري أعجزُ عن الإجابة، ومن ثَم أحوِّل ذلك السؤالَ المُلغز إلى وزير الداخلية، السيد حبيب العادلي: هو ليه الحرامي متحبسش يا سيادة الوزير؟" .






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,516,156,238
- سوزان مبارك، والبرادعي
- صور آل البرادعي على فيس-بوك
- فليحاسبْني القانونُ على ذلك!
- شكرًا للصّ زهرة الخُشخاش
- الرحابُ فى جفاف
- مجدي أحمد علي مُخرج اللقطات الملهمة
- جبل راشمور في الشيخ زايد
- مسرحية -أوديب وشفيقة-
- عسلٌ أسود، مرآةُ ميدوزا
- مسرحية -العميان--أشعرُ بالقمر فوق يدي
- البنت المصرية سعاد حسني
- مسرحية -قطط الشارع-
- متشوّقون للجمال
- عقيدتُك ليست تعنيني
- محمود سلطان، الإعلاميُّ الجميل
- صديقي المبدع، بهيج إسماعيل
- تثقيفُ البسطاء في ثقافة الجيزة
- عبدةُ الزهور الجميلة
- الثالثُ المرفوع، وغير المرفوع
- لأن معي أتعاب المحامي


المزيد.....


- دم مهدور / ماجد محمد مصطفى
- اتاوات الطب الحديث / محمد شفيق
- سوزان مبارك، والبرادعي / فاطمة ناعوت
- فقراء وأثريا معدومين / رمضان عبد الرحمن علي
- آفة الامية من جديد واخطر / فاطمة العراقية
- الفقر...تلك الحالة التي يستغلها الجميع..! / مازن فيصل البلداوي
- علاج المدمن .. مهمة الدولة / علي شايع
- الوظائف الحكومية فى ظل الوساطة والمحاباة / أحمد سوكارنو عبد الحافظ
- أنصار الاسلام تنفي التهم الموجهة إليها من قبل لجنة البارازان ... / برادوست آزيزي
- متاعب أكوراي / دريم يوسف


المزيد.....

- المغرب.. منظمات حقوقية تستنكر اتهامات رسمية بالعمالة
- أوكرانيا: يجب إجراء تحقيق عادل في الخسائر المأساوية في الأرو ...
- اختتام جلسة الاستماع حول الرقابة الحكومية الجماعية على الاتص ...
- إسرائيل/غزة: الهجمات على المرافق الطبية والمدنيين تعزز مزاعم ...
- جمهورية أفريقيا الوسطى: لا ينبغي أن تؤدي محادثات برازافيل إل ...
- قصف إسرائيلي على مدرسة تابعة للأمم المتحدة تؤوي نازحين
- الأمم المتحدة: لا يوجد مكان آمن للمدنيين في غزة
- العراق: مجلس الأمن يعرب عن قلقه إزاء اضطهاد الأقليات في المو ...
- الأمين العام يدعو إلى تطبيق العناصر الجوهرية لقرار مجلس الأم ...
- العراق: الأقليات في سهل نينوى


المزيد.....

- كيف تناولت الماركسية قضية المرأة؟ / تاج السر عثمان
- النزعة الكونية : من الأديان إلى حقوق الإنسان / حاتم تنحيرت
- الحق في الصحة في دساتير العالم / إلهامي الميرغني
- بروفسور يشعياهو ليبوفيتش: الضمير الذي يؤنب اسرائيل / يوسف الغازي
- المرتزقة..وجيوش الظل / وليد الجنابي
- الشيعفوبيا / ياسر الحراق الحسني
- مفهوم الديمقراطية من الليبرالية إلى الماركسية / خليل سامي ايوب
- جدلية الامن وحقوق الانسان في عالم الارهاب / رائد سليمان احمد الفقير
- للرأي العام كي يحكم / كمال اللبواني
- الحقوق اللغوية والثقافية الامازيغية : الواقع والمعوقات / انغير بوبكر


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - حقوق الانسان - فاطمة ناعوت - سأختارُ دينَ الحرامي