أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الصحافة والاعلام - راوية رياض الصمادي - ويكيليكس: من كسر احتكار الأسرار إلى أرشيف خامل… قراءة نقدية في مسيرة منصة غيّرت قواعد اللعبة















المزيد.....

ويكيليكس: من كسر احتكار الأسرار إلى أرشيف خامل… قراءة نقدية في مسيرة منصة غيّرت قواعد اللعبة


راوية رياض الصمادي

الحوار المتمدن-العدد: 8882 - 2026 / 11 / 7 - 21:48
المحور: الصحافة والاعلام
    


عندما ظهرت ويكيليكس على الإنترنت عام 2006، لم تكن مجرد موقع آخر لنشر الوثائق، بل كانت تعبيراً عن فلسفة ترى أن الأسرار الحكومية الواسعة تغذي الفساد، وأن الشفافية وسيلة لمحاسبة السلطات. وبعد نحو عقدين، تحولت المنصة من رمز عالمي لكشف التجاوزات إلى موضوع جدل واسع، تتنازعه أوصاف «الخطر» و«المنقذ». والحقيقة أن قصة ويكيليكس ليست قصة منصة واحدة، بل قصة حقبة من التحولات الرقمية والسياسية والقانونية، تستحق قراءة نقدية هادئة بعيداً عن الإثارة.

النشأة: فكرة سبقت عصرها

تأسست ويكيليكس عام 2006 بمبادرة من الصحفي الأسترالي جوليان أسانج وفريق من الناشطين والتقنيين. جاءت الفكرة في سياق ما بعد أحداث 11 سبتمبر والحرب على الإرهاب، حين توسعت الحكومات في جمع المعلومات وتصنيفها كسرية. قدمت المنصة نفسها كمنصة للمصادر المجهولة، تتيح إرسال الوثائق عبر قنوات مشفرة، ثم يراجع فريق المنصة المحتوى وينشره. كان هذا النموذج ثورياً في وقته؛ فقد كسر الحاجز التقليدي بين المصدر والصحفي والمنصة. لكنه حمل أيضاً أسئلة مستقبلية صعبة: من يراجع الوثائق؟ وما معايير النشر؟ ومن يتحمل مسؤولية الأخطاء؟

التسريبات الكبرى: حين أصبحت الوثائق سلاحاً ذا حدين

بلغت المنصة ذروتها عام 2010، عندما نشرت مئات الآلاف من الوثائق العسكرية والدبلوماسية المتعلقة بحربي العراق وأفغانستان. كان من أبرز ما كشفته:

· فيديو «القتل الجانبي» (Collateral Murder): أظهر مشاهد من غارة جوية أمريكية في بغداد عام 2007 أسفرت عن مقتل مدنيين وصحفيين، ما أثار نقاشاً عالمياً حول أخلاقيات الحرب ومسؤولية القوات الأمريكية.
· سجلات حرب العراق وأفغانستان: كشفت عن انتهاكات وتفاصيل العمليات العسكرية، وشملت مئات الآلاف من الوثائق السرية.
· برقيات وزارة الخارجية الأمريكية: كشفت عن كواليس السياسة الخارجية الأمريكية وتقييماتها لزعماء العالم.
· وثائق غوانتانامو: ألقت الضوء على ظروف الاعتقال وأساليب التحقيق.

هذه التسريبات لم تكن «خطراً» مباشراً على القارئ العادي، بل كانت مادة خاماً لصحافة استقصائية عالمية أعادت فتح ملفات المسؤولية والشفافية. لكنها أثارت في الوقت نفسه جدلاً حول حدود النشر، وحول ما إذا كانت بعض الوثائق تضع أرواحاً في خطر.

القضية القانونية: ثمن لا يُقاس بالسنوات فقط

دفع مؤسس المنصة ثمن هذه التسريبات شخصياً. بعد سنوات من الملاحقة القضائية واللجوء إلى سفارة الإكوادور في لندن بين عامي 2012 و2019، اعتُقل أسانج وحُبس في بريطانيا لسنوات. وفي يونيو 2024، أُبرمت صفقة اعتراف بالذنب مع القضاء الأمريكي، اعترف بموجبها بتهمة واحدة تتعلق بالتآمر للحصول على معلومات سرية ونشرها، مقابل إطلاق سراحه. عاد أسانج إلى أستراليا رجلاً حراً، لكن القضية تركت أثراً عميقاً في النقاش حول حرية الصحافة، وحول ما إذا كانت القوانين الحالية كافية لحماية الصحفيين الذين ينشرون معلومات تخدم المصلحة العامة.

إشكالية المصداقية: ما وراء الوثائق

لم تكن مسيرة ويكيليكس خالية من الانتقادات الجوهرية. فمنذ سنواتها الأولى، وُجهت إليها اتهامات بنشر كميات هائلة من الوثائق دون تمحيص كافٍ. والأخطر من ذلك، اتهامها بـ«الدوكسينغ» أي كشف بيانات شخصية لأفراد أبرياء. في عام 2016، أدى نشرها لرسائل بريد إلكتروني مسربة إلى كشف بيانات ناخبين في تركيا، مما عرض ملايين الأتراك لمخاطر الكشف عن معلوماتهم الشخصية. هذه الانتقادات تؤكد أن التعامل مع ويكيليكس ككيان «منقذ» أو «مرعب» على حد سواء يتجاهل تعقيدات أخلاقيات النشر غير الممحص.

الوضع الحالي: أرشيف خامل ومحاولات إعادة إحياء

خلافاً للانطباع الذي قد يتركه محتوى درامي على منصات الفيديو، فإن الموقع الأصلي لويكيليكس لم يعد المنصة النشطة التي عرفها العالم. فقد وصفته تقارير صحفية بأنه خامل إلى حد كبير، مع تراجع نشاطه بشكل حاد بعد عام 2021. بعبارة أخرى، ويكيليكس اليوم أشبه بأرشيف تاريخي مثير للجدل، وليس كياناً نشطاً. في المقابل، ظهرت في السنوات الأخيرة محاولات لإعادة إحياء «العلامة التجارية» تحت مسميات جديدة، بمشاركة شخصيات من دول أخرى، مما يعني أن أي حديث عن «ويكيليكس» اليوم يجب أن يفرّق بوضوح بين الأرشيف التاريخي الأصلي والمشروع الجديد الذي يحمل الاسم نفسه.

الدرس القانوني: حدود النشر في السياق الأردني

بالنسبة للقارئ أو الكاتب في الأردن، تكتسب مسألة التعامل مع المواد المسربة بعداً قانونياً بالغ الأهمية. ينظم قانون حماية أسرار ووثائق الدولة الأردني رقم 50 لسنة 1971 التعامل مع الوثائق المصنفة سرية، وينص على عقوبات مشددة على إفشاء الأسرار أو تسريبها دون سبب مشروع. لذلك لا يجوز الاعتماد على ملخص مقال كبديل عن النص الرسمي للقانون أو عن استشارة قانونية متخصصة.

وهنا يبرز تمييز جوهري: كتابة مقال عن ويكيليكس تختلف جذرياً عن إعادة نشر محتوى الوثائق المسربة. المقال التحليلي الذي يعتمد على مصادر صحفية وأكاديمية موثوقة آمن قانونياً عموماً، بينما تنزيل الوثائق الأصلية أو تداولها قد يعرض الكاتب أو القارئ لمساءلة قانونية خطيرة.

خاتمة: درس في الشفافية لا في الرعب

ويكيليكس ليست «منصة مرعبة» يجب أن يخشاها القارئ العادي، لكنها في الوقت نفسه ليست أسطورة معصومة. إنها تجربة تاريخية غنية بالدروس: عن قدرة التكنولوجيا على كشف تجاوزات السلطة، وعن الثمن الباهظ الذي يدفعه من يقف خلف هذه الكشوف، وعن المخاطر الأخلاقية والقانونية التي تترتب على النشر غير المسؤول. اليوم، ومع خمود المنصة الأصلية وتحولها إلى أرشيف مثير للجدل، فإن أفضل ما يمكن فعله هو التعامل معها كموضوع للدراسة النقدية، لا كمصدر للبحث المباشر أو كقصة إثارة.

---

قائمة المصادر والمراجع

1. ويكيبيديا العربية (مقال جوليان أسانج).
2. كتاب "WikiLeaks: News in the Networked Era" للمؤلفين Charlie Beckett وJames Ball.
3. كتاب "WikiLeaks: Inside Julian Assange s War on Secrecy" للصحفيين David Leigh وLuke Harding.
4. الفيلم الوثائقي "WikiSecrets" من إنتاج برنامج FRONTLINE على قناة PBS الأمريكية.
5. فيديو "اخطر التسريبات بالتاريخ | كيف كشف مؤسس ويكيليكس اسرار البنتاغون الخطيرة" من قناة "Abulsadiq - ابو الصادق" على يوتيوب (مصدر سردي/توثيقي ثانوي).
6. صحيفة الغارديان (The Guardian): تحقيق "Afghanistan war logs: Story behind biggest leak in intelligence history" (25 يوليو 2010).
7. أرشيف صحيفة نيويورك تايمز: صفحة "The War Logs - WikiLeaks Documents".
8. بي بي سي عربي: تقرير "برادلي الجندي الذي يعتقد انه سرب الوثائق الأمريكية السرية لويكيليكس" (30 نوفمبر 2010).
9. صحيفة نيويورك تايمز (NYT): صفحة الفيديو "Video: Collateral Murder ".
10. شبكة ABC الأسترالية: تقرير "Leaked video shows gunship killing journalists" (6 أبريل 2010).
11. منظمة العفو الدولية (Amnesty International): بيان صادر في 7 أبريل 2010.
12. وكالة المغرب العربي للأنباء (SNRT): تقرير "جوليان أسانج حر بعد صفقة مع الولايات المتحدة" (25 يونيو 2024).
13. وكالة الأنباء الأردنية (بترا): خبر "واشنطن: مؤسس ويكيليكس يبرم اتفاقا مع القضاء الأميركي يعيد إليه حريته" (25 يونيو 2024).
14. وكالة Swissinfo: تقرير "جوليان أسانج يحطّ في أستراليا بعد الإفراج عنه" (26 يونيو 2024).
15. مجلة WIRED: مقال "WikiLeaks Has Officially Lost the Moral High Ground" (27 يوليو 2016).
16. منظمة IAPP: مقال "Ethics and the privacy harms of WikiLeaks" (26 يوليو 2016).
17. مجلة The New Republic: مقال "Edward Snowden and Wikileaks are having a very public falling-out" (29 يوليو 2016).
18. صحيفة Frankfurter Rundschau: تقرير "Was bleibt von Wikileaks?" (22 فبراير 2024).
19. ويكيبيديا (بالإسبانية): مقال "WikiLeaks".
20. النص الرسمي لقانون حماية أسرار ووثائق الدولة الأردني رقم 50 لسنة 1971، موقع وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات الأردنية (moict.gov.jo).

---



#راوية_رياض_الصمادي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الأمن السيبراني: درع الوعي الذي يحميك من فخاخ العالم الرقمي
- النص من النص: قراءة إنتاجية في قصة -الشجرة- لسناء الشعلان در ...
- النور في الأردن: من شاركوا في تأسيس الدولة إلى مواطنين من ال ...
- النص من النص: قراءتان في نصوص سناء الشعلان دراسة تطبيقية في ...
- ألن دالاس: عقل المخابرات الأمريكية.. وضحايا العقل
- تقاسيم الوجع: جماليات التكثيف والسرد المضاد في «تقاسيم الفلس ...
- العبور إلى الجسد الآخر: جماليات الهوية والجسد في رواية -أعشق ...
- العتبات النقدية الجديدة: قراءة في كتاب -Critical Inflections ...
- النسيانُ الذي يُنقِذ: قراءة نفسية-سردية في رواية -أدركها الن ...
- مرافئ الغيم وأصداء المنفى: قراءة نقدية في التجربة الشعرية عن ...
- لماذا تدفع شوارع الأردن ثمن الظل المفقود؟
- رئة عمّان تُقتلع: لماذا يجب أن نتوقف الآن؟
- عندما تُقطع الأشجار: قراءة في مخاطر إزالة الأشجار من شوارع ا ...
- دليل شامل لملفات M38: الفهم والإنشاء والاستخدام
- المرأة تستخدم ضعفي عدد الكلمات التي يستخدمها الرجل
- لماذا لا تحتوي بعض اللغات على كلمة -أزرق-؟
- هل تحتوي بعض اللغات على 100 كلمة لكلمة -ثلج-؟
- اهداء إلى روح أبي
- الطفل الضائع جون
- ما هي السيرة الذاتية؟


المزيد.....




- إصابة 64 شخصًا جراء تصادم قطارين في مصر
- هجوم كراكوف.. الضحايا مواطنو روسيا وبريطانيا والنمسا وألماني ...
- إيران: أي جهة تتعاون مع واشنطن وتهددنا ستصبح هدفا مشروعا لنا ...
- مشاهد اشتعال ناقلة نفط ثالثة في مضيق هرمز
- -بوليتيكو-: -الناتو- يبحث عن 7 مليارات يورو إضافية لتسليح أو ...
- بريطانيا تحيي ذكرى ضحايا الحربين العالميتين
- الحوثيون يعلنون عن عمليات عسكرية نوعية نفذت اليوم في العمق ا ...
- السيسي: مصر لن يكفيها إلا أن يكون لديها 10 آلاف مجدي يعقوب
- أقدم دليل أثري على استخدام القنب في طقوس التضحية بسيبيريا
- إصابة أكثر من 60 شخصاً في انقلاب قطار بمصر


المزيد.....

- مكونات الاتصال والتحول الرقمي / الدكتور سلطان عدوان
- السوق المريضة: الصحافة في العصر الرقمي / كرم نعمة
- سلاح غير مرخص: دونالد ترامب قوة إعلامية بلا مسؤولية / كرم نعمة
- مجلة سماء الأمير / أسماء محمد مصطفى
- إنتخابات الكنيست 25 / محمد السهلي
- المسؤولية الاجتماعية لوسائل الإعلام التقليدية في المجتمع. / غادة محمود عبد الحميد
- داخل الكليبتوقراطية العراقية / يونس الخشاب
- تقنيات وطرق حديثة في سرد القصص الصحفية / حسني رفعت حسني
- فنّ السخريّة السياسيّة في الوطن العربي: الوظيفة التصحيحيّة ل ... / عصام بن الشيخ
- ‏ / زياد بوزيان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الصحافة والاعلام - راوية رياض الصمادي - ويكيليكس: من كسر احتكار الأسرار إلى أرشيف خامل… قراءة نقدية في مسيرة منصة غيّرت قواعد اللعبة