ينار محمد في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: آفاق حركة تحرر المرأة في العراق، اليسار والاسلمة.


ينار محمد
الحوار المتمدن - العدد: 3248 - 2011 / 1 / 16 - 16:01
المحور: مقابلات و حوارات
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     

  أجرى الحوار: فواز فرحان

من اجل تنشيط الحوارات الفكرية والثقافية والسياسية بين الكتاب والكاتبات والشخصيات السياسية والاجتماعية والثقافية الأخرى من جهة, وبين قراء وقارئات موقع الحوار المتمدن على الانترنت من جهة أخرى, ومن أجل تعزيز التفاعل الايجابي والحوار اليساري والعلماني والديمقراطي الموضوعي والحضاري البناء, تقوم مؤسسة الحوار المتمدن بأجراء حوارات مفتوحة حول المواضيع الحساسة والمهمة المتعلقة بتطوير مجتمعاتنا وتحديثها وترسيخ ثقافة حقوق الإنسان وحقوق المرأة والعدالة الاجتماعية والتقدم والسلام.
حوارنا – 24 - سيكون مع الأستاذة ينار محمد رئيسة منظمة حرية  المرأة في العراق حول: آفاق حركة تحرر المرأة في العراق، اليسار والاسلمة.

 
1ـ في ضوء النشاط النسوي المتصاعد في مؤسسات المجتمع المدني بعد سقوط الدكتاتورية كيف يمكن تقييم حالة المرأة العراقية في ظل الدستور الحالي ؟

حالة المرأة العراقية في ظل اوضاع ما بعد الاحتلال غير مسبوقة في انكسارها؛ اذ ان الكوارث الانسانية الناتجة من الاحتلال والحرب الطائفية من قتل واعتداءات وتهجير وارهاب وترمل ترك جيشاً مليونيا معدماً من الارامل الامهات واليتيمات الجياع من غير المتعلمات، مما ثبّت بقاءهن في اسفل السلم الاجتماعي والاقتصادي حيث لا يتأملن الحصول حتى على جزء من المكاسب التافهة التي يتمتع بها الرجل في هذه الفترة. ولعل عسكرة المجتمع بمؤسسات مسلحة قد الغت الأمل بمجتمع مدني، بل وغلّبت اجواء الارهاب والعنف المنظم مما دفع المرأة واطفالها الى داخل البيوت بعيدا عن ساحات المواجهة العسكرية.
وقد اضافت نسب البطالة العالية للمرأة 83%[1] الى اعبائها، واكثر هذه النسب من جيلين منكوبين من النساء الشابات العاطلات عن العمل في العشرينات والثلاثينات من اعمارهن واللواتي تجد صعوبة في استلام اي دعم من الرعاية الاجتماعية حسب الميزانية الجديدة في العراق. اذ يبدو ان المشرّعين لديهم اولويات اخرى لصرف موارد النفط تزيد اهمية على معيشة ارامل ويتامى الحرب  الذين حكم عليما  بفقر وحرمان مزمن. وتلك احدى النتائج المباشرة للاحتلال الامريكي الذي طبّل وزمّر لما يسمى بالـ"ديمقراطية"، بينما انهمك فعليا بتثبيت نظام سياسي اقتصادي يأسر الجماهير المليونية في عبودية اقتصادية، بعيدا عن التصرف بموارد المجتمع التي اصبحت رهنا بنظام "الاندماج بالسوق الحر".
اما عن الدستور، فيكفي ان تقرأ ديباجته لترتعد فرائصك من المنزلق المخيف الذي يستهدف مدنية المجتمع العراقي، اذ يستند بشكل أساس على الشريعة الاسلامية ويضع المواثيق ومعاهدات حقوق انسان بالدرجة الثانية. ويهدف اسلمة المجتمع المدني العصري للعراق ليفرض تحميق الجماهير وتخديرها تحت مطرقة جمهورية اسلامية تقتص من حريات المجتمع بشكل عام، الا انها تغوى وبشكل خاص اذلال المرأة واستغلالها والإقلال من حقوقها. ولذا فلا يمثل الدستور اي سند لدعم المرأة في العراق بل هو اشد اسلحة الدمار الشامل تجاه مصائر اجيال من النساء.
وان تثبيت مرجعية المؤسسات الدينية في فقرة الدستور 41 جنبت استعمال المفردات والقوانين التمييزية بالضد من المرأة داخل نص الدستور، ولكنها أولت الصلاحيات كاملةً للمؤسسات الدينية لكي تمعن في تحقير وسحق المرأة كيفما تشاء. وبذا اطلقت يدها بمنح الشرعية لتعدد الزوجات لرجل واحد، وضرب الزوجة، وسرقة نصف ميراث المرأة، واهانتها في حالات الطلاق وحضانة الاطفال وغيرها.
ولا يقتصر قمع المرأة في هذه الحقبة على التشريعات، وانما فتح الاحتلال الامريكي والغزو الاسلامي الباب لأوبئة اجتماعية جديدة. اذ ان المعارك العسكرية والقتل الجماعي للرجال على اساس الهوية الطائفية شرد وافقر ملايين من النساء والفتيات اللواتي اصبحن فريسة لفخ البغاء وبيع الجسد واصبحن بضاعة تجارية تخضع للعرض والطلب في "السوق الحر للنخاسة محليا وعبر الحدود". وفي نفس الوقت اصبحن هدفا لقتل وضربات ذكورية المجتمع والتطهير الديني، وغالبا من قبل نفس رجال الميليشيات الذين يستغلونهم. كل ذلك جعل المرأة ترضى بذلّ كونها الزوجة الثانية او الثالثة في بعض الاحيان لكي لا تطرد الى حواشي المجتمع اي بيوت البغاء التي انتشرت الى كل المناطق والمحلات.
وبالرغم من تفاؤل البعض بالنشاط النسوي الكمي غير المسبوق، الا انهم بهملون نقطة مهمة الا وهي ان معظم هذا النشاط، او على الاقل ذلك المدعوم سياسيا وماليا واعلاميا، هو المخطط له من قبل سلطات الاحتلال بمثابة احدى آليات نشر ديمقراطيتهم، بخلق منظمات نسوية تفصل النضال السياسي والاقتصادي عن الاجتماعي وبمعناه الضيق، كما يدخلوه نصا في قانون المنظمات غير الحكومية، هادفين ابعاد النشاط النسوي عن الساحات السياسية، ليقتصر على مساحات محدودة من العمل الاجتماعي الذي لا يتعدى مخاطبة ممارسات فردية وثقافات وخلفيات دون ربطها بجذرها السياسي البرجوازي، ودون الخوض بدور الراسمالية وبالتظافر مع المؤسسة الدينية في اعادة انتاج انماط قمع المرأة. وقد خصصت سلطات الاحتلال ومنذ عام 2004 عشرات الملايين من الدولارات لورش عمل تدريب المنظمات النسوية على مهام معينة منها مراقبة او متابعة الاداء الحكومي، وفي بعض الحالات كخدمات في مفاصل سياسية مهمة كالانتخابات او الاستفتاء على الدستور. وفي النتيجة فان هذا النشاط المسمى بالنسوي تم تدريبه وتطويعه مقدماً لكي لا يكون ثوريا ولا يسعى لتحقيق مجتمع المساواة ولا حتى مطالب نسوية مهمة. ان نشاطا من هذا النوع  يولي المصداقية للسلطة الدينية القومية والعشائرية ولا يجرؤ ان يعارضه لينتزع منه الحقوق الاساسية للمرأة.
ولا يزال العمل الجماهيري النسوي الراديكالي من نمط عمل منظمة حرية المرأة حديثا على صعيد تنظيم الحركة الميدانية، الا انه خطا خطوات جسرة وجريئة في تحدي المؤسسات البطركية الذكورية واصبح قطبا واضحا في المعادلات السياسية المحلية، والذي سعت البرجوازية لمحاربته وتهميشه بكل الطرق. ويظل حضور منظمة حرية المرأة الامل الوحيد لبناء وتفعيل حركة نسوية جماهيرية مؤثرة وتزج بالمرأة تجاه ثورة تحقيق مجتمع المساواة. 


2ـ كيف تتصورون موقف المرأة العراقية من الدعاية السياسية التي تقومون بها وخاصة راديو - المساواة- ، وكيف هو مستوى التجاوب مع أطروحاتكم ؟

قد يعتقد البعض ان المرأة في مجتمع غير مستقر كالعراق تنفر او تتخوف من اذاعة نسوية راديكالية وعلمانية وشيوعية، غير ان الرفض الاكبر داخل العراق حاليا هو للاقطاب الطائفية والتي ترصدت حرب الابادة مما شكل لدى الجمهور حساسية ونفورا منها. وبالطبع هي اقطاب دينية تخلو اذاعتها تقريبا من اي ترفيه وغناء وتثقيف يتطلع له مجتمع مدني مثل مجتمع العراق. اما العلمانية فلها بريقها الذي يتعطش له المجتمع بشكل عام، مما كان واضحا خلال العملية الانتخابية الاخيرة حيث صوتت الغالبية لمن اعتقدت بكونه علماني.
من الطبيعي للمرأة ان تقارن طرحنا بطرح وسائل الاعلام الاخرى سواء الاذاعية او الفضائية. واود ان اخص بالذكر الفضائيات ذات الانتشار الاجتماعي والامكانيات المالية العالية، والتي عندما تقلّب بين قنواتها، غالبا ما ترى لقطات لضرب المرأة او ركلها او بيعها لجسدها مما يؤدي بالنتجة ايضا لضربها وركلها من جديد. وجرت العادة في السنوات الاخيرة ان تعتمد المسلسلات العربية على تصعيد درامي يقوم على نهاية حتمية من تعنيف مرعب وايذاء جسدي مخيف للمرأة، مما يعكس قناعات الطبقة الذكورية السائدة بكراهية المرأة وتحميلها مسؤولية شرور المجتمع، ويغسل الادمغة بان المرأة تستحق الضرب، وان الضرب واجب للرجل الذي يجب ان يكون "مسؤولا عن رعيته".
فالمرأة التي اعتادت على اعلام كراهية المرأة واحتقارها، من الطبيعي ان تبحث عن، بل وتتمسك بمنبر اعلامي يحاكم عملية التجني على النساء ويخوض بتثوير المرأة لتغيير واقعها. وعندما تكتشف فكرا ومجتمعا يحمي تطلعها لعلاقات انسانية حميمة ملؤها الاحترام لشخصيتها. يكون ذلك مدخلا لمفاهيم مثل المساواة، وحقوق المرأة-الانسان، وانواع المساواة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وتبدأ آنذاك بالبحث بجديةٍ عن هذا المجتمع الذي يتبنى المرأة وحرياتها باوسع ابوابها، وقد تدفع باهتمامها الى مساحات سياسية لدعم مبادرة مساواة المرأة بالرجل. ولا اعتقد ان اي شخص، امرأة ام رجل يرفض مجتمع حماية العلاقات الانسانية، وحق المرأة والرجل بالحياة، بالاحترام، وبالمساواة على كل المستويات. وليست دعاوينا بالحرية الاجتماعية شأنا للمرأة لوحدها، بل هو شأن المجتمع باجمعه والذي يتطلع للحريات.
ان الخطاب المعترض بالضد من القيم الاجتماعية التقليدية والمفاهيم السياسية الطبقية والرجعية السائدة هو مادة اذاعتنا. ويظل الخطاب اجتماعيا جذابا ومتواضعا ويضفي السياسي على الاجتماعي ودون دفع المرأة او الشاب تجاه الحرق الكامل للجسور مع المجتمع المحيط. وعوضا عن عزل الافراد عن محيطها المتخلف، يكون الهدف جر المجتمع باكمله الى اليسار بالآراء والفن والموسيقى بل وحتى باختيار المفردات اللفظية التي ترفض الاعتراف بالغيبيات والاستسلام للاقدار.
كما وان جذب الشابة والشاب الى السياسة ايضا من التحديات الصعبة في حقبة الاستعمار الفكري الامريكي الراسمالي والذي يروج لفكرة الفردانية والتحرر من السياسة لكونها "قذرة" او "غير مجدية" على اقل تقدير؛ كل ذلك مما يبعد جيل الشباب عن العمل الثوري، نتيجة لغسل الادمغة من قبل الاعلام الراسمالي بان ما يسمى بالنظام "الديمقراطي" نتيجة حتمية. وذلك لكي يبعدوا جيل الشباب عن امكانية الانخراط في حركات ثورية.
نحاول في اذاعة المساواة ان نولي التركيز الاساسي الى برامج النقاشات الحية حول معاناة المواطن اليومية، وكذلك حول تفاصيل حياة النساء الاجتماعية والتي نفتح عليها الخطوط الهاتفية ليكون حوارا متفاعلا مع المستمعين، مما يجعل من كل قضية مطروحة مادةً وفرصةً لجذبهم الى التحرري والمساواتي واليساري من الممارسات والفكر والتطلع.
قلما سمعنا من امرأة رفضا لما نطرحه، ولكن النقاشات كثيرة، مع النساء والرجال حول ما هو انساني من عدمه عوضا عن المقبول وعدمه. اي ان الغرض هو تكريس بنية من المفاهيم والقيم الاجتماعية والوعي الطبقي التي تسعى لتخليص الوعي الجمعي من كل افكار اللامساواة والتحجيم والعدائية للمرأة، وبتحليل يربط بين الاستغلال الاقتصادي والاجتماعي ودور الرأسمالية في تقوية المؤسسة الدينية والعشائرية البطركية المعادية للمرأة. ونفعل ذلك دون ان نغرق في ابحاث مجردة عن الارضية الواقعية لها، مما قد يفقد جاذبيته مع الفئة العمرية الشبابية من اعمار العشرينات والثلاثينيات والذين هم ممعظم مستمعينا. ويظل دورنا الأساس توجيه الكادر لئلا ينزلق بعرض افكار او مفاهيم خرافية، او ذكورية، او ذات ميل قومي او عشائري، او ان يقع في خطأ الترويج لثقافة الاستغلال الاقتصادي، او تمييع الصراع الطبقي، او ثقافة الكراهية والعنصرية.
كما وان احدى مميزات اذاعتنا هي كسر المحرمات مما جعل لمنبرنا دورا في كسب احترام الجمهور، بالرغم من تجربتنا القصيرة والتي تجاوزت السنة الواحدة بشهرين فقط، فان استضافتنا مثلا لنساء كانت او لا تزال ضحية لعصابات الاتجار بالجسد او بيع النساء، كان له صداه المؤثر في المجتمع. وفوجئنا بمكالمات من افراد تعاطفوا وتطوعوا لمهام صعبة لمساعدة الضحايا. كما وان استضافتنا لضحايا العنف وجعله نقاشا حيا مع المستمعين يفتح الابواب للتأثير على آرائهم، دون الحاجة للجوء الى الوعظ او الشعارات، ولكن بضخ لمادة اعلامية ذات توجه انساني وبجرع يومية مخففة، مما يأتي بنتائج افضل. 
 


3ـ تتوقون الى بديل الحرية والمساواة لإنقاذ الجماهير ما هو شكل هذا البديل الذي تطمحون الى تحقيقهِ بشكل عام وللمرأة بشكل خاص؟

هل نستطيع ان نتخيل نظام حكم مهمته الاولى حماية الحريات الشخصية وضمان المساواة التامة بين الجميع بغض النظر عن الجنس والدين والقومية؟ هل يمكن ان يستند هذا الحكم على ايديولوجية تضمن التوزيع المتساوي لثروات المجتمع على كل فرد من الجماهير؟ وهل يمكن ان يتضمن هذا النظام آليات لمنع نمو طبقة تعتاش من استغلال عمل غيرها؟ وهل يمكن لهذا الحكم ان يتشكل من التمثيل المباشر للجماهير العاملة ضمن مجالس محلات وقطاعات ومدن دون ان يكونوا مندوبين من قبل جماعات دينية وتجمعات قومية ويحكمون باسم اللآلهة والمثل القومية المتعددة؟ وهل يمكن ان يحمي هذا الحكم حريات الافراد والجماعات من الممارسات القاسية للجماعات الدينية ويفرض العلمانية أساسا في الدولة، والسياسة، والتربية والتعليم؟  وهل يمكن ان ينهمك هذا النظام باجراءات تعديل الاوضاع الاجتماعية والاقتصادية الكارثية للمرأة بواسطة مؤسسات وهيئات متخصصة وان ينص على ضمان نصف مقاعد المجالس على كل مستوياتها للنساء؟ وهل يمكن ان يتحقق ذلك في الازمنة التي انحسرت فيها التوجهات الانسانية المساواتية من مواقع السلطة لتحل محلها ايديولوجيات قصف ونسف وتفجير الجماهير والشعوب لغرض تحقيق سيادة نظم الجشع والسرقة؟
نعم، في رأينا يمكن ان يتحقق هذا البديل المجالسي العمالي والنسوي وفق نظام اشتراكي يضمن المساواة الاقتصادية والاجتماعية، ويكون الخلاص الوحيد من الاوضاع الوحشية التي استفحلت نتيجة انتشار الحركات الدينية والقومية وسيطرتها على المجتمعات ونشرها لثقافة الكراهية للآخر. وكل ما يحتاجه هذا البديل هو الجمع الذي يدعو له، وينظم الصفوف من اجله، ويكون مستعدا للمحاربة لتحقيق عالم افضل.
تحاول الانظمة الغربية اقناع العالم بان زمن الشيوعية قد انتهى، وان الجميع سائر بشكل حتمي الى البديل الذي يسمونه بالـ "ديمقراطي"، والاندماج بالسوق الحر، وقد ذقنا باكورة النتائج في العراق حيث يباع النفط بمبالغ خيالية تخصص للبرجوازية التي تحكم بالحديد والنار لغرض إحكام قبضة الجوع والفقر على الملايين. اما الدرس الذي شهده العالم في الايام الاخيرة وبطولات الجماهير التونسية فقد اثبت بان الملايين الجائعة تظل اقوى من حفنة من الراسماليين المختبئين في قصر قرطاج ام في المنطقة الخضراء.
 ان الحرية والمساواة الاقتصادية والاجتماعية لا يمكننا ضمانها دون النظام السياسي والاجتماعي الذي يعمل على تحقيقها ويحافظ عليها اي البديل الاشتراكي حيث تكون حقوق الانسان ورفاهه وحرياته هي المقدسات، وتتمتع المرأة آنذاك بكل ما يتمتع به الرجل. ويكون الدستور علمانيا وغير قوميا يضمن المساواة للجميع بغض النظر عن الجنس والقومية والدين.
عندما تعيش المرأة اوضاع الحرية ضمن سياق اجتماعي وسياسي تكون عملية انخراطها بالسياسة محصلة طبيعية، وقد لا تحتاج الى كوتا نسوية آنذاك، الا ان في المراحل التي تسبق زمن الانجاز هذا يظل التمييز الايجابي اي الكوتا النسوية ضرورية.


4ـ صعود الإسلام السياسي الى الحكم في العراق وإنتشار ميليشياته في الساحة أثر على الأحزاب اليسارية و العلمانية ، هل يعكس هذا واقع المجتمع العراقي أم أنهُ مفروض عليه من الخارج؟


ان موقع العراق ما بين الجمهورية الاسلامية في ايران من جهة والمملكة العربية السعودية من جهة اخرى، جعله في وسط كماشة من مصادر لدعم ارهاب الاسلام السياسي بشقيه الشيعي والسني. وان الاحتلال العسكري الامريكي واسقاطه لدكتاتورية البعث، خلق الفراغ السياسي مما وجه دعوة جذابة للارهاب الاسلامي بشقيه ليغزو المجتمع من الشرق والغرب بالاسلحة والايديولوجية التي تدعو على المنابر لمحاربة المحتل، ولكنها في الميدان تبيد الجماهير على صعيد يومي، مما تحول تدريجيا الى اسلوب متّبع في العمل السياسي.
اما المجتمع العراقي والذي مر بكل فصول السيناريو الاسود من احتلال وارهاب وفقر وبطالة وابادة جماعية فكان في اوطأ درجات انكساره وتقسيمه وانحسار مدنيته مما لم يترك فسحة او قدرة للعمل الثوري او مقاومة للوقوع في فخ الانخراط بحملة اسلامية تدّعي محاربة المحتل وتنظّم على اساسه الشباب في ميليشيات.
ان اليسار التقليدي في العراق والذي اهتز بعد انهيار قطب رأسمالية الدولة في الاتحاد السوفياتي وقف موقف المتفرج من الاحتلال، ولم يعارضه، بل وقد قبل كل التنازلات المفروضة عليه لكي تكون له حصة في مجلس الحكم، واتجه للتقرب من احزاب الاسلام السياسي والاندماج في حملاتها لأسلمة المجتمع، كما وبدأ يطبل ويزمر لمطالب المحتل والبرجوازية الاسلامية الجديدة في العراق، اذكر منها على سبيل المثال لا الحصر الدفاع عن قانون النفط والغاز، والاشتراك مع القوميين واطراف من الدولة لتشكيل اتحادات عمالية "رسمية" تهدف ضرب الطبقة العاملة. كما وتخلّوا عن مطلب تحقيق المساواة التامة بين المرأة والرجل، كل ذلك مما نفى عنهم الصفة الثورية الشيوعية او حتى اليسار. وتحولوا الى جمع من المصلحين ممن يحاولون اضفاء الشرعية على المؤسسات والآليات الحكومية املا في ان يصبحوا شركاء مع الاحزاب الاسلامية والقومية الحاكمة في الدورات المقبلة. ولذا فان ضعفهم لم يكن مصدره انتشار الميليشيات، بل تخليهم عن كل ما هو شيوعي.
اما اليسار العمالي، وبالذات الحزب الشيوعي العمالي العراقي، فلم يتجنب المواجهة السياسية والاجتماعية مع احزاب الاسلام السياسي، بل خاض كل المواجهات المتاحة واعلن عن مواقفه في جميع المنابر وبكل جسارة. وسببت له جرأته واسلوبه المباشر في المواجهة فقدانه لبعض دعمه الجماهيري العمالي والذي لم يكن مهيئا لعلمانية مواجهاتية تصطدم مع الاسلام السياسي على صعيد المجتمع. وبالرغم من جاذبية الشيوعية ومكانتها في المجتمع العراقي، الا انه ليست هنالك تجارب تأريخية سابقة مع حكم المؤسسات الدينية، وبطشها وارهابها والذي اتضح لاحقا في 2005 والحرب الطائفية وارهاب الميليشيات للمجتمع. اذ ان جرائم الابادة الجماعية من قبل المؤسسات الدينية تجربة تاريخية يعرفها الاوروبيون جيدا منذ القرون المظلمة حيث قامت المؤسسة الكنسية بحملات التفتيش في اسبانيا واوروبا وغيرها وقتلت ما يزيد عن نصف المليون بسبب اتهامهم بالهرطقة والسحر والخروج عن تعاليم الكنيسة. كما وتعرفت عل  بطش مماثل الجماهير في ايران بعد استبداد الجمهورية الاسلامية واعدامها لما يزيد عن المائة الف من الخصوم السياسيين ومعظمهم من العلمانيين. الا انه في العراق، كانت الاحزاب الاسلامية في التاريخ الحديث معارضة لم تصل للحكم ولم يكن استعدادها للاستبداد واضحا.
وفي الوقت الذي كان يعمل الحزب الشيوعي العمالي للتأثير على المجتمع والانتشار في الطبقة العاملة، شكّل الاسلام السياسي ميليشيات مسلحة ترهب الشارع وتقتل النساء مستعملة الجوامع للتوجيه السياسي والتعبوي من جهة، وموارد الدول الاسلامية المحيطة للتسليح ولنفقات جيوشها الميليشياتية والتي سيطرت على معظم قطاعات مدن الوسط والجنوب والغرب. لم يكن المحتل الامريكي يمانع من استلام اية جهة على مقدرات المجتمع، طالما تضمن الاتفاقيات الامنية واتفاقيات النفط وتمثل المصالح الامريكية وتشكل طبقة برجوازية تربط نفسها بمصالح الرأسمال العالمي. ولذا كانت سلطات الاحتلال تهب لايلاء "الشرعية" لكل من ارتدى عمامة او شماغا وعقالا ومثّل الجماهير دينيا ام قوميا، الى ان تشكلت حكومة من ممثلي الاديان والطوائف والقوميات ولكن ليس ممثلين للجماهير ولمطالبها بالأمان والرفاه والعيش اللائق والمساواة.
كما وان ضعف الاحزاب اليسارية والعلمانية في العراق لا يمكن فصله عن ضعف اليسار العالمي وخاصة بعد انهيار الكتلة الشرقية او انظمة رأسمالية الدولة والتي كانت تدعم الاحزاب الشيوعية الستالينية في العالم العربي. كما وان والهجمات العسكرية الامريكية الامبريالية في العقد الاخير ساهمت في تصعيد حركة اسلامية سياسية انتشرت داخل الشباب في عدة دول شرق اوسطية وبدعم من الجمهورية الاسلامية في ايران ودعم البن لادنيين لتنظيمات الفاعدة والتي انتشرت كالوباء في معطم بقاع العالم.
ولن ينحسر هذا التأثير للحركات الاسلامية الا بعد توليها السلطة لفترة كافية مما يكشف حقيقتها كحكم جائر حيث تلمس الجماهير تعارض مصالحها وتوقعاتها وحرياتها مع الاحكام غير الانسانية للانظمة الدينية الحاكمة. وبهذا فان ممارساتها القمعية هي التي تنثر بذور العمل الثوري ضدها اي تخلق نقيضها العلماني بعد دورة من التفاعلات الاجتماعية والسياسية.


5ـ ما هو تقييمكم لحالة اليسار في العراق ؟ وما هو شكل التجاوب الذي تجدونهُ من القوى اليسارية والتي مازالت معظم قياداتها من - الرجال!-؟ وهل تعتقدون بضرورة وجود -كوتا- نسائية تصاعدية داخل الأحزاب وخاصة اليسارية؟


اليسار في العراق رمز ومصدر للتحرر بمفهومه السياسي والاجتماعي، مصدر لتفاؤل المسحوقين بتغيير عالمهم والثورة لاجل عالم المساواة، مصدر لأمل المرأة بانها انسان كامل له الحق بالتحرر من القيم الاجتماعية البالية والمشاركة بجميع ميادين المجتمع. وقد لعب الحزب الشيوعي العراقي دورا مهما في تطوير اوضاع المرأة في عقود سبقت الحكم البعثي، ولذا ارتبط تحرر المرأة بقوة اليسار في العراق كما في الشرق الاوسط والعالم اجمع.
اما الموقف الحالي لليسار التقليدي من ناحية قضايا المرأة انه استغنى عن المساواة التامة ليكتفي بمطالب ليبرالية من قبيل الكوتا فقط. وتخلّى بذلك عن مواقفه الثورية ليصبح جزءا من الصف البرجوازي الديني والقومي والعشائري الذي يرفض مساواتها الاجتماعية. وتحاول قيادات هذا اليسار ايهام الكوادر بانه لا يمكن الحصول على اكثر من هذا المطلب حاليا، على ان يتم التوجه للمطالب الاخرى في مراحل لاحقة. ولم يكن هذا اليسار داعما لطروحات منظمة حرية المرأة بل وقام بتوجيه تجمعاته النسوية بالرفض والمحاربة لها؛ ولم يتورع العديد من شخصيات هذا اليسار من التشهير بشخصيات منظمة حرية المرأة بتهم كانت قد اطلقت سابقا من قبل جهات اسلامية معادية، من قبيل الاباحية او الدعوة لـ"زواج المرأة من اربعة رجال"، وهي الكليشيهات التي استعملها الاسلاميون في كل الحقب بالضد من نساء شيوعيات في البلدان ذات غالبية مسلمة. الا ان الجديد في حقبة ما بعد الاحتلال، ان يتطوع جزء من اليسار التقليدي رجالا ونساءً لمهاجمة ناشطات منظمة حرية المرأة بهذه التهم نفسها.
اما عن الحزب الشيوعي العمالي العراقي، فيظل صفا طليعيا يصر على مطلب المساواة التامة بين المرأة والرجل، ولا يتردد بمواجهة الاحزاب الاسلامية والقومية حول هذا المطلب. ويوفر بذلك السند السياسي لحركة نسوية راديكالية تخوض حربا يومية بالضد من ذكورية تدعمها جيوش مدججة بالسلاح وبهويات اسلامية وقومية وامريكية، تشترك جميعها بايديولوجية كراهية المرأة. وبسبب دعم الشيوعية العمالية لمطلب المساواة التامة، تجرؤ هذه الحركة النسوية وفي مقدمتها منظمة حرية المرأة في العراق على طرحها، بسبب وجود حزب ومجتمع المساواة الذي يدعمها فكريا وسياسيا.
وتظهر في جميع الاحزاب اليسارية حتى الطليعية منها شخصيات اقل اقتناعا بالنضال الاجتماعي لحرية المرأة ومساواتها، مما يجعلهم غافلين عن اهمية تقوية صف من الناشطات النسوية المترصدات للنشاط الميداني في ساحات المعارك وبالضد من الاسلاميين. ويرفض هؤلاء توفير الدعم والتقوية لهؤلاء الناشطات وقد يقللون من أهمية نشاطهم وعملهم السياسي بتقييمات ضيقة تعتمد اطرا وكليشهات تقليدية. ويغمض هؤلاء اعينهم عن مدى الضرر الذي يلحقوه بالحركات والاحزاب عندما يعرضون الناشطات النسوية للوهن او بابعادهم ونفرتهم من العمل السياسي. وكثيرا ما تحصل هذه الحالة داخل احزاب اليسار، مما يدفع بناشطات الصف الاول الى الصفوف الخلفية للاحزاب، ويفرض عليها تراجعا من قبل صف اليسار المثقف والذي يتمسك بتفاصيل ضيقة الافق قد تكون بدايات لميل سلطوي او ستاليني، ولكنه بالضرورة يبتعد عن جوهر الشيوعية. ولذا ترى اعداد النساء في قيادات احزاب اليسار والتي لا ترى اهتماما كافيا لقضية المرأة، او دعما لعملها السياسي في تراجع مستمر.
قد يقترح البعض باستعمال كوتا نسوية لقيادات احزاب اليسار لابقاء النساء الثوريات داخل قياداتها. وقد نرى هذه المسألة معيبة علينا كشيوعيين، الا انه يبدو انها قد تكون ضرورية لعدم السماح بميل ذكوري سلطوي بالتسرب الى داخل هذه الاحزاب.
وتظل مهمتنا كشيوعيين نبحث عن حل لهذه الازمات من خلال بناء احزاب قوية تكون اداة لتغيير المجتمع وتحقيق حرية الانسان، وبان نناضل لتقوية الصف الشيوعي العمالي والنسوي الذي ربط مصيره بمصير المجتمع ويناضل في الميدان وبجسارة، دون السماح لتسرب ميل اليسار المثقف من ان يفرض معادلاته العقيمة، والتي يمكنها ان تهمش دور الحزب في المجتمع وتحوله الى مجرد جزء صغير من اليسار الهامشي. وآنذاك تكون الخسارة الكبرى للطبقة العاملة وللمرأة التي لن تحلم بتحقيق مساواتها دون الاداة القوية لتغيير المجتمع.


[1] حسب تقرير الامم المتحدة المنشور عام 2009 والذي يمكن تصفحه على الموقع: http://www.iauiraq.org/reports/Iraq_Labour_Force_Analysis.pdf
 




تعليقات الفيسبوك