أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - سامح عسكر - كيف نفهم الوحي؟















المزيد.....

كيف نفهم الوحي؟


سامح عسكر
كاتب علماني حر وباحث تاريخي وفلسفي


الحوار المتمدن-العدد: 6680 - 2020 / 9 / 18 - 17:48
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


من أكثر الأمور التي اختلف حولها الإنسان وكانت محور خلافاته الدينية هو مفهوم (الوحي) فانقسموا فيه إلى فريقين مؤمن بالأديان ولاديني.

فالفريق اللاديني يرى أن الوحي هو تجربة خاصة أو مشكلة حقيقية للفرد يعيش فيها بجوارجه وخياله في مكان آخر فيتبدى له ما يريد ويرغب في الحس دون وجود حقيقي، أو يرى أحلاما في مناماته تتفق مع رغباته الكامنة، وبذلك هم يضعون الوحي الديني ضمن إطار الأكاذيب والخرافات والأوهام، وبعضهم يضع الوحي كمَرَض نفسي واجتماعي حاول فيه صاحبه الحصول على منزلة اجتماعية مفقودة في وعيه الباطن وبالتالي يندرج هذا المَرَض ضمن أحوال ورغبات الإنسان المتقلبة، فإذا صدقه الناس قرر أن يسير في طريقه إلى النهاية، وإذا لم يصدقوه أو شكّلوا خطراً عليه فيقرر إما المواجهة أو التراجع..

هذا التفسير اللاديني لا أناقشه لكونه مبنيا على موقف وجودي من الدين أكثر من البناء الفلسفي العقلي الذي يتطلب منه وضع القيم المطلقة للآلهة في الأديان داخل وخارج العقل أيضا، مما يعني أن إطلاقية قيم الإله ليست بالضرورة أن توجد فقط داخل العقل بل توجد خارجه ، وبالتالي عدم صوابية إحكام منطق الوحي للتفكير الإنساني بالمطلق، بل يصبح دور العقل والتفكير فقط هو ضبط أموره وطبيعته وزواياه لا إنكاره بالكُلية.

ومعنى إطلاقية القيم المشار إليها أن المؤمن بالأديان يرى أن خالقه مطلق القيمة فهو خيّر مُطلق وقويّ مطلق وقادر مطلق ورحيم مطلق..وهكذا، تلك الإطلاقيات لا يصح أن توجد فقط في العقل بل توجد خارجه لحصر الإدراك البشري فقط في المحسوس والمعقول وكلاهما عوارض عقلية في الذهن ، وتلك المشكلة التي ناقشها إيمانويل كانط في كتابه "نقد العقل الخالص" في جزئية حدود العلم والإدراك البشري عن الإحاطة بالميتافيزيقا، ولو أن السياق هنا لا يناقش الميتافيزيقا فحسب بل أن عوارض هذه القيم المطلقة قد توجد في الزمكان دون إدراك لها والتجارب أثبتت أن حدود العلم البشري بالأشياء ليست كبيرة فيوميا تطالعنا الأخبار عن اكتشافات كنا نجهلها وعلوم وفرضيات تستحق الدراسة والبناء عليها..

إذن فمفهوم الوحي هنا لا يصح أن يُحصَر فقط ضمن إطار عقلي مجرد، وإن كان هو يعمل في إطار العلّية العقلية، ولو أخضعنا تفسير اللادينيين للوحي بهذا الإطار العِلّي فسيكون لزاما عليهم تفسير علل هذه التجارب والمشكلات والأفكار التي أنتجت – حسب وجهة نظرهم – وحياً مزيفا، والبحث في هذا السياق يصل بنا إلى متاهة فلسفية عن تقدير الحاجة للوحي وعلل هذا التقدير وعلل تلك العلل لنصل في النهاية إلى سبب أول في التفكير هو الذي أنتج هذه السلسلة الطويلة من مسببات الوحي، ثم إخضاع هذا السبب وتلك السلسلة للحُكم الجمعي الذي – وحسب نظرية هابرماس في عقل التواصل – قلما يخطئ هذا الحكم في رؤية مصالحه واختبار جودة إدراكه.

أما الفريق المؤمن بالأديان والمسلم بالخصوص فهو موضوع النقاش، وسأستثني وحي الله في القرآن لغير العاقل كونه ليس وحيا نفهمه ويخصنا في حياتنا العملية بل هو من قبيل التأثير أو الصلة بين الخالق والمخلوق، ففي القرآن يوجد أربعة أنواع من الوحي للعاقل:

الأول: ما أنزل على الأنبياء ومعناه انطباعات وأفكار وألفاظ ومعاني يقذفها الله في نفس النبي بشكل مباشر أو بواسطة جبريل، ويكاد يكون الأنبياء في هذا الجانب متساويين إذ لم يشهد القرآن أو تراث المسلمين على فارق ملحوظ في هذا الوحي، كأن يتنزل جبريل مثلا على نبي وملاكا آخر أقل منزلة من جبريل على نبيٍ آخر، وتلك الجزئية قرينة على المساواة التامة بين الأنبياء في الدرجة لا كما يعتقد عامة المسلمين والشيوخ أن النبي محمد هو أفضلهم ومن أجله قد خُلِق الكون.

الثاني: ما أنزل على الصالحين دون واسطة كالحواريين وأم موسى، قال تعالى "وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون [المائدة : 111] وفي سورة القصص " وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم " [القصص : 7] وهذا النوع من الوحي مشابه لوحي الأنبياء لكنه دون رسالة

الثالث: وحي الله للملائكة في قوله تعالى "إذ يوحي ربك إلى الملآئكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان [الأنفال : 12] ولأن الملائكة كائنات غير محسوسة في المعتقد الإسلامي فلا يمكن تصوّر هذا النوع من الوحي لتعريفه بشكل صحيح، وغاية ما يمكن القول فيه أنه خصيصة بين الخالق ومخلوقاته كما هو شأن العلاقة بين الخالق والكائنات غير العاقلة الموحى إليها..

الرابع: وحي الأشرار لبعضهم كما جاء في سورة الأنعام " وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا " [الأنعام : 112] وهذا النوع محسوس بشكل عملي تحكمه قواعد كثيرة كالكاريزما والخطابة والعقل والتجارب والقوة..وأشياء كثيرة هي تعبر عن وسائل التأثير والتواصل الاجتماعي، وبالقياس فوحي الأشرار هنا يقابله وحي الأخيار والصالحين يكن ذكره متضمّنا في الآية دون تصريح، فمثلما جعل الله لكل نبي عدوا جعل لكل نبيٍ صديق ومنتصر..

فقهاء تركوا كل ذلك واخترعوا وحيا من عندهم ليكون (وحيا خامسا) هو الحديثين النبوي والقدسي، وكلاهما روايات تاريخية نسبت للرسول بعد وفاته ب 200 عام، والذي صحّ منها وتواتر لا يجوز وصفه بالوحي كونه في الأخير هو كلام الرسول وليس كلام الله المقذوف في نفس النبي بشكل مباشر أو عن طريق جبريل..فحتى لو صح الحديث وقاله الرسول بالفعل فهو ليس وحيا والدليل من القرآن: أولا: "والذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق مصدقا لما بين يديه " [فاطر : 31] ، ثانيا: "اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر" [العنكبوت : 45]

فالوحي إذن من الكتاب الذي أنزل على نفس الرسول وصدّقه فتلاه على الناس، ولا يُسمى الخارج من هذه المنظومة وحيا، بل شرحا بشريا وتوضيحا وسلوكا..فالجماعة الفقهاء إذن لم يفرقوا بين كلام البشر وكلام الإله، وخلطوا بين الأمرين ابتداء..فقبلوا أن يكون لفظ الرسول وحيا حتى وصل بهم الأمر أن يصدقوا لفظ البخاري ومسلم والمحدثين على أنه وحي، وبالقاعدة المشهورة (السنة مقدمة على القرآن) يجري إلغاء كل صنوف الوحي الأربعة السابقة لصالح لفظ البخاري الذي هو وحي خامس في عُرف الفقهاء..!

بالمناسبة: الفيلسوف الإنجليزي "جون لوك" تـ 1704م كان لديه فهما متقدما للوحي كتبه في مقالة "بحث في الفهم البشري" وهو تقسيم للوحي إلى اثنين: الأول: وحي أصلي وهو الذي أوجده الله في ذهن الإنسان مباشرة دون واسطة، وينطبق هذا النوع على الأنبياء والصالحين، أما الثاني: وحي نقلي وهو الذي ينتقل من إنسان لآخر على شكل كلمات وأفكار.

ويظهر من تعريف لوك للوحي الأصلي أنه منسجم مع العقل وإلا ما تكيّف معه الذهن وقَبِله على شكل أفكار ومطلقات إلهية، وبرغم أن هذا التعريف يوجِد مشكلة عانى منها المتدينون بتقديس النص وإخراجه من الزمكان لكن لوك لم يقصد تقديس النص بهذه الطريقة ولكن اعتراف منه - وهو ذو عقل بارع - أن قبول العقل للنص هو تصديق فقط للانطباعات والبدهيات المقبولة، وبالتالي فالوحي الأصلي حسب مفهوم لوك منسجم مع العقل ومقبول اجتماعيا وإلا ما أصبح دينا له أتباع بالملايين يصدقوه، ولا يلزم ذلك أن يقدسه المؤمنون في كل عصر بنفس الطريقة، والبديل هو أن يحاول المؤمنين فهم ذلك الوحي حسب عقولهم في زمن آخر..ومن هنا تأتي فضيلة الاجتهاد والتأويل والتدبر..

أما الوحي النقلي حسب مفهوم لوك هو الوحي الرابع في القرآن والخامس الذي نقله الشيوخ ووصفوه بالسنة، وقد عرّفه تعريفا دقيقا (أفكار وكلمات منقولة من شخص لآخر عن طريق الإيحاء النفسي والعقلي ) وهذا النوع من الوحي ليس مقدسا، وأظنه كان يقصد به اجتهادات المذاهب المسيحية في زمنه بعد ثورة مارتن لوثر قبله ب 200 عام تقريبا، وينطبق بالتالي على اجتهادات مذاهب المسلمين بل من كل مجتهدي الأديان بوصف هؤلاء المجتهدين صناع تلك الأديان في الحقيقة وبُعدِهم عن الدين الوجودي الذي بحث عنه البدائيون والمتطورون معا طوال عشرات الآلاف من السنين.

وبالنسبة للوحي الأصلي عند لوك يمكن تشبيهة بفكرة "التجلّي النوراني" أو "الفيض الإلهي" في الصلة بين الخالق والمخلوق، وهذه الأفكار وجدت بكثرة عند الأديان الغنوصية حيث يعمل الإنسان صالحا ويرتقي في سُلّمهِ العقليّ فيفيض الخالق من قدراته ليشمل ذلك الإنسان من صفاته جزئيا ورعايته، وبالتالي فالوحي هنا غير مخصوص فقط بالأنبياء كون الصالحين والعقلاء تميزوا هم أيضا ببعض جزئيات هذا الفيض الإلهي أو التجلّي النوراني، وإن كان الاعتقاد بهذا الشكل بابا واسعا للخرافة والادعاء..وفي تقديري أن أكثر الأمم تفكيرا بهذا الشكل هم أكثر عرضة للفتن الدينية والخرافات لطبيعة الوحي ومضامينه المقدسة..

وخلاصة هذا الأمر أن قضايا الوحي لا تثبت بالبرهان وبالتالي إنكاره لا يكون بالبرهان، فهو مسألة غيبية قابلة للتصديق والتكذيب حسب سلطة وشيوع ذلك المقدس، وإن كانت له مداخل عقلية يمكن فهمه بها كأسباب للتدين بشكل عام، وبالتالي فالعلاقة بين الوحي والدين الفردي علاقة وثيقة ، وقد ذهب الفيلسوف "ديفيد هيوم" لهذه النتيجة أن البرهان على وجود الله والنفس والجوهر مثلا هو عديم الجدوى فهي أمور واقعية عند المؤمنين بها لا يمكن شهادتها، وكذلك لا يمكن تكذيبها بقضية أخرى متناقضة أو يلزمها التناقض كالعقل مثلا، فهو وسيلة قد تقبل الضدين والمختلف معا في الأمور الفلسفية كالعلّة الأولى وتسلسل العلل اللانهائي.

كذلك لا يمكن إثبات الوحي بالشهود الذين هم عُرضة للخطأ والرغبة ، ما بال وفقهاء المسلمين كشفوا عن وحيٍ خامس بينه وبين هؤلاء الشهود 6 أجيال وأكثر، مما يعني أن ادعائهم بوحيية الحديث وأنه من عند الخالق هو من أكثر المعتقدات غباءً في التاريخ، حيث لم يسلّموا فقط بعصمة الشهود بل بعصمة من نقلوا عنهم شفويا..وهذا لأمرُ غريب في مجال العلم، ولعل التلمود هنا أكثر ذكاء حيث لم يدعِ بوحيية نصوصه مباشرة بل عن طريق من كتبوه فلم يأخذ حظه من النقل الشفاهي ليصح الطعن فيه ونقل طبيعته من باب اليقين للظن الثبوتي، وهذا خلافا للحديث الإسلامي الذي ظل أكثر من 200 عام يُنقَل شفاهة وفي أجواء 6 حروب أهلية كبرى ثم خرجوا بنتيجة يقينية نهائية أنه وحي من عند الله يساوي أو يفوق الوحي الأول.






اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
فهد سليمان نائب الامين العام للجبهة الديمقراطية في حوار حول القضية الفلسطينية وافاق و دور اليسار
لقاء خاص عن حياته - الجزء الاول، مؤسسة الحوار المتمدن تنعي المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- في عشق المراهقين والكبار
- قصتي مع أبي طالب عم رسول الله
- اليهودية ديانة تبشيرية كغيرها
- الدليل العقلي في الإيمان
- أكذوبة وأد العرب للبنات
- المعالم الحديثة للإرهاب الفكري
- الدين الوجودي والإيمان الأعمى
- متلازمة سيفر والسياسة التركية
- في ظاهرة الشيخ عبدالله رشدي
- كيف تتحول الدول للحُكم الديني ؟
- العرب كمشروع تركي إسلامي
- مستقبل العلمانية في تركيا
- أرض اليسار المأزوم
- صفحة من جرائم التاريخ..خالد ومالك بن نويرة نموذجا
- العثمانيون وخطايا التاريخ في آيا صوفيا
- جدلية التحرش بين المثقف والشيخ
- مقدمة في دواعش الفن المصري (5)
- مقدمة في دواعش الفن المصري (4)
- مقدمة في دواعش الفن المصري (3)
- مقدمة في دواعش الفن المصري (2)


المزيد.....




- حماس: مصادقة حكومة الاحتلال على إنشاء معابد يهودية يأتي في إ ...
- قائد قوات حرس الثورة الإسلامية في ايران اللواء حسين سلامي: ا ...
- قائد قوات حرس الثورة الإسلامية في ايران اللواء حسين سلامي: ل ...
- محافظ مأرب يدعو لمنع العناصر التكفيرية من التمترس في مناطقهم ...
- 529 مستوطنا يقتحمون المسجد الأقصى
- قاضي عسكري تونسي يأمر بسجن نائبين إسلاميين معارضين للرئيس قي ...
- عشرات المستوطنين يقتحمون باحات المسجد الأقصى بحماية شرطة الا ...
- التعبئة الشعبية في بحرية حرس الثورة الاسلامية تجري اكبر مناو ...
- قائد بحرية حرس الثورة الاسلامية الادميرال تنكسيري: التهديد ا ...
- مقتل 9 مدنيين في هجوم لجماعة -بوكو حرام- في تشاد


المزيد.....

- حول الدين والدولة والموقف من التدين الشعبي / غازي الصوراني
- الأمويون والعلمانية / يوسف حاجي
- نشوء الكون وحقيقة الخلق / نبيل الكرخي
- الدين المدني والنظرية السياسية في الدولة العلمانية / زهير الخويلدي
- صابئة فلسطين والغنوصية المحدثة / أحمد راشد صالح
- حوارات ونقاشات مع قوى الإسلام السياسي في العراق / كاظم حبيب
- العَلمانية في الحضارة العربية الإسلامية (التحديات والآفاق) / شاهر أحمد نصر
- كشف اللثام عن فقه الإمام / سامح عسكر
- أفيون الشعب – الكتاب كاملاً / أنور كامل
- الطاعون قراءة في فكر الإرهاب المتأسلم / طارق حجي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - سامح عسكر - كيف نفهم الوحي؟