أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - سليم البيك - ذاكرة جدي ترتعش














المزيد.....

ذاكرة جدي ترتعش


سليم البيك

الحوار المتمدن-العدد: 1935 - 2007 / 6 / 3 - 11:50
المحور: القضية الفلسطينية
    


جاء جدي سليم محمود البيك، و كأنه للتو وصل من هناك. في كل مرة يصل فيها أراه قادماً من ترشيحا. جاء و رائحة البلد و بارود معاركها عام النكبة، و زيتونها و زعترها و تبغها تجول في جيوب و بطانة جاكيته الترابي اللون و عكازه المعقوف رأسه و طاقيته البيضاء المزخرَفة كقبة مسجد تعبوا في نحتها. لهجة البلد لا تزال تتثاقل بين شفتيه و عمق فمه، أحاول دائماً تقليدها لأمحو تطفل اللهجات الأخرى التي ألصقها الشتات على جوانب لساني. بقيت ترشيحا حية طرية فيه رغم قسوة أيام اللجوء و لؤمها. تفاصيل وجهه التي خطّتها أسلاك حاصرت المخيم في زمان و مكان تعربدا بعد النكبة و بعد فلسطين، ملامح جدي تأخذ ذاكرتي إلى القادم من طرقات ترشيحا و زواريبها و سطوحها و ناسها و نسائها...
لدي الآن، إذاً، فكرة عن طرقاتها، أضيفها لما حكته و ما أرسلته لي ابنة عكا من صور، فلا أضيع هناك.
أو فلأكن هناك أولا، و كم جميل حينها أن يضيع الإنسان في قريته.
حملت جهازي- اللاب توب- إلى سريره حيث تتكدس مجلات و كتب و مصحف و نظارات تعينه على قضمها كلها، و عدة حلاقة و علبة دوائه الذي يناديه "بالصفط"، طالما كنت أسمعها منه "صفد". ترسم هذه المقتنياتُ حالةَ لجوء مستقرة مؤقتاً، إلى أن يلتقط شفرة الحلاقة ليمررها على خديه المبللين بالرغوة، فتتجدد حالة اللجوء العنيدة فور رشق وجهه بالماء الساخن، ليبدأ اللجوء بحالة أخرى، و كأن الأولى تتجدد كلما نظر إلى المرآة بعد الحلاقة. أو كأنه كلما نظر بدأ بانتظار جديد لحالات قادمة، يشعر بالاقتراب من الأخيرة و يبتعد عن ذكرى طالما خشي أن ينساها أو تنساه. ذكرى لا يبحث عن مهرب منها إلا إليها. حيث لا تكون إلا واقعاً. و إلى حينه يرجع إلى قضم صفحات الكتب و المجلات.
جلست على سريره و قلت له محاولاً تمرير بعضاً من بسمتي إليه: لدي الكثير من صور ترشيحا.. صوراً حديثة.. أخبرني عنها كلها.. أسماء الأمكنة.. الساكنين فيها.. أحداث صارت هناك.. و كأنني صدّقتُني بأنه لتوه وصل من هناك، و ليس من المخيم الذي اختاره محطة انتظار لعودة طالت. قاطعني متلهفاً و بنبرة يطغى عليها تفخيم في نطق بعض الأحرف يميز لهجة أهل الجليل، من بقي منهم و من تهجّر: يلا جدي.... ولك افتحا.. بعدك عمتحكي؟!
بدأ بالحديث بنبرات متصاعدة عن بعض البيوت و الصخور و الحارات و ما تؤدي إليه بعض المسارب و الزواريب، بدأ الكلام كمن حقاً جاء لتوه من هناك. تكاثفت مع تكاثر الصور حمرة تسللت إلى عينيه و بحة مملحة تخنق صوته، و سرب من القطرات تسبح على وجنتيه، و قلق نزق للملامح و فوضى صمت أهوج. و تنتعش هذه الاختلاطات مع كل صورة لأماكن حديثة. صار يحذر الجزم و يلجأ إلى الاحتمالات عن أماكن ربما كانت هنا قبل النكبة، أكلت التأتأة كلماته.
أدركَ عندها بأن هنالك أماكن في ترشيحا باتت غريبة عليه.
سارعتُ بسحب جهازي حين لحظت تكاتف ما تكثف على ملامح جدي الترشحاوية و ذقنه الحليقة و شاربه الأبيض الذي ما عاد يصبغه منذ وفاة جدتي، قبل بضعة أعوام. انسحبتُ عند ارتعاش شفتينا، و تركته ليهدأ من ذاكرته.
فليهدأ، ولو قليلاً.



#سليم_البيك (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كالأطفال أعجنها.. كالأطفال لا أصدق
- أبعد.. إلى طين المخيم
- كتحية ألقتها عند الباب، كنتُ، و خرجتْ
- مشاهد أقرب و أبعد
- ليش يا -رميش-.. ؟
- همس كحيفا.. أو أبرد قليلا
- بين حنين و جنون
- فيمينسونجي ... feminiswanji
- امرأة الرسالة.. لوحة تروى بالأمكنة
- من قال لم يقرعوا الجدران..؟
- تداخلات يوم واحد
- مضرّج بالأمكنة
- لقطة.. حرية
- هنا.. هناك
- عن الجليل و أيلول
- بيسارك.. على يسارك
- عالبيعة يا خيار
- قصة عاشق اسمه أبو علي مصطفى
- حبّ فلسطيني... في أربع ساعات
- موسيقى الكاتيوشا


المزيد.....




- مشهد مرعب لطائرة ركاب تهوي لـ4000 قدم في غضون دقيقة فقط
- البحرين.. تفاصيل حجز نساء وإجبارهن على -أعمال منافية- تكشفها ...
- -محسسنا أنه سيف الله المسلول-.. علاء مبارك ينتقد منشورا عن أ ...
- نشطاء خليجيون يخططون للإبحار نحو غزة لكسر الحصار
- سوريا.. أحمد الشرع يشعل تفاعلا بجملة قالها لأهل حمص خلال زيا ...
- قبل زيارته إلى الصين.. ماذا قال بوتين عن جهود موسكو وبكين لب ...
- تحليل لـCNN: ترامب-حاضرا- رغم عدم مشاركته في اجتماع لقادة ال ...
- محكمة الاستئناف الأمريكية تقضي بعدم قانونية بعض الرسوم الجمر ...
- الناتج المحلي الإجمالي في فرنسا ينمو بنسبة 0,3% في وقت تواجه ...
- -المبادرة الفلسطينية- تطالب بنقل الجلسة الأممية بشأن فلسطين ...


المزيد.....

- البحث مستمرفي خضم الصراع في ميدان البحوث الأثرية الفلسطينية / سعيد مضيه
- فلسطين لم تكسب فائض قوة يؤهل للتوسع / سعيد مضيه
- جبرا نيقولا وتوجه اليسار الراديكالي(التروتسكى) فى فلسطين[2]. ... / عبدالرؤوف بطيخ
- جبرا نيقولا وتوجه اليسار الراديكالي(التروتسكى) فى فلسطين[2]. ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ااختلاق تاريخ إسرائيل القديمة / سعيد مضيه
- اختلاق تاريخ إسرائيل القديمة / سعيد مضيه
- رد الاعتبار للتاريخ الفلسطيني / سعيد مضيه
- تمزيق الأقنعة التنكرية -3 / سعيد مضيه
- لتمزيق الأقنعة التنكرية عن الكيان الصهيو امبريالي / سعيد مضيه
- ثلاثة وخمسين عاما على استشهاد الأديب المبدع والقائد المفكر غ ... / غازي الصوراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - سليم البيك - ذاكرة جدي ترتعش