موقع النضال الأيديولوجي والسياسي في الصراعات الطبقية


امال الحسين
الحوار المتمدن - العدد: 6331 - 2019 / 8 / 25 - 00:18
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     

لقد أضحى النضال السياسي والأيديولوجي المنظم ضد الانتهازية اليمينية واليسارية على السواء مهمة أساسية لدى الحركة الماركسية ـ اللينينية أكثر من أي وقت مضى، نظرا لانتشار الأفكار والنظريات التحريفية في أوساط السبيبة مع تطور وسائل التواصل الاجتماعية الإليكترونية التي مست العديد من المجالات الثقافية يقودها أساتذة برجوازيون صغار يتحدثون باسم الماركسية، مدعومين من طرف الدوائر المركزية للإمبريالية والصهيونية والرجعية من أجل تمرير الفكر المثالي الذاتي لهدم ما بنته الماركسية اللينينية بقيادة لينين وبعده ستالين وماو.

وباسم تطوير الماركسية اللينينية يتم تشويه الديالكتيك الماركسي لدى لينين بخلق تناقضات ثانوية بين ستالين وماو باسم محاربة تحريفية الحزب الشيوعي اليوفييتي متجاهلين تحريفية الحزب الشيوعي الصيني، وتحميل ستالين مسؤولية أزمة الحركة الماركسية ـ اللينينية وتقديم ماو على أنه وريث الثورة البروليتارية في القرن 21، في محاولة فاشلة لضرب أسس اللينينية ونضالها ضد الانتهازية اليسارية واليمينية في القرن 20 وبالتالي ضرب الماركسية اللينينية باسم تطوير الماركسية، والدعاية بأننا لسنا في حاجة إلى ماركس ولينين لتشويه مقولة الشهيد مهدي عامل وتبسيطها من أجل ضرب الماركسية والماركسية اللينينية، كما يفعل العديد من الأساتذة البرجوازيين الصغار الكتاب في العديد من المواقع الاجتماعية الإليكترونية في محاولة منهم لخلق مدارس ماركسية تحريفية يلتف حولها العديد من الشباب المتعطش للمعرفة.

فما من دولة تأسست في ظل النظام الرأسمالي إلا وهي قائمة على أساس الصراعات الطبقية القائمة على أساس التناقضات بين الطبقات المتحكمة في أجهزة الدولة القمعية والقوى المناضلة من أجل التحرر والديمقراطية، وقد أسهب إنجلس في كتابه "أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة" في تفسير موقع الدولة في المجتمع، ودحض ماركس المفهوم المثالي للدولة لدى هيكل القائل بأنها طرف ثالث محايد بين المتصارعين في المجتمع، وخلصت الماركسية اللينينية إلى أن الدولة هي "نتاج استعصاء التناقضات الطبقية" كما قال لينين.

فمع تطور الدولة بعد تجاوز وضع العالم القديم برزت "السلطة العامة" التي قال عنها إنجلس :"...وتوجد هذه السلطة العامة في كل دولة. وهي لا تتألف فقط من رجال مسلحين، بل كذلك من ملاحق مادية، السجون ومختلف مؤسسات القسر التي كانت مجهولة في المجتمع المنظم على أساس القبائل (العشائر) ...". ويضيف إنجلس أن قوة الدولة نشأت داخل المجتمع وانفصلت عنه شيئا فشيئا حتى تشكلت كقوة فوقه، وتتكون هذه القوة من "فضائل خاصة من رجال مسلحين تحت تصرفهم السجون ..." كما قال إنجلس، وهذه القوة المشكلة في العالم الحديث هي نقيض ما يسميه إنجلس "منظمة السكان المسلحة العاملة من تلقاء نفسها" السائدة في العالم القديم ولم يعد لها شأن مع بروز الدولة كقوة فوق المجتمع.

وواجه إنجلس الفكر البرجوازي الصغير في القرن 19 الذي يؤمن بوجوب وجود قوة الدولة والذي لم يستوعب "لماذا غدا من الضروري وجود فصائل خاصة من رجال مسلحين (الشرطة والجيش الدائم) توضع فوق المجتمع وتنفصل عنه" كما قال لينين، حيث يجيب البرجوازي الصغير أن ذلك ضروري بسبب "تعقد الحياة الاجتماعية، تمايز الوظائف ..."، معتقدا أن استشهاده "علمي" بينما هو ينبع من صلب الفكر البرجوازي الصغير الذي لا يدرك أن المجتمع الحديث منقسم إلى طبقات متصارعة، وأن الدولة ما هي إلا نتاج الصراعات الطبقية وهي أداة في تصرف الطبقات المسيطرة لقمع الطبقات المضطهدة، ولأن البرجوازي الصغير لم يشهد يوما ثورة كبرى لا يستوعب أن "هذه السلطة العامة تكون ضعيفة أحيانا" وأن في غالب الأحيان "... تتقوى السلطة العامة بمقدار ما تتفاقم التناقضات الطبقية في داخل الدولة ..."، كما أكد إنجلس ذلك، وأنه بإمكان الجماهير هزم قوة الدولة كما يفعل المعتقلون السياسيون داخل المعتقلات.

من هنا نستنتج أن عنف الدولة هو من طبيعتها كأداة عنف تحت تصرف الطبقات المسيطرة المستثمرة للطبقات المضطهدة في المجتمع، ولما تحتدم الصراعات الطبقية إلى حد تتشابك فيه القوتان المضادتان في المجتمع : قوة العنف الثوري للمضطهدين وقوة عنف المسيطرين، تنتشر الفصائل المسلحة إلى الشارع العام لقمع المتظاهرين رغم انهم سلميين باسم الخروج عن النظام العام للدولة، وتفتح السجون أبوابها لاستقبال المعتقلين السياسيين الخارجين عن طاعة الدولة كقوة فوق المجتمع في خدمة المسيطرين على الاقتصاد والسياسة والجيش، وقد تكون المظاهرات عفوية أو منظمة وغالبا ما يطال الاعتقال السياسي المناضلين المنظمين والذين تصنفهم الدولة في اللوائح السوداء. ففي أيام السلم تكون التنظيمات خاصة السرية منها مراقبة في نشأتها وتطورها وتقدمها ويكون مناضلوها من بين أولويات اهتمامات البوليس السياسي، وتاريخ القمع الأسود خلال الستينات والسبعينات والثمانينات من القرن 20 بالمغرب غني بالأمثلة : مجموعات الاختيار الثوري والجناح العسكري الاتحادي ومنظمات الحركة الماركسية ـ اللينينية المغربية والمناضلون النقابيون والحقوقيون النشطون في أوساط العمال والفلاحين والطبقات الشعبية وقيادات الحركة الطلابية ... كما يتعرض أغلب المتظاهرين البارزين خلال الانتفاضات والمظاهرات الشعبية رغم أنهم غير منتمين لأي تنظيم للاعتقال السياسي.

إن من بين المهام الأساسية للماركسيين اللينينيين هو تحويل الأزمة إلى وسيلة لتبديد المصاعب وتحفيز المناضلين على الإبداع الفكري والنضالي لتطويع الأزمة وتجاوزها، فالاعتقال السياسي ملازم للاستشهاد وفي طريقه، وكلاهما معطيان أساسيان في الصراعات الطبقية وجب تحويلهما إلى أداة للهجوم المضاد لهجوم الدولة بدل تحويلهما ضد الحركة الماركسية اللينينية المغاربة.

فكما أن في كل استشهاد قضية فإن في كل اعتقال سياسي قضية لو تم توجيهها بشكل علمي مادي تاريخي وفق الديالكتيك الماركسي الذي أرسى لينين أسسه التنظيمية والنضالية، لأعطت نفسا طويلا للحركة الماركسية ـ اللينينية المغربية، وقوة ضاربة تساهم في فك تناقضاتها الثانوية التي تحجب المسائل الأساسية وعلى رأسها مسألة تكنيس الانتهازية من داخلها باستمرار وبكل جرأة وشجاعة بدل تكريس أساليب برجوازية صغيرة مرت بها الحركة خلال السبعينيات والثمانينيات من القرن 20، أسفرت عن مأساة التسعينيات التي تحول فيها المعتقلون السياسيون السابقون إلى متسولين يستجدون بعض الهبات والخدمات الاجتماعية في تنازل تام عن المبادئ والمواقف السياسية التي اعتقلوا من أجلها.

فخلال ثلاثة عقود من القمع الأسود من سيران التحريفية والاصلاحية فعد يقوط التجارب الاشتراكية استطاعت الدول التبعية بالبلدان المضطهدة السيطرة على الشأن السياسي بعد التفاف الأحزاب الإصلاحية والتحريفية حولها، التي استحالت إلى أدوات لتمرير السياسات الطبقية للدولة والعاجزة عن تجاوز الخطوط الحمراء التي سطرت لها في حدود التنافس في مستوى تنفيذ وتطبيق السياسات المسطرة من فوق، ولم تعد الأحزاب السياسية تشكل بالنسب لهذه الدول هاجسا أمنيا بقدر ما تشكل أدوات وقائية من كل تسربات منظمة أو غير منظمة للخارجين عن النظام العام، إلى حد تدافع فيه عن الأنظمة القائمة بهذه البلدان بشكل أعمى وتهاجم فيه كل من يخالف السياسات الطبقية السائدة بها ويحاول انتقادها حتى من منطلق حرية الرأي الذي تقره الديمقراطية البرجوازية.

وأصبحت الحركة الماركسية ـ اللينينية بهذه البلدان في نظر كل الأحزاب خارجة عن النظام العام في صك اتهامها كل الجرائم السياسية الممكن تلفيقها للمناضلين الماركسيين اللينينيين، الذين لا يتحركون إلا في سرية لا تقيهم في أغلب الأحيان من الهجوم عليهم واعتقالهم خاصة في صفوف الحركة الطلابية، التي تعتبر اليوم موقعا نضاليا مستعصيا يثير اهتمامات البوليس السياسي الذي يرى فيه نارا خامدة تحت هشيم قد يشتعل يوما عندما تكتمل شروط انتفاضة الطبقات المضطهدة، فكان هاجس البوليس السياسي هو منع الشروط المادية لتنظيم الماركسيين اللينينيين.

لقد أكد فشل الانتفاضات الشعبية فيما يسمى "الربيع العربي" في إقامة أنظمة ديمقراطية بهذه البلدان منظور الماركسية حول قوة الدولة وفصائل رجالها المسلحين في قمع المظاهرات وفتح المعتقلات الرهيبة، وبروز الدولة كقوة للضبط الاجتماعي في سبيل حماية الرأسمال من نار هشيم الشوارع المشتعلة ومحاصرتها في كل المواقع التي تغذيها، وكان آخرها مواقع الحركة الطلابية وبالأخص فصيل الحركة الماركسية ـ اللينينية كآخر معاقل الصمود بحكم توفرها على شرطين أساسيين : الشباب والتثقيف كعنصرين أساسيين في كل حركة ثورية، هذه المعاقل التي صارت تتقلص هي الأخرى شيئا فشيئا بحكم غياب الأحزاب الماركسية ـ اللينينية الأساسية في تنظيم الحركة الماركسية ـ اللينينية.

وكان للتناقضات الثانوية داخل الحركة الطلابية المغربية كتجربة رائدة في الصمود والنضال على مستوى الجامعات المختلفة والتجارب المختلفة بهذه البلدان وما أفرزته من تناقضات ثانوية خارج الجامعة، تأثير كبير على عدم قدرة المعتقلين السياسيين الماركسيين اللينينيين تشكيل قوة ضغط مادية ومعنوية داخل المعتقلات، مما فتح الباب أمام توسيع مسافة الاختلافات والخلافات بين التجارب المختلفة وتغذيها من الداخل والخارج بدوافع متعددة إلى حد التناحر، مما يبرز دور المساهمين في إطفاء نار هشيم الشوارع خاصة بالدار البيضاء أثناء حركة 20 فبراير ليلتحقوا بفاس بالموازاة مع الهجوم على الحركة الطلابية المشتعلة هناك في 2016، ينصبون أنفسهم إطفائيين لنار الهشيم في صفة داعمين يحملون خراطيم المياه الدافئة من عيون فاس المتدفقة معتقدين أنهم خافون على الأنظار، يتربصون بعائلات المعتقلين السياسيين وببعض المعتقلين السياسيين أنفسهم كما جاء في بعض البيانات المنشورة هنا وهناك وفي الواقع الملموس لبعض المعتقلين المفرج عنهم، ولما ترى مشعلا من مشاعل الاعتقال السياسي ينطفئ بكل برودة دم تدرك أن وراءه من خفافيش الظلام رواد يجهدون في شراء الذمم.

إن قضية الاعتقال السياسي واعتقال الماركسيين اللينينيين الذي يعنينا هنا من طبيعة النظام القائم وأن وضع الحركة الماركسية ـ اللينينية المتسم بالفشل في إنجاز المهمة المركزية التي تأسست من أجلها لن يزيده إلا تعقيدا، خاصة إذا علمنا أن المعتقلين السياسيين محكوم عليهم بالعزلة في ظل انتشار المجموعات والتيارات الانقسامية التي لا تحترم قواعد النضال في ظل الأزمة التي يلزمها بنبذ الصراعات الثانوية، وتحويل قضية الاعتقال السياسي إلى فضاء للنقاش والجدل والصراع الرفاقي في ظل الوحدة من أجل التصدي للهجوم على الحركة الماركسية ـ اللينينية بصفة عامة والمغربية بصفة خاصة من الخارج كما بالداخل، فما تعجز عنه الأنظمة القائمة للوصول إليه بالقمع يدفع الانتهازية لتحقيقه بالداخل وهو أسهل الطرق وأخطرها تدميرا.

وهكذا تأسست خارج الجامعة مدارس انتهازية للبرجوازية الصغيرة في محاولة لخلق شيع في أوساط الحركة الطلابية تنشر المذاهب التحريفية المنتمية لهذه المدارس باسم تطوير الماركسية، وتجد في الأساتذة البرجوازيين الصغار الكتاب باسم الماركسية في المواقع الاجتماعية الإلكترونية سندا لأطروحاتهم الانتهازية من أجل تحريف ما يمكن تحريفه من الطلبة وخريجي الجامعات، تتداول فيما بينها في البلدان التي مر بها ما يسمى "الربيع العربي" مقالات لا تمت بصلة بالمذهب الماركسي اللينيني مستغلة التناقضات الثانوية بين التجربتين الثوريتين السوفييتية والصينية، من أجل خلق التمايز داجل الحركة الماركسية ـ اللينينية وتعمل على نشر بعض الكتابات التحريفية لبعض التجارب الحزبية الماركسية ـ اللينينية الفاشلة في بلدان أخرى كالهند، تركيا، النيبال، البيرو وغيرها.

وهكذا فإن المهمة المركزية اليوم هي النضال الأيديولوجي والسياسي ضد هذه المدارس الانتهازية وفضح توجهاتها التحريفية.



تعليقات الفيسبوك