أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فاطمة ناعوت - أنفي والجيرُ المبتّل














المزيد.....

أنفي والجيرُ المبتّل


فاطمة ناعوت

الحوار المتمدن-العدد: 2252 - 2008 / 4 / 15 - 11:15
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


"عزيزي الله، مَن رسمَ الخطوطَ حول الدول؟" عنوان مقال كتبتُه مؤخرا بعمودي الأسبوعي بجريدة "الوقت" البحرينية. صحيحٌ أن المحررَ اختصر العنوانَ في السؤال وحسب، دون المخاطَب: "عزيزي الله"، وصحيحٌ أنه استبدل بلفظ الجلالة، في بقية المقال، كلمة "الرب"، لكنني، الحقُّ أقول، امتننتُ أن المقال نُشر وقد حدستُ أن يُحجب ويطلبوا سواه. فرِحتُ لأن نشره يعني أن ثمة بلدانًا عربية، عدا لبنان، لا يقصفون الأقلام ولا يُحجّمون الخيالات مهما شطحت. ذاك أن لا قانون ثمة يمنع التفكير والخيال، وبالتالي لا محلّ لقانون، سواء فعليّ أو عرفي، يمنعُ الجهرَ به. فرِحتُ! والحقُّ أن المقال لا يخصّني إلا بقدر جهد الترجمة وبعض التقديم. وبالتالي هو شرفٌ لا أدعيه، وإن كانت تهمةً لا أُنكرها. بل تمنيتُ أن أكون فاعلتَها. سوى أن الفاعلَ الحقيقيّ شخصٌ أكثر مني جرأةً وحريّة وتحليقا. لأنه بعدُ لم يتعلم ثقافة قصّ اللسان وتهذيب الأظافر. الفاعلُ مجموعة من الأطفال الأمريكان طُلب إليهم توجيه رسائل إلى الله! نعم. ليس هنا العجب. العجيب هو أن المدرسة هي صاحبة هذا الطلب الجميل الشاعر. ثم، وهو الأعجب، أن يقوموا بنشر هذه الرسائل في الصحف. لم يُصفع الطفلُ الذي قال: "عزيزي الله، لماذا أنت مُختفٍ؟ هل هذه خدعةٌ مثلا أو لعبة ما؟" ولم يُتهم بالبله مَن سأل: "عزيزي الله، مَن يقوم بمهامك يوم إجازتك؟" ولم تُقم دعوى حسبة بتهمة الاستهانة بالمقدس على نورما إذ سألت: "هل فعلا كنت تقصد أن تكون الزرافة هكذا، أم حدث ذلك نتيجة خطأ ما؟" أو على من قال: "من فضلك أرسلْ لي حصانا صغيرا. ولاحظ أنني لم أسألك أيّ شيء من قبل، يمكنك التأكد من ذلك بالرجوع إلى دفاترك." ولم تُنهر التي سألت بكل براءة وعمق: عزيزي الله، مَن رسم هذه الخطوط حول الدول على الخريطة؟ فالبنتُ جميلةٌ بقدر جهلها بالسير سيكس والمسيو بيكو. وجميلةٌ طالما لم تقرأ عن آرثر بلفور ووعوده.
عديد من الإيميلات والمهاتفات وصلتني بعد نشر المقال. أصحابها معجبون بعمق الأطفال الغربيين وجرأتهم مقارنةً بأطفالنا. وكانت إجابتي: الأطفالُ في كل العالم متشابهون. عميقون وبعيدو النظر. ذاك أنهم بعد لم يُلوثوا بالمعرفة التي تحدُّ سقف الخيال وتؤطر المشهد بحدود الممكن والقانون والمنطق. الأطفالُ هُم هُم، هنا وهناك. سوى أن أطفالنا يتعلمون الصمتَ الأبديّ بعد أول صفعة أو زجرة من الأم أو المعلمة بمجرد طرح مثل هذا السؤال. ليتقن بقية حياته، لا أن يصمتَ عن السؤال وحسب، بل عن التفكير أيضا. ذاك أننا الأمة التي تعاقب على التفكير وسعة الخيال. امّةٌ تجيد قصقصة أجنحةَ الصغار إن هم حاولوا الطيران. حكى لي الروائي جمال مقار أن صديقا له سأل في طفولته: أين الله مادمنا لا نراه؟ فما كان من المعلمة إلا أن ضربته واستدعوا والده الذي أكمل عقابه المطوّل في البيت. وفي الزمن. فشبّ الفتى يخاف أن يفكر، يُطرق برأسه دائما حتى لا يضبطه أحدهم وهو يفكر!
حادثة مشابهة وقعت لي. كنت في مدرسة قبطية. معظم طلابها ومدرسيها مسيحيون. فكانوا في حصة الدين يعزلوننا، نحن الأقلية المسلمة، في فصل مجاور. لتعلّمنا المعلمةُ أن الله سوف يحرقنا إن نحن كذبنا، أو شتمنا، أو نظرنا في كراسة زميل، وسيقطع أوصالنا إن نحن خالفنا أوامر الماما، أو شردنا في الحصّة أو لعبنا ولم نذاكر. تقريبا كل ما يفعله الأطفال كان على قائمة عذاب الله. هكذا يُقرُّ المعلمون في وعي الأطفال أن الله ساديّ متفرّغٌ لتعذيب الأطفال. وحين يكبرون قليلا سوف يتساءلون: إذا كان الله سيحرق الأطفال إن لعبوا وتماكروا ولم يذاكروا الدرس، فماذا سيفعل إذن مع السفاحين ومبيدي الشعوب! ماذا سيفعل حيال الهولوكوست الصهيوني الراهن حيال أطفال فلسطين!!
أما حكاية أنفي والجير فلأنني حين سمعت كلام المعلمة وقفتُ وصرخت فيها: بس أنا عاوزة أقرا ميكي وألعب من غير ما يحرقني ربنا، حعمل كده من وراه! ومازالت رائحة الجير المبتّل والعشب الرطب تملأ رئتي حتى الآن. ذاك أنهم أوقفوني في الفناء تحت المطر حتى نهاية اليوم الدراسي. وجهي إلى الحائط الجيريّ، وذراعاي مشرعتان لأعلى!





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,272,526,595
- الجميلُ الذي أخفقَ أن يكونَ عصفورًا
- بالطباشير : عزيزي الله، من رسم الخطوط حول الدول؟
- بالطباشير: آخرُ مُعتزلةِ هذا الزمان
- بالطباشير:يا باب الورد، حِصَّة وين؟
- الشَّحّاذ
- بالطباشير: -سُرَّ مَنْ رآكِ- أيتها الغيوم
- بالطباشير: يحدثُ هذا، وشكرا لفلسفة المصادفة
- بالطباشير: أنا الأديبُ الألْمَعيُّ مِنْ حَيِّ أَرْضِ المُوصِ ...
- بالطباشير: اِسفكسيا الجمال
- قطعة من الفراغ-قصائد إيميلي ديكينسون
- صقيعٌ لم يَحُلْ دونه أحد
- الدينُ لله، فهل الوطنُ للجميع؟
- بالطباشير: لفرط حضورِكَ، لا أراك!
- بالطباشير: عِقابُ المرايا
- بالطباشير: يا قمر على دارتنا
- بالطباشير: عمتِ صباحًا يا استاطيقا القبح
- بالطباشير: شاعرةُ الأشياء الصغيرة
- بالطباشير: أنا أندهش إذًا أنا إنسان
- أيُّ مسلمين وأيُّ شعراءَ يا شيخ يوسف؟
- مهرجان الشعر العالمي 2007


المزيد.....




- الدولة الإسلامية تقول النزوح من الباغوز بسوريا لن يضعف التنظ ...
- قوات سوريا الديمقراطية: سيطرنا على مواقع في آخر جيب للدولة ا ...
- أصبحت بقبضة بن سلمان.. عائلة بن لادن تفقد السيطرة على مجموعت ...
- قوات سوريا الديمقراطية: سيطرنا على مواقع جديدة في آخر جيب لل ...
- قوات سوريا الديمقراطية: سيطرنا على مواقع جديدة في آخر جيب لل ...
- بريطانيان يحرسان المصلين المسلمين خارج المساجد
- بريطانيان يحرسان المصلين المسلمين خارج المساجد
- المسلمون في نيوزيلندا..ما هي أصولهم وهل يشكلون هدفا للاعتداء ...
- وكالة: السعودية تقلص نفوذ عائلة بن لادن
- بعد -مجزرة المسجدين-.. ضاحي خلفان يمتدح -حكمة- القيادة الإما ...


المزيد.....

- الطائفية السياسية ومشكلة الحكم في العراق / عبدالخالق حسين
- النظام العالمي وتداعياته الإنسانية والعربية – السلفية وإغلاق ... / الفضل شلق
- المعتزلة أو فرسان العقلانية في الحضارة الاسلامية / غازي الصوراني
- الجزء الأول من كتاب: ( دعنا نتخيل : حوارا حدث بين النبى محمد ... / أحمد صبحى منصور
- كتاب الإسلام السياسي وتجربته في السودان / تاج السر عثمان
- تطوير الخطاب الدينى واشكاليه الناسخ والمنسوخ / هشام حتاته
- قراءات أفقيّة في السّيرة النبويّة (4) / ناصر بن رجب
- طواحِينُ الأوهام: حين تَضْرِبُ رأسَك بجدار العالم / سامي عبد العال
- كتاب انكي المفقود / زكريا سيشن
- أنبياء سومريون / خزعل الماجدي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فاطمة ناعوت - أنفي والجيرُ المبتّل