أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - راوية رياض الصمادي - ألن دالاس: عقل المخابرات الأمريكية.. وضحايا العقل















المزيد.....

ألن دالاس: عقل المخابرات الأمريكية.. وضحايا العقل


راوية رياض الصمادي

الحوار المتمدن-العدد: 8835 - 2026 / 9 / 21 - 22:54
المحور: الادب والفن
    


مقدمة: الرجل الذي صنع الظل

في عام 1963، وبينما كانت أمريكا تلملم جراحها بعد اغتيال كينيدي، كان رجل يكتب مذكراته. اسمه ألن دالاس. كان قد أُقيل من رئاسة وكالة المخابرات المركزية قبل عامين، بعد فشل غزو خليج الخنازير. لكنه لم يكن رجلاً عادياً. كان الأخ الأصغر لجون فوستر دالاس، وزير الخارجية الأكثر نفوذاً في تاريخ أمريكا. كان الرجل الذي أدار المخابرات الأمريكية في ذروة الحرب الباردة. كان الرجل الذي أطاح بحكومة إيران عام 1953، وأطاح بحكومة غواتيمالا عام 1954. كان الرجل الذي حاول اغتيال كاسترو. كان الرجل الذي رأى كل شيء.

والآن، في كتابه الذي حمل عنوان "فن الاستخبارات" (The Craft of Intelligence)، يحدثنا دالاس عن "السرية" و"الخداع" و"الصدق". يحدثنا عن "الرجال الأليين" الذين "حولوا العالم إلى دارة كهربائية". يحدثنا عن "الدقة" و"النظام". لكنه لا يحدثنا عن الضحايا. لا يحدثنا عن الديمقراطيات التي أُسقطت. لا يحدثنا عن الدول التي دُمِّرت.

هذا المقال لا يهدف إلى إعادة سرد ما قاله دالاس. هذا المقال يهدف إلى قراءة ما لم يقله. إلى تفكيك الصمت في مذكراته. إلى سؤال الرجل الذي صنع الظل.. عن ثمن الظل.

---

من هو ألن دالاس؟

ألن ويلش دالاس (1893-1969) هو أول مدني يتولى رئاسة وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA)، وأطول مدير خدم في هذا المنصب. التحق بجامعة برينستون وتخرج منها عام 1914، ثم عمل في السلك الدبلوماسي الأمريكي من 1916 إلى 1926، وعمل بعدها محامياً في شركة "سوليفان وكرومويل" التي كان لها دور مثير للجدل في حماية المصالح النازية قبل الحرب.

خلال الحرب العالمية الثانية، عمل دالاس في مكتب الخدمات الاستراتيجية (OSS) من سويسرا، حيث أدار شبكة تجسس واسعة ضد ألمانيا النازية. بعد الحرب، ساعد في إنشاء وكالة المخابرات المركزية عام 1947، ثم تولى رئاستها من 1953 إلى 1961 تحت إدارتي أيزنهاور وكينيدي. أُقيل بعد فشل غزو خليج الخنازير، لكنه ظل شخصية نافذة حتى وفاته، وكان عضواً في لجنة وارن التي حققت في اغتيال كينيدي.

---

ما قاله دالاس.. وما لم يقله

كتابه "فن الاستخبارات" هو ليس سيرة ذاتية، بل محاولة لوصف وتحليل "الاستخبارات" كمهنة وفن. في هذا الكتاب، يشرح دالاس كيف يتم تجنيد العملاء وتدريبهم، وكيف تعمل أجهزة المخابرات، ويقارن بين التقنيات الأمريكية والسوفيتية، ويتحدث عن عمليات التجسس عبر التاريخ.

لكن ما الذي لم يقله دالاس؟

لم يذكر دالاس في كتابه العمليات التي أطاحت بحكومات ديمقراطية منتخبة. لم يذكر كيف أن عملية "أجاكس" في إيران عام 1953 أطاحت برئيس الوزراء محمد مصدق، الذي كان قد أمم شركة النفط الأنجلو-إيرانية، وأعادت الشاه إلى العرش. وقد أعطى دالاس موافقته على تخصيص مبلغ مليون دولار لاستخدامه "بأي طريقة تؤدي إلى إسقاط" رئيس الوزراء. ولم يذكر كيف أن عملية "النجاح" (PBSUCCESS) في غواتيمالا عام 1954 أطاحت بالرئيس المنتخب جاكوبو أربينز، الذي كان قد صادر 400 ألف فدان من مزارع شركة "الفاكهة المتحدة" الأمريكية. وقد كان دالاس وشقيقه من مساهمي شركة الفاكهة المتحدة.

لم يذكر دالاس كيف أن هذه العمليات أخفت ثمنها الحقيقي. بالنسبة للكثيرين داخل إيران وغواتيمالا، أصبحت الولايات المتحدة - وتحديداً وكالة المخابرات المركزية - مرادفة للقمع الوحشي والتعذيب الذي مارسته الأنظمة اليمينية التي نصبتها. ولم يذكر كيف أن فشل غزو خليج الخنازير عام 1961 لم يكن مجرد فشل عسكري، بل كان نتيجة لـ "الحفاظ المتعمد على الرئيس كينيدي في الظلام" بشأن احتمالات فشل العملية. وقد كتب دالاس لاحقاً مقالاً بعنوان "جوابي على خليج الخنازير"، لكنه لم يُنشر قط.

لم يذكر دالاس تجاربه مع عقار LSD، ولا محاولاته المتكررة لاغتيال فيدل كاسترو، ولا تورطه المزعوم في مؤامرات ضد رؤساء أمريكيين أنفسهم. كتابه عن "فن الاستخبارات" يصف كيف تُصنع العمليات، لكنه لا يصف لماذا تُصنع، ولا ثمنها.

---

الفجوة الأخلاقية

دالاس يتحدث في كتابه عن "النجاح" و"الفشل". لكن ما هو "النجاح" في قاموسه؟ إسقاط حكومة ديمقراطية؟ اغتيال زعيم أجنبي؟ تدمير بلد كامل؟

المؤرخ ديفيد تالبوت، في كتابه "رقعة الشيطان" (The Devil s Chessboard)، يصف دالاس بأنه كان يجسد "الانعدام الأخلاقي المخيف الذي ساد في قمة السلطة الأمريكية". ويقول إن دالاس كان يمارس "السيطرة اللامحدودة" كحارس للأمن القومي، بينما تحولت وكالته إلى "قوة مظلمة وغازية - في الداخل والخارج - تنتهك خصوصية المواطنين، وتختطف، وتعذب، وتقتل حسب الرغبة".

في كتابه، يتحدث دالاس عن الأخلاق. لكنه لا يذكر أن وكالة المخابرات المركزية تحت قيادته كانت تُجري تجارب خطيرة على أدمغة البشر، بما في ذلك تجارب بـ LSD لمعرفة ما إذا كان يمكن استخدامه لصنع "مخربين أو قتلة شبيهين بالزومبي". في عام 1953، كان دالاس قلقاً من احتمال أن تسيطر السوفيت على إمدادات LSD العالمية، فدفع وكالة المخابرات المركزية لشراء إمدادات كبيرة منه، ثم أطلقت الوكالة برنامج "MK-ULTRA" تحت إشراف الكيميائي سيدني غوتليب، وتعاقدت مع شركة "إيلي ليلي" لتصنيع LSD بكميات ضخمة.

---

دالاس والوطن العربي

كيف نقرأ دالاس من موقعنا؟

في عام 1953، كان دالاس مسؤولاً عن الإطاحة بحكومة مصدق في إيران. هذا الحدث كان له تأثير عميق على المنطقة العربية، لأنه أظهر أن الديمقراطية لا تعني شيئاً عندما تتعارض مع المصالح الأمريكية. وفي عام 1954، كرر التجربة في غواتيمالا. وكانت هذه العمليات بمثابة "درجات" في مدرسة التدخل التي طبقتها أمريكا في العالم العربي لاحقاً.

ولم يكن دالاس بعيداً عن الجزائر. يذكر أن دالاس كان يعتقد أن مقترحات ديغول بشأن الجزائر "ستلقى معارضة من المستوطنين والجيش في الجزائر". وتشير بعض المصادر إلى أن دالاس "نسّق جهود جنرالات فرنسيين متقاعدين ويمينيين فرنسيين ومتعاطفين مع النازيين لقلب نظام شارل ديغول، الذي أراد منح الجزائر استقلالها"، لأن دالاس وآخرين كانوا يخشون من أن الجزائر المستقلة ستصبح شيوعية، مما يمنح السوفيت قاعدة في أفريقيا. هذا الرجل، الذي كان يرى نفسه "ذراع السلطان، لكن اليسرى، المكلفة بإنجاز أحطّ الجرائم وحياكة المؤامرات"، هو نفسه الذي يتحدث في كتابه عن "السرية" و"الخداع" وكأنها فضائل.

السؤال الذي يجب أن نطرحه: هل يمكن أن نتعلم من "تقنيات" دالاس دون أن نتبنى "أخلاقه"؟

ربما. لكن يجب أن نعرف أولاً أن "تقنياته" كانت دائماً في خدمة "أخلاقه". لم تكن هناك تقنيات محايدة. كانت كل عملية تجسس، وكل اغتيال، وكل انقلاب، يخدم مشروعاً سياسياً واحداً: الهيمنة الأمريكية.

---

خاتمة: سؤال بلا جواب

هل كان دالاس "وطنيًا" أم "مجرم حرب"؟ أم الاثنان معًا؟

الإجابة تعتمد على من يسأل. بالنسبة للمؤرخين الأمريكيين، قد يكون دالاس "عبقرياً" و"محباً لبلاده". بالنسبة للإيرانيين والغواتيماليين والكونغوليين، هو الرجل الذي دمر بلادهم. بالنسبة لنا، نحن العرب، هو الرجل الذي ساعد في بناء نظام عالمي لا يزال يؤثر على حياتنا حتى اليوم.

والمفارقة الكبرى: الرجل الذي كتب كتاباً عن "فن الاستخبارات" هو نفسه الرجل الذي فشل في أضعف العمليات الاستخباراتية (خليج الخنازير)، والذي اعترف بأنه "حفظ الرئيس في الظلام". هذا الرجل، الذي يتحدث عن "الدقة" و"النظام"، هو نفسه الذي ساعد في تدمير دول كاملة.

والسؤال الذي يبقى: إذا كان "الذكاء" يعني القدرة على التدمير، فما الفرق بين "الذكاء" و"الوحشية"؟

الجواب: لا فرق. الفرق كله في من يكتب التاريخ. دالاس كتب كتابه. ونحن، علينا أن نقرأه بعيون مفتوحة، ونحن نعرف ما لم يقله.

---

المصادر والمراجع

أولاً: المصادر العربية

1. راوية رياض الصمادي، "سيرة ذاتية عن رئيس جهاز المخابرات الأمريكية السابق ألن دالاس ونظرته المتعمقة ذات البعد التحليلي"، الحوار المتمدن، 2009. الرابط
2. ويكيبيديا العربية، "ألن دالس". الرابط
3. العين الإخبارية، "سابقة تاريخية.. ماذا حدث عندما أطاحت الولايات المتحدة بحكومة إيرانية؟"، 2025. الرابط
4. راي اليوم، "أبناء آوى في قرطاج: محاولات اغتيال قيس سعيّد"، 2021. الرابط
5. الاتحاد، "اغتيال كنيدي.. وصعود الحكومة السرية"، 2015. الرابط

ثانياً: المصادر الإنجليزية

6. Allen W. Dulles, The Craft of Intelligence, Harper & Row, New York, 1963. (277 pp.)
7. Nick Cullather, Secret History: The CIA s Classified Account of Its Operations in Guatemala, 1952-1954, Stanford University Press, 1999. Google Books
8. Lucien S. Vandenbroucke, "The Confessions of Allen Dulles: New Evidence on the Bay of Pigs", Diplomatic History, Vol. 8, No. 4, 1984. Internet Archive
9. David Talbot, The Devil s Chessboard: Allen Dulles, the CIA, and the Rise of America s Secret Government, Harper, 2015. Amazon
10. Eli Lilly s LSD Patents & U.S. Military Evaluation, DTIC Document AD0354374. Internet Archive
11. Robert R. Bowie, "Lifting the Cloak, But Only a Bit", The Washington Post and Times Herald, October 13, 1963. CIA Reading Room
12. Foreign Relations of the United States, 1958–1960, Volume XIII, Arab-Israeli Dispute United Arab Republic North Africa. Office of the Historian
13. Allen W. Dulles, Oral History Interview, JFK Library, December 5-6, 1964. JFK Library
14. Wikipedia, "Allen Dulles". Wikipedia



#راوية_رياض_الصمادي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تقاسيم الوجع: جماليات التكثيف والسرد المضاد في «تقاسيم الفلس ...
- العتبات النقدية الجديدة: قراءة في كتاب -Critical Inflections ...
- النسيانُ الذي يُنقِذ: قراءة نفسية-سردية في رواية -أدركها الن ...
- مرافئ الغيم وأصداء المنفى: قراءة نقدية في التجربة الشعرية عن ...
- لماذا تدفع شوارع الأردن ثمن الظل المفقود؟
- رئة عمّان تُقتلع: لماذا يجب أن نتوقف الآن؟
- عندما تُقطع الأشجار: قراءة في مخاطر إزالة الأشجار من شوارع ا ...
- دليل شامل لملفات M38: الفهم والإنشاء والاستخدام
- المرأة تستخدم ضعفي عدد الكلمات التي يستخدمها الرجل
- لماذا لا تحتوي بعض اللغات على كلمة -أزرق-؟
- هل تحتوي بعض اللغات على 100 كلمة لكلمة -ثلج-؟
- اهداء إلى روح أبي
- الطفل الضائع جون
- ما هي السيرة الذاتية؟
- فروقات بين المرأة والرجل والكثير من المتناقضات التي تثير الج ...
- لماذا لا يقول الرجل -أحبك-؟
- اختلافات بين الرجل والمرأة دعنا نكتشفها ونتعلم كيف نتعامل مع ...
- الحب في زمن الكورونا
- أدم
- رسالة موجه للمعلمين الذين يطالبون بزيادة مرتباتهم


المزيد.....




- بعد حفل أصالة.. هل تعود -إنانا- لإنتاج عروض المسرح الراقص في ...
- -ليس الحب الأول. اعتراف الحزن والفرح-.. كتاب سيمونيان يتصدر ...
- مبابي يتحدث عن -صدمة الديربي- ويصف تدريب زيدان لفرنسا بـ-الف ...
- أزمة نيشان وياسمين عز تعود إلى الواجهة.. حكم جديد في دبي وآخ ...
- تأجيل مهرجان البحر الأحمر مع استمرار برامجه السينمائية
- وزير الثقافة اليمني: فرص التسوية تتلاشى وصنعاء هي هدفنا الاس ...
- توقيف المدون نيكوغلاي في مولدوفا بشبهة الاتجار بالمخدرات
- السعودية.. تأجيل الدورة الـ 6 من مهرجان البحر الأحمر السينما ...
- إعادة المسروقات... العالم بأسره يترقب مصير كنوز القرم
- كيف تعمل مجموعة أبوظبي للثقافة والفنون على رعاية المواهب الإ ...


المزيد.....

- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - راوية رياض الصمادي - ألن دالاس: عقل المخابرات الأمريكية.. وضحايا العقل