دروس من تاريخ القضية الفلسطينية (الحلقة الثانية)


ابراهيم حجازين
الحوار المتمدن - العدد: 3013 - 2010 / 5 / 24 - 18:12
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     

ثورة 1936-1939 وتطور الأوضاع خلال سنوات الثورة والحرب العالمية الثانية
كانت الظروف الموضوعية مهيأة وناضجة للتحرك الثوري المقبل أي لثورة 1936.السبب المباشر لها كان قتل اثنين من العرب على أيدي عناصر مهاجرة صهيونية (يوضح المرحوم إميل توما في عمله ستون عاما على الحركة الوطنية العربية الفلسطينية) وهكذا بدأت الاحتجاجات في 19نيسان 1936 في مدينة يافا حين أعلنت الجماهير العربية إضرابا انتشر في اليوم التالي بين عمال الميناء. وتم تشكيل لجنة قومية لإدارة الإضراب، الذي سرعان ما انتشر في كافة المدن والقرى الفلسطينية، كما أنه في الكثير من المدن تشكلت لجان قومية محلية. وذلك دليلا على ضعف ثقة المواطنين الفلسطينيين بقيادات الأحزاب حيث أخذت الجماهير بيدها قيادة الإضراب ولم تتركه للأحزاب.
أخذت التظاهرات والإضرابات طابعا جماهيريا بشعارات معادية الإمبريالية والصهيونية. وبتأخر ملموس شاركت قيادات الأحزاب في الإضراب، وفي 25نيسان تم تشكيل اللجنة العربية العليا كهيئة قيادية قومية للإضراب بقيادة المفتي الحج أمين الحسيني.دعت اللجنة العليا الجماهير للاستمرار في الإضراب طالما لم تستجب السلطات الإنجليزية لطلب إيقاف الهجرة ومنع بيع الأراضي وتشكيل حكومة وطنية مسؤولة أمام البرلمان. ومع استمرار الإضراب كانت الأعمال الشعبية تكتسب طابعا جماهيريا أكثر عمقا وانتقلت إلى القرى وفي أمكنة عديدة تحولت إلى صدامات مسلحة.
ترددت القيادات التقليدية للحركة الوطنية أمام هذا الوضع الحاسم ورغبة الشعب الجامحة في النضال والتصدي لما وصلت إليه الأمور في فلسطين .في هذه الأوضاع أرسلت الزعامات في البلدان العربية برقيات تدعو فيها إلى الهدوء معلنة ثقتها بالحكومة الإنجليزية الصديقة ودورها في العمل لإيجاد حل عادل للمشكلة الفلسطينية. لم تتوانى اللجنة العربية العليا عن الاستفادة من نداء الزعماء العرب فدعت الجماهير لإيقاف الإضراب والنضال المسلح. مرة أخرى كشفت القيادة التقليدية عن محدوديتها في النضال الوطني وخوفها من العمل الجماهيري وفي نفس الوقت لعبت قيادات الدول العربية دورا سلبيا في التأثير على العمل الجماهيري، وكان تدخل هذه القيادات يزداد تعمقا تبعا لتضارب مصالحها وارتباطها بالسياسات البريطانية في المنطقة.
رغم توقف الأعمال الجماهيرية لم تخف التوترات، واعتمدت الحكومة البريطانية سياسة المناورة مرة أخرى أيضا فأرسلت لجنة ملكية خاصة (المسماة لجنة بيل) للتحقيق في أسباب الاحتجاجات. كان من أسباب قيام بريطانيا بخطوة تشكيل اللجنة محاولات ألمانيا النازية الاستفادة من الصراع القائم لعمل دعائي ضد بريطانيا خاصة وان العالم كان يخطو نحو حرب عالمية جديدة. بعض الزعامات الفلسطينية وبسبب السياسة البريطانية العدوانية المسئولة عن مأساة الشعب الفلسطيني وما وصلت إليه الأوضاع، وبسبب محدودية رؤية هذه القيادات للأوضاع الدولية ،وقصر عمر تجربتها السياسية كانت قد أقامت اتصالات مع القوى الفاشية والنازية.مما صعب الوضع على المصالح البريطانية .
في 23حزيران 1937لجنة بيل أعلنت تقريرها وحسب هذا التقرير رأت اللجنة أن المخرج الوحيد للأزمة يتمثل في تقسيم فلسطين لدولتين يهودية وعربية وذلك بسبب التعارض بين المجموعتين العربية واليهودية وتزايد العداء بينهم. هذا الاستنتاج الخطير والسياسة المبيتة التي تنسجم مع تطبيق وعد بلفور يقفز عن الأسباب الحقيقية للمسألة الفلسطينية والصراع الذي ارتبط بها ويبين ويكشف السياسة المفضوحة التي اتبعها المستعمر لتمرير مؤامرة الاستيلاء على فلسطين عبر المراحل المختلفة في المستقبل.
كان من الطبيعي أن يرفض العرب الفلسطينيون هذا الاقتراح ليس للإجحاف الحاصل بحق الشعب الفلسطيني فحسب بل لتخوف الفلسطينيين من سياسة الاستعمار البريطاني والحركة الصهيونية التي خبروها جيدا عبر العشرين سنة التي سبقت هذه الثورة والتي اعتمدت مبدأ اقضم وأهضم واقضم من جديد.واستمرت الثورة بدورها بعد أن توقفت لفترة زمنية محددة، وفي هذه المرحلة أخذت أبعادا أوسع، وردت سلطات الانتداب بوسائل الإرهاب الجماعي. تجاوز عدد المعتقلين 4500 شخص وشاركت الحركة الصهيونية في هذه الحملات القمعية ومطارة النشطاء العرب وهذا عمق من حالة العداء لها في الجانب العربي وهو الأمر الذي سعت إليه بكل وعي وتخطيط. خلال هذه الثورة شن العرب هجمات عدة ضد المستعمرات اليهودية التي أقيمت على أراضيهم وكردة فعل على عدوانية الفصائل الصهيونية المسلحة، التي نظمت هجمات تفجيرية في عدد كبير من المدن العربية، مما يفسر جزئيا جذور النشاط الإرهابي في المنطقة عموما والذي أرست أسسه الحركة الصهيونية.
هذا التناقض المميت الذي تسببت به سلطات الانتداب والحركة الصهيونية في فلسطين أدى إلى الفصل التام بين العرب المواطنين واليهود المهاجرين وقطع الشك باليقين بالنسبة لمستقبل العلاقة بينهم وشكل خطوة نوعية جديدة على طريق إقامة الدولة اليهودية كما حددها وعد بلفور وأهداف الحركة الصهيونية.
اضطرت بريطانيا إلى سحب اقتراحها بتقسيم فلسطين في ظل النهوض الجديد للثورة خاصة في عام 1939، وأصدرت الحكومة البريطانية والعالم على أبواب حرب جديدة ما أطلق عليه في حينه"الكتاب الأبيض " وفيه تعلن الحكومة أنها نفذت الوعد بتشكيل الدولة اليهودية وأعطت الإمكانية لهجرة 300 ألف مهاجر جديدة ومن هنا فإن المهمة الجديدة التي تقبع أمام بريطانيا هي إقامة حكم ذاتي كأساس للدولة المستقلة مستقبلا.
وبالرغم من التشكك الموضوعي في النوايا الحقيقية لبريطانيا من إصدار الكتاب الأبيض فإن أسباب هذا التحول الحاد في سياستها تكمن في التغيرات الدولية الحاصلة الاستعداد لحرب جديدة ،كما تكمن في التصدي الذي أبداه والتضحيات التي قدمها الشعب العربي الفلسطيني خلال سنوات الثورة، وبغض النظر أن الكتاب الأبيض كان يحوي على نواقص كبير فيما يتعلق بحقوق الشعب الفلسطيني، لكنه كان يضع أساسا لإضعاف تطلعات الحركة الصهيونية في ذلك الحين ويفتح الطريق للسير بالبلاد نحو الاستقلال كان يمكن لو وضع موضع التطبيق ان يصيغ ملامح جديدة للعلاقات بين العرب والمهاجرين اليهود خارج نطاق التأثر بسياسات الحركة الصهيونية. لكنه كما ثبت أن الكتاب الأبيض لم يكن إلا واحدا من المناورات التي استخدمها الاستعمار البريطاني.
الكتاب الأبيض احتوى التأكيد على سيادة الانتداب البريطاني خلال مرحلة انتقالية تستمر 10 سنوات حتى مرحلة الاستقلال. وأشارت الحكومة البريطانية في كتابها أن الهدف في النهاية هو إقامة حكومة ممثلة للعرب واليهود حسب أعدادهم ومرتبطة ببريطانياوحتى ذلك التاريخ سيتم السماح بادخال 10ألف مهاجر سنويا.
الحكومات العربية كان لها وجهة نظر أخرى، فهي التي كانت قد طالبت سابقا بإيقاف الانتفاضة بذريعة الثقة بالحكومة البريطانية، ومع ذلك رفضت الاقتراح البريطاني بحجة أن انجلترا تهدف إلى وقف الانتفاضة بإصدارها هذا الكتاب، ومارست ضغوطا على اللجنة العربية العليا حتى ترفض الكتاب الأبيض. والتي بدورها أصدرت إعلانا أشارت فيه أن بريطانيا نظريا تعترف وتقبل بالمطالب العربية لكن في اقتراحاتها يوجد عدم وضوح بالنسبة لنهاية الانتداب.وأشارت في الاعلان إلى أن بريطانيا ربطت بين إقامة الدولة وموافقة اليهود، وهو ما رفضته الحركة الصهيونية. لهذه الأسباب رفض الزعماء الفلسطينيون اقتراحات الكتاب الأبيض. كما رفضت الحركة الصهيونية الكتاب الأبيض أيضا في المؤتمر الصهيوني المنعقد في جنيف في شهر آب 1939.
في تلك الظروف لم يجد الكتاب الأبيض الأرضية الملائمة لوضعه موضع التطبيق. ودخلت الانتفاضة مرحلتها النهائية. لم يجد السكان العرب الطاقة اللازمة للاستمرار في النضال، وعوامل ذلك عديدة وأهمها بدء الحرب العالمية الثانية.
كانت نتائج الانتفاضة ثقيلة جدا على المجتمع العربي الفلسطيني. فعدا أكثر من ألف قتيلا وآلاف الجرحى والمعتقلين كان الدمار عظيما.وارتفع عدد العاطلين عن العمل واصبح وضع العرب في فلسطين ضعيفا على كافة الصعد.
التجمع اليهودي على أرض فلسطين خرج رابحا من الخسائر الفلسطينية، حيث تم استغلال هذه السنوات في بناء المزيد من المستعمرات فارتفع عددها من 202 عان 1936 إلى 252 عام 1939.وفي نفس العام جرى بناء شبكة مواصلات بين المستعمرات والمدن الرئيسة ، والتي تحولت إلى جزء هام من القاعدة المادية للاقتصاد الصهيوني.بالاضافة إلى هجرة حوالي 173 مهاجر كما تم توطيد وتسليح الفصائل العسكرية المتمثلة بالهاجاناه وإتسل والشرطة والمجموعات العسكرية الآلية. وهكذا في نهاية الانتفاضة أصبح التجمع اليهودي (اليشوف)قويا في الجانب الاقتصادي والعسكري وسياسيا أصبح أكثر استعدادا لإعلان كيانه.
انفجار الحرب العالمية الثانية أعطى دفعة جديدة نحو تحقيق الهدف الصهيوني.لكنه أدى أيضا إلى تغيرات هيكلية في بنية المجتمع العربي. فبسبب ظروف الحرب تحولت فلسطين إلى معسكر للقوات البريطانية ومركز لتموينه بسلع زراعية وصناعية ضرورية لمتطلبات الحرب. وهذا ساعد على تطور القطاعين الزراعي والصناعي.وبالتالي ازداد عدد المصانع والمعامل. ففي عام 1942 أصبح عدد مؤسسات الصناعات الغذائية 565 بينما كانت عام 1932 238 فقط، أما المؤسسات التعدينية فنمت من 240 إلى 609 لنفس الفترة حسب الاحصائيات التي يوثقها "الباحث أحمد سعد"، بينما ارتفع عدد المؤسسات الصناعية الكيماوية من 100 إلى 202 .
المشروع الصهيوني أيضا حقق نجاحات جديدة في مجال الهجرة، ففي عام 1945 أصبح عدد المهاجرين اليهود حوالي 660 ألف شخص أي 35.5% من سكان فلسطين تقريبا. وركزوا في أيديهم ما يعادل 1588000 دونم من الأرض التي تدار بالآلات الحديثة. إلى جانب ذلك نمت إلى الضعفين الاستثمارات الرأسمالية في الصناعة ، وارتفع عدد العاملين في هذا القطاع إلى 37773.
خلال مرحلة الحرب العالمية الثانية نجحت الحركة الصهيونية في تغيير البنية السكانية لفلسطين لصالحها.فاصبح عدد المهاجرين اليهود يمثل حوالي 35% من السكان يقيمون على أراضي كانت ملك المواطنيين العرب تم الاستحواذ عليها بواسائل متعددة . وهكذا إلى جانب المواطنيين العرب سكان فلسطين الأصليين نشأ تجمع يضم مهاجرين جاءوا إلى فلسطين وسكنوها بناء على مشروع إستيطاني مدعوم من قبل الدولة المستعمرة بريطانيا .
جرت تغيرات اجتماعية – اجتماعية كبرى أيضا داخل المجتمع الفلسطيني خلال سني الحرب العالمية الثانية . حيث نما الاستثمار في القطاع الصناعي من 703563 جنيه فلسطيني عام 1939 إلى 2121307 جنيه أي ان الاستثمارات ارتفعت ثلاثة أضعاف ، وهذا نجاح باهر إن أخذنا بعين الاعتبار الخسائر التي عانى منها هذا القطاع خلال سنوات الثورة .اثر هذا النمو على عدد المعامل والمصانع وبالتالي فقد ارتفع عدد العاملين في القطاع من 339 عام 1939 إلى 8033 عام 1942 . وفي القطاع الزراعي جرت تغيرات مشابهة بالرغم من سياسة الاستيلاء على الأرض الصهيونية حيث جاوزت قيمة الانتاج الزراعي 18.2 مليون جنيه بينما كان انتاج القطاع اليهودي 17.6 . ورافق هذا انخفاض عدد العاملين بالزراعة بسبب استخدام التكنيك الزراعي الحديث .كما ان حجم الرأسمال التجاري والبنكي الفلسطيني الذي وصل إلى 52.551 مليون جنيه وكان له الأثر الهام على تطور الاقتصاد الفلسطيني .
هذا انعكس على البنية الاجتماعية للمجتمع العربي ، الذي تميز بارتفاع اعداد العمال في كافة القطاعات ووصل عددعم إلى حوالي 104122 عام 1942 ، عدا العاملين في المعسكرات البريطانية والجهاز الحكومي الذين وصل عددهم إلى 42749 كما بشير الباحث أسعد صقر .
تشير المعطيات أعلاه إلى التطور الهام في الاقتصاد الفلسطيني خلال سنوات الحرب الثانية وإلى تطور العلاقات الرأسمالية فيه مما وطد من عملية تشكل الطبقة العاملة ، ورافق هذه العملية خصائص محددة فمثلا تأثر وعي هذه الطبقة الحديثة الفئات المدينية الأخرى بعدة عوامل أهمها العداء الذي يكنه المجتمع الفلسطيني للمشروع الصهيوني مما أثر سلبا على أي موقف يدعو للتعاون بين العمال العرب واليهود . لكن المهم في ذلك التطور أن دور الطبقات والفئات الجديدة أصبح اكبر وأكثر اهمية في المجتمع العربي وهذا بالطبع سينعكس على سلوكها السياسي وعلى مجمل نضال الشعب الفلسطيني من اجل التحرر والاستقلال .
إن التغيرات السكانية والاجتماعية – الاقتصادية في فلسطين خلال تلك السنين تطلبت مدخل متغير ومتطور يتلائم معها لحل المسألة الفلسطينية، وكان هذا يعتمد أساسا على مصالح وعلى فهم القوى السياسية المختلفة المؤلفة للمجتمع الفلسطيني لمختلف جوانب القضية الفلسطنية التي ولدت في خضم برنامج استعماري استيطاني اتخذ اتجاهات لم يشهدها أي مشروع مشابه طوال عهد المرحلة الاستعمارية السابقة.
في ظل تلك الظروف المعقدة، وضعف القيادة الفلسطينية وتمزقها، وشللها التام وفقدانها لإستراتيجية سياسية واضحة لمستقبل الشعب الفلسطيني، واتكالها على الحكومات العربية التي كانت خاضعة لنفوذ الدول الاستعمارية وخاصة بريطانيا، كانت النتيجة مزيدا من التراجع وتفويت الفرصة تلو الفرصة لتحقيق أي تقدم في سبيل التصدي للمشروع الصهيوني الذي حقق انتصارا بعد الحرب العالمية الثانية، بإعلان دولته ككيان غاصب للأرض والحقوق القومية لشعب فلسطين.



تعليقات الفيسبوك