أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - قراءات في عالم الكتب و المطبوعات - باسنت موسى - كتاب -الثورات- للراحل -سلامة موسى-















المزيد.....

كتاب -الثورات- للراحل -سلامة موسى-


باسنت موسى

الحوار المتمدن-العدد: 2515 - 2009 / 1 / 3 - 07:20
المحور: قراءات في عالم الكتب و المطبوعات
    


التاريخ ليس كالروايات التي يسجلها الذهن ويقتنع بها بالتسجيل، ولكنه مركب كيماوي يتسلل للخلايا بالمخ فيبعث بداخلنا الأحلام والأماني محركاً الذكريات مهيجاً للجراح،تلك الرؤية للتاريخ هي النواة التي أقام من أجلها "سلامة موسى" كتابه محور عرض اليوم "الثورات" وهو من خلاله لا يروي قصص تاريخية فقط ولكن يحاول أن يقدم من خلال تلك القصص إلهام للقراء للإقتداء بالأبطال وإثارة الغضب على المستبدين.
التاريخ علم لأنه يروي الحوادث ويعلل تتابعها وهو أيضاً فن لأن من خلال نستنبط العبرة والقوة عندما نستمدها من الماضي نغتصب من خلالها قوة أخرى من المستقبل.
الثورات التي قادها أحرار قامت من أجل تحقيق مبادئ الحرية والعدالة، لهزيمة الطغاة والظالمين الذين يتحكمون في بداية طغيانهم محاربين بذلك الطغيان الحب والحرية والشرف ليعلنوا بوضوح ما في قلوبهم ونفوسهم من خسة ونذالة باصقين بأفعالهم تلك على الإنسانية.
الحرية والشرف والعدالة ليست من المبادئ الميتة ولكنها مبادئ مكافحة متجددة لذا هي تحتاج للرعاية الدائمة والبعث الدائم حتى تعم كل البشري وتربي الإنسان على أن يكون إنساناً.
زيادة الحرية عن طريق إلغاء القيود السابقة والاعتراف بالحقوق الجديدة هو السمة العامة للثورات الأوربية التي انتهت إلى إيجاد المجتمع الأوربي بشكله المتحضر، جميع الثورات في أوربا وغيرها من القارات كانت تسير على أسلوب واحد يسير من نقطة لأخرى تتمثل في اضطهاد يتعنت ولا يقبل مفاوضات التغيير ثم انفجار ثم تغيير تكون نتيجته محو هذا الاضطهاد، من النظر لتلك الثورات نجد أن الشعب كله يقوم بها على الرغم من أن طبقة واحدة هي التي تشعر الضغط والاضطهاد أكثر من غيرها، وذلك لأن شعور تلك الطبقة بهذا الضغط يدفعها لأن تبدأ بالدعوة إلى فلسفة جديدة ونشرها بمحركات عديدة فينضم إليها الشعب كله بعد أن يدرك عدالتها وشرفها، وإذا لم ينضم لقوى الثورة تلك الشعب لا تحقق أي نجاح.
هناك ثلاث طرز للثورات اختلفت الطبقات التي قامت بها، في عام 1215 ثارت طبقة النبلاء في إنجلترا على الملك جون لأن الضرائب كانت باهظة في عهده، وبعد ثورتهم تلك أجبر الملك على ألا يفرض ضريبة إلا بعد استشاره هؤلاء النبلاء في مجلسهم الذي أصبح بعد ذلك بذرة البرلمان وبذلك استفاد من ثورتهم تلك الشعب كله، في سنة 1848 ثارت الطبقة العاملة في أوربا كلها وحصلت على حقوق جديدة لم يكن يعرفها العمال فيما قبل.
في سنة 1789 ثارت الطبقة المتوسطة بفرنسا على الملك والنبلاء وبالفعل حصلت على عدد من الحقوق لها وللشعب كله، وتتمثل تلك الحقوق في إلغاء الإقطاع، وعلى الرغم من تعدد الثورات في أوربا إلا أن الثورة الفرنسية تعد هى الطراز الأعلى الذي يستحق أن تدرس سماته وأفكاره، وبالفعل انتقلت لغة وأفكار ونظريات تلك الثورة إلى الأمم الأخرى، فجميعنا يعرف الحرية والإخاء والمساواة والفصل بين السلطات الثلاث: التشريعية والقضائية والتنفيذية، ومفاهيم حرية الفكر والعقيدة وجميع تلك الكلمات والمفاهيم هي أفكار فرنسية ترجمت للغات الأخرى، وعلى الرغم من أن نابليون فسق بمبادئ الثورة الفرنسية إلا أن لم يستطع أن يلغي معانيها وأفكارها حتى أستطاع الشعب الفرنسي أن يستعيد تلك المبادئ من أي فسق وجه لها ليسترشد بها طوال مستقبله، ووفق هذا يمكننا القول أن ما يسمى "ديموقراطية" إنما هو من التراث الذي خلفته لنا الثورة الفرنسية، وقد ساهم مفهوم "الديموقراطية" هذا في تجديد وارتفاع الأمم إلى مستويات لم يكن يقصد إليها واضعوا هذا المفهوم في أيام الثورة، فواضعوا ذلك المفهوم عرفوا منه الدستور والبرلمان فقط ولكن مع تطور العصر أصبح هذا المفهوم يشمل طرز بعينها من التعليم وحركات المساواة بين الجنسين في المجتمع ونظام معين في العائلة وما إلى ذلك أساليب جديدة لتطوير المجتمعات والأفراد بما يتوافق مع إنسانيتهم.
تنجب الثورات كتاب وزعماء يؤمنون جميعهم بمذاهب حرية الإنسان والإخاء فيما بين البشر، ولأن كلماتهم تعبر عن الشرف والصداقة والعدالة والحب نشعر حين نقرأها بأننا نتلو كلمات من خطاب صديق محب، الشاعر "ملتون" هو كاتب الثورة الإنجليزية أيام "كرومويل" وقد كتب عن حرية التأليف يقول:
** الكتاب الحسن هو دم الحياة الغالي لروح الحكمة، قد حنط وأودع كي يحيا حياة تجاوز الحياة.
** الحرية هي خير المدارس للفضيلة.
**قاتل الإنسان إنما يقتل مخلوقاً عاقلاً، أما قاتل الكتاب الحسن فأنه يقتل العقل نفسه.
للثورة الأمريكية كاتب جاء بعد القيام بها بنحو سبعين عام هو الرئيس "لنكولن" الذي نص -وهو رئيس للدولة- على أنه من حق الشعب أن يغير حكومته بالطرق الدستورية فإن لم يستطع فله الحق في أن يغيرها بالقوة، إضافة لهذا فأن لنكولن وقف حياته لتحرير الزنوج ونقلهم لمرتبة البشر بعد أن كانوا في مرتبة الرق.
كتاب الثورات الحرة هؤلاء هم أصدقاء للإنسان وقفوا من خلال كلماتهم في صفوف الشعب للمناداة بالحرية والإخاء، وحتى الآن كلماتهم يتداولها الأفراد على ألسنتهم فيزداد شعورهم بالإنسانية، تلك الكلمات التي عاقبت الطغاة ونشرت الكرامة بين الناس فلا رق ولا حُكم بغير دستور ولا رقابة على الفكر والقلم.
على الدوام في تاريخ الثورات نجد أن هناك طبقة تسيطر على المجتمع وتتسلط على مقاليد الحكم لكنها في ذات الوقت غير منتجة ولأنها غير منتجة لا تحس بالمسئوليات الاجتماعية فتتجه أخلاقها نحو الانحلال مما يزعزع تماسكها وقد تظل على ذلك الحال لسنين، والشعب الذي يحتقر طبيعة سلوك وحياة تلك الطبقة تثور عليها وتنجح في ثورتها.
في العصور القديمة كان الدين هو المستوعب الرئيسي لكل ألوان النشاط البشري لذلك كانت الثورات دينية، وذلك لأن الطبقة الحاكمة إنما هي دينية محتلة لكل وسائل الإنتاج متنعمة بالثراء الذي تحققه لها تلك الوسائل، وهذا يكشف لنا أن عقلية الثورة في تلك العصور كانت دينية لذلك كثرت الشيع والملل والنحل سواء عند العرب أو الأوربيين، فكل فرقة دينية جديدة تعني ثورة.
جان بول سارتر قال: "أينما حل الظلم،فنحن الكتاب مسئولون عنه، وعلى الكاتب أن يسمي الشيء أولاً، لأن اللغة توحي لنا الفكرة، وتسمية الشيء توجد هذا الشيء وتجعله حقيقة، فمثلاً اضطهاد السود في أمريكا ليس شيئاً مادام ليس هناك كتاب يقولون أنهم مضطهدون، وقبل أن يكتب أحد عن اضطهاد العبيد، ما كان أحد ليفكر في أنهم مضطهدون، بل العبيد أنفسهم لم يكونوا يفكرون في ذلك، ولما كانت اللغة تستخدم في إيجاد الأشياء فعلى الكاتب أن يستخدم بلاغته في المطالبة بحرية الإنسان، وليس هناك سوى بلاغة حسنة واحدة، هي البلاغة التي تدافع عن الحرية "سارتر" على الرغم من فلسفته الوجودية إلا سار على نهج الكتاب الفرنسيين المنادين بالحرية كـ فولتير وروسو وديدرو والكاتبة الفرنسية جورج صاند التي كانت تقول أن الحرية صناعتها.
الشعوب التي تتوق للتمدين هي بحاجة لكتاب أمناء لهم قلب حي وضمير يقظ وليس كتاب مساومين على الضمائر فاسقين بالعقول، فالكاتب له ميزة أنه يحس أكثر ويكون وجدانه أكبر من قراءه لذلك هو مساير للنهضات البشرية والقومية والذهنية بل ويخترع لها الكلمات التي تصيغ الأفكار وتساعد الشعب على الفهم ليتمسك بالمبادئ وينحو باتجاه المناهج الجديدة.
قيمة الأدب في الثورة تعلو على كل قيمة أخرى وذلك لأن الأديب يسبق الثورة ويهييء لها بالأفكار والكلمات التي تنشر معاني الحرية وسيادة الشعب، أو حتى قد يأتي الأديب بعد الثورة فيستنبط منها معاني الحرية ويرتفع بها للإنسانية العامة التي ترتفع عن القوميات الخاصة، والدليل أننا نذكر أدباء الثورات الفرنسية والإنجليزية والأمريكية كـ "روسو وملتون وفولتير" أكثر مما نذكر الرجال الذين قادوا تلك الثورات بأنفسهم، فالأدب ليس حلوى يتلذذ بها العاطلون الناعسون وإنما هو كفاح وتحديداً كفاح الشعوب في مواجهة العروش والقرون المظلمة والاستبداد والإستحجار الفكري.






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,281,503,176
- العلاج السيكولوجي
- نحو مزيد من العشش
- الأرمن والغرب والإسلام... جناة وضحايا ومتهمون
- عم محمود وأستاذ أحمد
- مأساة شابين
- عرض كتاب -عصا الحكيم- ل -توفيق الحكيم-
- أنه يحبني أليس كذلك؟
- في الوقت الضائع- للراحل توفيق الحكيم
- مكتئبات بدعوى الأمومة
- عرض كتاب أحاديث إلى الشباب للراحل سلامة موسى
- حوار مع بائعة متجولة
- حوار مع د. يحيى الجمل
- هل سبق وأن تعرضتِ لتحرش جنسي؟
- عمل المرأة وإحساس الرجل بذاته
- حوار مع . نادية عيلبوني
- التوائم مفاجأة سارة ومخيفة معاً للأم
- نساء وحيدات
- الدعوة الدينية هل أصبحت الطريق الأسرع للثروة؟
- حوار مع د.هالة مصطفى
- أحتاج إليك


المزيد.....




- بعد الهجوم الذي تعرضت له.. أنغام تدافع عن شيرين: كفاية كدة
- مقتل شخصين جرفتهما فيضانات عارمة في تونس
- كازاخستان تغير اسم عاصمتها للمرة الرابعة خلال 60 عاماً تكريم ...
- "أو.إم. ف." النمساوية وأدنوك الإماراتية تعتزمان ال ...
- كازاخستان تغير اسم عاصمتها للمرة الرابعة خلال 60 عاماً تكريم ...
- المركزي اليمني يبدأ بتطبيق خطة طارئة لاستقرار العملة وإعادة ...
- بانتهاء تحقيق مولر.. هل انتصر ترامب بمعركته مع الكونغرس؟
- هاجم مطار بيروت وخطط لتدمير المفاعل الذري العراقي... وفاة ال ...
- نتنياهو يبحث مواجهة إيران والتعاون الأمني مع ترامب خلال زيار ...
- آخر ما قاله بومبيو قبل مغادرة لبنان


المزيد.....

- عرض كتاب بول باران - بول سويزي -رأس المال الاحتكاري-* / نايف سلوم
- نظرات في كتب معاصرة - الكتاب الأول / كاظم حبيب
- قراءة في كتاب - دروس في الألسنية العامة / أحمد عمر النائلي
- كارل ماركس و الدين : قراءات في كتاب الدين و العلمانية في سيا ... / كمال طيرشي
- مراجعة في كتاب: المجمل في فلسفة الفن لكروتشه بقلم الباحث كما ... / كمال طيرشي
- الزمن الموحش- دراسة نقدية / نايف سلوم
- قراءة -المفتش العام- ل غوغول / نايف سلوم
- طائر الندى / الطيب طهوري
- قصة حقيقية عن العبودية / نادية خلوف
- توما توماس في اوراقه... مآثر رجل وتاريخ بطولة.. 2 / صباح كنجي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قراءات في عالم الكتب و المطبوعات - باسنت موسى - كتاب -الثورات- للراحل -سلامة موسى-