يونس متي
الحوار المتمدن-العدد: 8883 - 2026 / 11 / 8 - 04:50
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
لا تُختبر الديمقراطية الداخلية في الأحزاب السياسية عندما تتفق القيادة والقاعدة الحزبية على القرار، بل عندما يظهر خلاف جدي حول توجه سياسي أو تنظيمي مهم. ففي مثل هذه الحالات تتضح قدرة الحزب على إدارة الاختلاف، ومدى ما تتيحه مؤسساته لأعضائه ومنظماته من فرص للمشاركة في القرار ومراجعته.
وتقدم تجربة الحزب الشيوعي العراقي عام 1964، المعروفة بخط آب، مثال تاريخي يستحق التأمل في هذا السياق. فقد تبنت قيادة الحزب آنذاك توجه نحو التقارب مع حكومة عبد السلام عارف، أثار اعتراضات واسعة داخل القاعدة الحزبية والكادر المتقدم، في سياق سياسي وفكري تأثر أيضاً بمواقف سائدة في الحركة الشيوعية العالمية آنذاك.
ولم تقتنع قطاعات واسعة من أعضاء الحزب ومنظماته بذلك التوجه، وعبّرت عن رفضها له، فيما اتجهت بعض المنظمات إلى عدم تنفيذ التعليمات المرتبطة به. ومع اتساع المعارضة، تخلّى الحزب عن خط آب عام 1965. وتُظهر هذه التجربة كيف يمكن للفجوة بين القرار القيادي وقناعة القاعدة أن تتحول إلى أزمة سياسية وتنظيمية تدفع نحو مراجعة المسار. لكنها تكشف كذلك حدود الاعتراض غير المؤسسي، الذي قد يسهم في تغيير القرار في حالة معينة، من دون أن يشكل بديل دائم عن آليات ديمقراطية واضحة لمعالجة الخلاف.
وتعيدنا هذه القضية إلى تجربة أقرب زمناً، هي مشاركة الحزب في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، وما رافقها من استطلاعات لآراء المنظمات والرفاق في بعض الخيارات السياسية. فالرجوع إلى الرأي الحزبي خطوة مهمة من حيث المبدأ، لكن فاعليتها لا تتحدد بمجرد إجراء الاستفتاء، وإنما بمدى إتاحة الفرصة للمناقشة وتبادل الآراء والتأثير في القرار قبل اتخاذه.
فعندما يُجرى الاستفتاء قبل يوم أو يومين من اتخاذ القرار، أو قبل ساعات في بعض الحالات، يصبح من المشروع التساؤل عن مدى قدرته على تحقيق مشاركة فعلية. فالمنظمات الحزبية تحتاج إلى وقت مناسب لمناقشة الخيارات وفهم البدائل والنتائج المحتملة. أما الاستفتاء الذي يأتي في اللحظات الأخيرة، فقد يستوفي إجراءاته التنظيمية من دون أن يتيح نقاش كافي أو مشاركة مؤثرة.
وقد أثارت النتائج المتدنية التي حصل عليها مرشحو الحزب في الانتخابات البرلمانية الأخيرة تساؤلات بشأن أسبابها ودلالاتها، ومدى ارتباطها بالظروف السياسية والانتخابية، وبطبيعة قرار المشاركة والكيفية التي جرى بها اتخاذه. ولا تكفي النتائج وحدها للاستنتاج بأن القاعدة الحزبية لم تكن مقتنعة بقرار المشاركة أو أنها لم تعمل على تنفيذه، إذ تتداخل في تفسيرها عوامل متعددة. لكنها تستدعي مراجعة داخلية موضوعية لتقييم تجربة المشاركة، والبحث في مدى كفاية النقاش الذي سبق اتخاذ القرار، ومدى إتاحة الفرصة للمنظمات والرفاق للتعبير عن آرائهم والتأثير في الخيارات المطروحة.
ولا تتمثل المقارنة بين التجربتين في افتراض تطابقهما، فلكل منهما ظروفها وملابساتها، بل في الدرس التنظيمي الذي تثيرانه، إذ لا يكفي صدور القرار القيادي لضمان تحوله إلى قناعة مشتركة وفعل منظم. فالقرار يحتاج إلى نقاش يتيح فهمه، وإلى اقتناع بوجاهته، وإلى استعداد لتحمل مسؤولية تنفيذه. وعندما يستمر خلاف جدي من دون معالجة مقنعة، قد يتراجع الالتزام الفعلي بالقرار، أو يتحول إلى التزام شكلي، أو تتسع المسافة بين الأعضاء والعمل الحزبي.
هنا تبرز أهمية النظام الداخلي المقترح للمؤتمر الوطني الثاني عشر، بوصفه الإطار الذي ينبغي أن ينظم العلاقة بين صلاحيات الهيئات القيادية وحقوق الأعضاء والمنظمات، وأن يحدد سبل معالجة الخلاف عندما لا تكفي الآليات المعتادة لحسمه.
فالمادة (1/ثالثاً/د) تقر حق المنظمات الحزبية وأعضاء الحزب في الاعتراض على قرارات الهيئات القيادية والمطالبة بإعادة النظر فيها، مع توضيح الأسباب، وتلزم الهيئة القيادية بالنظر في الاعتراض خلال شهر من تاريخ استلامه من الهيئة التي تصادق على القرار. وتمثل هذه الصياغة خطوة مهمة في الاعتراف بحق الاعتراض وتنظيمه، لكنها تترك سؤال أساسي يتعلق بما يترتب عليه. فالنص يلزم الهيئة بالنظر في الاعتراض، ولا يحدد بصورة كافية كيفية معالجته، أو ما ينبغي فعله إذا لم تقتنع الهيئة بالأسباب المقدمة، أو إذا استمر الخلاف بعد ردها. كما يشترط استمرار تنفيذ القرار إلى حين البت في الاعتراض والاتفاق بشأنه.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى توضيح إجراءات معالجة الاعتراض، بما يضمن مناقشة أسبابه والرد عليها بصورة معللة، ويحدد الخطوات التالية إذا استمر الخلاف الجوهري. فحق الاعتراض لا يقتضي أن يُقبل كل اعتراض، لكنه ينبغي ألا يتحول إلى إجراء شكلي ينتهي بمجرد تسجيله أو الرد عليه من دون معالجة فعلية لأسبابه.
أما المادة (1/سادساً/ب)، فتنص على (رجوع الهيئات القيادية إلى الرأي العام الحزبي عند بحث قضايا أساسية مستجدة وذلك بإجراء استفتاء داخلي)، كما تدعو إلى طرح الوثائق المتعلقة بهذه القضايا للمناقشة الحزبية العامة قبل اتخاذ القرارات بشأنها، وفي مدة مناسبة.
إن إقرار هذا المبدأ مهم، لكن تطبيقه يحتاج إلى مزيد من الوضوح. فما القضايا التي تستوجب إجراء الاستفتاء؟ ومن يحدد ضرورة إجرائه؟ وما المدة المناسبة لإتاحة النقاش؟ وكيف تُعلن النتائج وتُفسر؟ وهل تكون استشارية أم ملزمة في القضايا التي يُجرى الاستفتاء بشأنها؟ وإذا كانت استشارية، فما الضوابط التي تحكم قرار القيادة عندما يتعارض مع رأي الأغلبية المشاركة، وكيف تُبيّن أسباب عدم الأخذ بنتائج الاستفتاء؟
لا تحسم المسودة هذه المسائل بصورة كافية، الأمر الذي قد يجعل المشاركة متاحة من الناحية الشكلية، من دون أن يكون أثرها في صنع القرار واضحاً. لذلك، أقترح أن يتضمن النظام الداخلي أو لائحته التنظيمية قواعد أكثر تحديداً بشأن الاستفتاء الداخلي، تشمل القضايا التي يُلجأ إليه فيها، والوقت اللازم للمناقشة، وطريقة إعلان نتائجه، ومكانتها في اتخاذ القرار، وآلية التعامل مع النتائج المخالفة لتوجه القيادة، مع توضيح مبررات أي قرار لا يأخذ بها.
وتتصل بذلك مسألة أخرى، هي حق القاعدة الحزبية في اللجوء إلى المؤتمر الوطني عندما يتعذر حل خلاف جوهري داخل الهيئات القائمة. فالمادة (15) تمنح اللجنة المركزية صلاحية الدعوة إلى مؤتمر وطني استثنائي في ظروف استثنائية، بموافقة ثلثي أعضائها، لكنها لا تحدد مسار مستقل وواضح يتيح لنسبة محددة من أعضاء الحزب أو منظماته تقديم طلب لعقد مثل هذا المؤتمر، مع إلزام اللجنة المركزية بالنظر فيه والرد عليه خلال مدة معلومة.
إن تنظيم هذا الحق لا يعني أن المؤتمر الاستثنائي ينعقد تلقائياً بمجرد تقديم الطلب، ولا ينتقص من صلاحيات اللجنة المركزية ومسؤولياتها. لكنه يتيح للقاعدة الحزبية، عند توفر أسباب جدية، أن تطلب اللجوء إلى أعلى هيئة حزبية لمعالجة خلاف يتعذر حله بالوسائل القائمة. ويمكن أن يتضمن النص تحديد نسبة مقدمي الطلب، وشروط تقديمه، والمدة الممنوحة للجنة المركزية للبت فيه، وضرورة تعليل قرار الرفض، والإجراء المتبع إذا لم يُبت في الطلب خلال المدة المحددة.
إن تطوير الديمقراطية الداخلية لا يعني إخضاع كل قرار للتصويت، ولا افتراض أن رأي الأغلبية صحيح دائماً أو أن القيادة مخطئة بالضرورة. المقصود هو إقامة توازن واضح بين مسؤولية الهيئات القيادية وحقوق الأعضاء والمنظمات، بحيث تستطيع القيادة اتخاذ القرارات وممارسة صلاحياتها، وفي الوقت نفسه تتوفر للقاعدة فرص حقيقية للمشاركة والنقد والمطالبة بالمراجعة، مع وجود آليات معلومة لمعالجة الخلافات التي تستمر ولا تنجح الإجراءات المعتادة في حلها.
لقد أظهرت تجربة خط آب أن اتساع الفجوة بين القرار القيادي وقناعة القاعدة قد يدفع إلى أزمة سياسية وتنظيمية، فيما تثير التجربة الانتخابية الأخيرة تساؤلات تستحق الدراسة بشأن فاعلية أساليب المشاركة والاستفتاء ومدى تأثيرها في القرار. والمطلوب ليس إسقاط تجربة على أخرى، بل استخلاص ما يساعد على منع تراكم الخلافات وتحويلها إلى مشكلات يصعب احتواؤها.
إن الحزب الذي يسعى إلى تجديد دوره السياسي يحتاج إلى تطوير آليات عمله الداخلي بالتوازي مع تجديد برنامجه وأساليب نشاطه. فوحدة الحزب لا تتحقق بالالتزام الشكلي بالقرارات وحده، بل تتعزز عندما يشعر الأعضاء بأن آراءهم مسموعة، وأن الاعتراض الجدي يجد طريقه إلى المعالجة، وأن الخلاف يمكن أن يُناقش داخل المؤسسات، وأن هناك سبيل واضح لمراجعة القرار عندما تظهر أسباب تستدعي ذلك.
النظام الداخلي الديمقراطي لا يعني أن القيادة لا تخطئ، أو أن القاعدة على صواب دائماً. فالخطأ وارد، والاختلاف أمر طبيعي، والمهم أن تتوفر داخل الحزب وسائل واضحة لمناقشة الخلافات ومعالجة الأخطاء وتصحيح القرارات.
المسألة، في النهاية، ليست الاختيار بين القيادة والقاعدة، بل بناء علاقة مؤسسية تجعل القرار أكثر تعبيراً عن إرادة الحزب، وأكثر قدرة على كسب اقتناع أعضائه وتحويله إلى فعل سياسي منظم.
#يونس_متي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟