الحجاب كأداة ورمز سياسي


ينار محمد
الحوار المتمدن - العدد: 2443 - 2008 / 10 / 23 - 08:27
المحور: حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     

مر العراق بثلاثة عقود من الكوارث السياسية والعسكرية والاجتماعية، والتي ان تمثلت بمظهر طاغِ على الحياة العامة، فهو منظر الدبابة الامريكية تجول بحرية في الشوارع أولاً، والحجاب على رأس اجيال شابة من الاناث ثانياً.

ظهر ونما خلال فترة ما بعد الحرب جيل من الشابات اللواتي لم يشهدنَ أوضاع سلم او حوار فكري او سياسي يُعنى بالانسان. بل ان كل ما كان يحيط بهن من ثقافة ومجتمع هو منطق القوة وغلبتها ودمارها. وغالباً ما كان حول السحق المتبادل ما بين الدبابة الامريكية وجحافل من المقاومة الدينية الطابع غالباً مع بعض العناصر القومية العربية احياناً.

انقسمت هذه الأوضاع الطاحنة الى حرب في الجنوب ما بين حكومة الاحتلال وتيار ديني ميليشي"متشدد" والذي اصبح السمة الاساسية للمقاومة في تلك المناطق. كما وانتشر الدمار في المناطق الغربية التي داسها القتال ما بين تنظيمات القاعدة وقوات جيش الاحتلال. وفي جميع الحالات جعلت "المقاومة" الدين هويتها الاولى والاخيرة، وصورت الاحتلال كونه معركةً بين "المسلمين" و"الكفار".

في مجتمع العسكر والميليشيات الحاكمة وغير الحاكمة، وهو مجتمع ليس فيه مكان للنساء عادةً، انسحبت النساء الى مواقع خلفية تراقب هذه المعارك. ولكون الميليشيات في معظمها من الطابع الديني السياسي، وفي بعض الحالات القليلة من الطابع العشائري ،كما في المناطق الغربية، اصبحت الهوية السياسية لقوى ما يعرف بـ"مقاومة" الاحتلال هي الهوية الدينية الاسلامية.

اصبح ارتداء المرأة للحجاب بمثابة موقف سياسي رافض لقيم الاحتلال بالدرجة الأولى، واصبح الحجاب رمزاً لغلبة المقاومة الاسلامية الطابع على الاحتلال في مناطق كبيرة من العراق، وأصبح هذا الرمز "الوطني"! زياً مفروضاً على ملايين من النساء العراقيات.

وحتى في حالات الاحزاب الدينية الحاكمة والتي أتت مع ركب الاحتلال، يُعتبر حجاب المرأة جواباً شكلياً موجهاً لمجتمع بان هذه الاحزاب لها هويتها وثقافتها المستقلة وليست تابعةً للمحتل.



تطرح بعض الاسئلة نفسها باصرار من قبيل:

كيف يكون الحجاب الذي يلغي حرية المرأة رمزاً لـ "تحرير" من المحتل؟

كيف سيطرت هذه الحركات الدينية وسحقت مدنية المجتمع العراقي خلال فترة قياسية؟

وأخيرا، كيف تندفع النساء المنخرطات في هذا العمل السياسي في الدفاع عن مجتمع التمييز ضد النساء وتتمسكن برموز قمعهن مغلبة الظرف السياسي على بديهيات حقوقهن كنساء؟



يتراوح عمر معظم التجمعات الاسلامية ما بين العشر سنوات والثلاثين سنة، الا ان الخط الفاصل الذي مدها بالدفع الايديولوجي والمادي كان التغيير السياسي الحاصل في ايران والذي أتى بالجمهورية الاسلامية الى الخارطة السياسية. ومع تبوؤ الاسلام السياسي في ايران سدة الحكم بدأ بخلق ماكنة اعلامية ضخمة تهدف تجميل هذه الايديولوجية وتغليفها بغلاف سياسي يجاوب على ازمات المنطقة وبالذات قضية الجماهير في فلسطين، متبنية بذلك مواقع رجعية معادية للامبريالية وتؤجج صراع رجعي ضدها. وبدأت هذه المؤسسات الاعلامية بتمرير صور "جهادية" جديدة من نوعها ومغرقة في الوحشية كتفجير الانسان لنفسه واصبحت صورة المرأة المرتدية حجابا اسلامياً كاملاً هي الرمز او ما يُدعى (اللوغو- logo ) لهذه الايديولوجية. ولأول مرة في التأريخ الحديث، عملوا على تغيير صورة قمع المرأة واستعبادها الى رمز سياسي يصبح الوجه الاجتماعي لحركة الاسلام السياسي التي تدّعي تحرير فلسطين ومعاداة الخطط الامبريالية في المنطقة.



اذا رجعنا بالتأريخ الى الوراء، الى فترة تصاعد الحركة النسوية في الشرق الاوسط والعالم العربي في القرن السابق وبدعم من الحركات التقدمية و"الاشتراكية" المساواتية، كان من المعروف ودون نقاش ان "الشيوعيين" واليسار هم اول من دعا الى مساواة المرأة بالرجل واقتدى بهم بعض الحركات القومية العلمانية التي كانت تعتبر نفسها قريبة من الخط "الاشتراكي". وعملوا جاهدين وبعد تنظيم صف من المناضلات اليساريات الى التقليل من آثار الدين والتقاليد على حياة النساء اليومية والتي كانت الصفة السائدة فيها سابقاً اقتصار المرأة على الجانب الخدمي من المجتمع وعلى ادوار دعم العائلة المنتجة كما هو الحال في الانظمة الرأسمالية البرجوازية التي تحث على عمل المرأة غير المدفوع الاجر داخل المنزل من اجل دعم دور الرجل والاسرة العاملة.

تحت تأثير المد اليساري في العراق وعموم المنطقة ناضل التقدميون لتحرير المرأة من العبودية المنزلية وأسر الحجاب في آن واحد.وأخذت قضية تحرير المرأة من الحجاب آنذاك كثيرا من النضال والوعي وكانت الظروف العالمية التي يسود فيها الفكر اليساري مساندة لمد تحرري من هذا النوع.

وبسبب قوة المد التقدمي داخل العراق قطعت المرأة العراقية اشواطاً في تحقيق مساواتها بالرجل من نواحي العمل والتعليم وبعض الادوار في السياسة؛ الا ان مساواتها الاجتماعية بالرجل ظلت متعثرة ولم ترتقِ قوانين الاحوال الشخصية آنذاك – حتى مع اصلاحاتها- لتحقيق مستوى مقبول لمساواة المرأة بالرجل في الزواج والطلاق والارث. بل وان القوانين ظلت بعيدة كل البعد عن حماية الحريات الفردية من تسلط المؤسسات القمعية والتقاليد العشائرية. ويبدو ان تقدمية يسار تلك الحقبة لم تكن على قناعة تامة بتحرير الانسان والمرأة من عبء التأثيرات الدينية والذكورية العشائرية. ولم تتجاوز الدعوات سوى ممارسات محدودة طليعية لم تتحول الى تشريعات او مطالب اجتماعية تخاطب المساواة التامة بين المرأة والرجل وعلى عموم الجماهير.

وبالرغم من بعض الاصلاحات التشريعية التي مست حياة المرأة في نهاية الخميسنات واستمرت ممارسات محدودة الطابع اثناء فترة البعث الفاشي الذي كان يحتاج الى ان يصور نفسه على انه حزب "اشتراكي"!. الا ان التغييرات السياسية الحاصلة لاحقاً اتت لتجهز على التقدم الحاصل في وضع المراة. وبدأت الحرب مع ايران مما غير معظم المعطيات في المجتمع العراقي.

تزامن مع تلك الحرب ارتفاع المد الاسلامي في المنطقة وبدعم من حكوماته، واخذ يجمّل صورته محليا وعالميا. فبدأ يستبدل عبارات المساواة بعبارات اخرى جوفاء مهمتها التغطية على التمييز والظلم الذي تعاني منه المراة والشباب في مجتمعاته. وبدأ، بشكل رجعي، يحل محل الحركات التحررية اليسارية في المواقع المعادية للامبريالية. ونشر حملته العالمية التي تعادي امريكا واسرائيل مستغلا رفض الجماهير للسياسات الامريكية والصهيونية في المنطقة. وفي نفس الوقت اطلق هذا المد حملته العالمية لتحبيب صورة الحجاب بمثابة هوية سياسية وتحدٍ لكل ما هو امبريالي وغربي. وعملت مؤسساتهم لتشويه صور ومفاهيم التحرر في المنطقة والعالم.

ومع احتلال العراق، وقعت بيد الاحزاب الاسلامية اكبر فرصة لاستغلال رفض الجماهير للمحتل واجهاض هذا الميل الرافض للمحتل عن طريق السيطرة عليه وتحويله الى "حركة" رجعية للاسلام السياسي في صراعه مع المحتل.

انخرط آلاف من الشباب والنساء في هذه الحركة غافلين عن حقيقة واحدة الا وهي: في حال انتصار هذه الحركة على الاحتلال ، ربما تتخلص الجماهير من قمع عسكري اقتصادي وسياسي امريكي لتصبح تحت رحمة مؤسسة دينية تلغي كل مدنية المجتمع العراقي وتسلط عليه قمع المؤسسات الدينية التي تحارب الحريات وتلغي حقوق كانت بديهية للنساء وتفرض الفصل على اساس الجنس واخيرا تبدأ بالتصفية لكل اليسار وكل مدافعي الحرية والانسانية من المجتمع كما حصل في ايران بعد سنوات قليلة من الثورة.

ولم يغفل هذا المد الاسلامي من تجنيد النساء من اللواتي نسين او تناسين تطلعات المرأة بالحريات او كن اسرى للمفاهيم المشوهة الجديدة. وتعلمن كيف يدافعن عن تهميش المرأة ويصورنه على انه احترام للمرأة. اذ ان بعض المفاهيم مثل حق المراة في العمل والتعليم والاختلاط الاجتماعي والمظهر العصري، بدأت تحل محلها مفاهيم تدور حول "حق" المرأة بالتفرغ لرعاية الاطفال وكذلك محاولتهن لتصوير الحجاب على انه حماية للمرأة من التحرش والشرور. اما في مضمار تعدد الزوجات، فانهن يتنافسن لتزيين هذه الممارسة التحقيرية للمرأة على انها حلٌ لتفاوت النسب في اعداد الذكور والاناث، او على انها "حقٌ" شرعي ويجدون له تفسيرا بايولوجيا مبتذلا.

وقد تكاثرت في السنة الاخيرة الفضائيات التي تبث بثقافة تحميق النساء بالضد من حقوقهن ومصالحهن واغراقهن في الخرافات والشعوذة.

ومن المؤسف ان نجد في المؤتمرات النسوية العالمية من الشابات من يحاولن بث هذه السموم في التجمعات العالمية؛ ويحاولن تصوير الحجاب على انه قضية ثقافة وتقاليد يجب على التحررين احترامها. ويتهافت اليمين الامريكي والاوروبي على ابراز دور هذه الشابات على كونهن ممثلات لتطلعات النساء في المنطقة. اذ ان ذلك يبرر امام العالم لماذا احتلت امريكا العراق لتأتي بنظام افقد المرأة موقعيتها الاجتماعية والقانونية.



حجاب المرأة في السياسة، في العمل، وفي المجتمع

ظهرت في احدى الفضائيات العراقية مناظرة مؤخرا، كانت احدى اطرافها امرأة سياسية محجبة تكلمت كلاماً مقنعاً وتفوقت على الرجال. ولم يكن في نقاشها اية اشارات دينية مما دل على كونها امرأة علمانية وان حجابها كان الثمن الذي دفعته من اجل الحصول على مقعدها السياسي.

وعلى العكس ايضاً، تظهر احيانا نساء برلمانيات بمظهر وملبس لا يمكن تفسيره الا بكونه عقوبة على اي بشر يرتديه واقصاء كامل من المجتمع. وعندما تبدأ بالتكلم حول شؤون المرأة يتراوى للمستمعين انها تريد وبعدوانيةٍ شديدة ان تشمل جميع النساء العراقيات بالعقوبة التي تعاني منها هي؛ بل وانها كذلك تحارب من اجل تحويل هذا الاقصاء الى تشريعات وقوانين تدفع الاناث التي لم تولد بعد الى اكثر مساحات المجتمع فقراً وتهميشاً.



حركة نسوية في هذه الظروف؟

تتباهى الحكومة الامريكية بتنظيم عشرات من المؤتمرات النسوية التي تشمل فقط الحاشية المحيطة بهم، سواء من المرتبطين بالحكومة ارتباطا مباشرا، او من اولئك الذين تم تجنيدهم في ما يسمى بمؤسسات المجتمع المدني والذي تم اغراق الجزء المتعاون منه بملايين الدولارات. وتقوم الادارة الامريكية بتسويق هذه الصورة الى العالم كونها الحريات التي كانت المراة العراقية محرومة منها في فترة النظام السابق. وتظل هذه التجمعات معزولة وغير مكترثة بآلام ملايين من النساء اللواتي تعاني من البطالة، الفقر، التهميش، الرعب من الميليشيات، وفرض الملبس "التأريخي" عليهن في مناطقهن.



وبالرغم من مقاومة صفوف من الناشطات النسوية ضمن منظماتهن او في اماكن عملهن، تصعب المهمة في زمن تطور الماكنة الاعلامية المعادية للمرأة وفي زمن سيطرة الميليشيات على المناطق والوزارات وجميع مرافق النظام.



وتظل منظمة حرية المرأة ترفع راية المساواة التامة بين المرأة والرجل في ظل دستور علماني وغير قومي ومساواتي. وتظل تناضل لتنظيم صف الناشطات التحرريات المتطلعات للحرية دون قيد او شرط. ويتم ذلك بالتعاون مع الاشتراكيين واليساريين ومدافعي الحريات.



تعليقات الفيسبوك