|
|
لماذا تدفع شوارع الأردن ثمن الظل المفقود؟
راوية رياض الصمادي
الحوار المتمدن-العدد: 8833 - 2026 / 9 / 19 - 17:16
المحور:
المجتمع المدني
مقدمة
في مدينة مثل عمّان، حيث يزداد الإسمنت ويتقلص الأخضر سنة بعد سنة، لم تعد إزالة الأشجار من الشوارع مسألة تجميلية بسيطة يمكن تجاوزها أو تبريرها بأنها "تحسين للمنظر الحضري". إنها قرار له تبعات بيئية وصحية واقتصادية واجتماعية تمتد لسنوات طويلة، وقد لا تظهر نتائجه الكارثية إلا بعد فوات الأوان، حين لا يعود ممكناً استعادة ما فقدناه.
وبين مبررات السلامة العامة والحاجة إلى تطوير البنية التحتية وتوسيع الطرق، يجد الأردن نفسه أمام معادلة صعبة: كيف نطوّر مدننا ونحدّث شوارعنا دون أن نفقد رئتها الخضراء التي تمنحنا الحياة والظل والهواء النظيف؟
هذا المقال يحاول الإجابة عن هذا السؤال، عبر تفكيك ظاهرة إزالة الأشجار من شوارع الأردن، وبيان مخاطرها الحقيقية، وفهم أسبابها، واقتراح حلول عملية تحافظ على التوازن بين التطوير والحفاظ على البيئة.
---
أولاً: الأردن.. بلد يفتقر إلى الغطاء النباتي أصلاً
لفهم حجم الكارثة التي تسببها إزالة الأشجار في الأردن، لا بد من البدء بحقيقة صادمة: الأردن من أفقر دول العالم في الغطاء الحرجي.
أرقام تتحدث عن نفسها
تشير البيانات الرسمية إلى أن نسبة الغطاء الحرجي في الأردن لا تتجاوز 0.4% من إجمالي مساحة المملكة. وإذا أخذنا بأوسع تعريف ممكن، بحيث نضم الغابات والمراعي والأشجار المتناثرة والمزروعات، فإن نسبة الغطاء النباتي الكلي لا تتجاوز 3.7%، منها نحو 62% أشجار فقط.
هذه الأرقام تعني أن الأردن يعيش على هامش بيئي خطير. فبينما يبلغ المتوسط العالمي للغطاء الحرجي نحو 30%، وتبلغ النسبة في دول الجوار مثل سوريا ولبنان أضعافاً مضاعفة، نجد الأردن يقف في ذيل القائمة، في منافسة غير شريفة مع دول صحراوية مثل الكويت وقطر.
الغابات تتقلص.. والمدينة تزحف
الأخطر من الفقر الحرجي هو أن هذا الرصيد الهزيل أصلاً في تراجع مستمر. دراسة أجرتها جامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية على مدى 15 عاماً كشفت أن المناطق الحرجية في المحافظات الشمالية وحدها تقلصت بنسبة 25%.
وفي عام 2021 وحده، كشفت تقارير رسمية عن تسجيل نحو 800 حادثة اعتداء على الثروة الحرجية، بين قطع جائر وحرائق وتوسع عمراني غير مشروع، قبل أن يرتفع الرقم إلى أكثر من 1,200 حادثة في سنوات لاحقة. وترى دراسة جامعة العلوم والتكنولوجيا أن التوسع الحضري هو المسؤول الأكبر عن هذا التراجع، بنسبة تصل إلى 50% من إجمالي الفاقد.
بعبارة أخرى: المدينة تأكل الغابة. وكل شجرة تُقطع اليوم في شارع من شوارع عمّان أو إربد أو الزرقاء ليست مجرد خسارة محلية، بل حلقة في سلسلة تآكل بيئي وطني ممتد.
---
ثانياً: الأشجار في المدينة.. أكثر من مجرد منظر جميل
هناك سوء فهم شائع يختزل وظيفة الأشجار في المدينة في كونها "عنصراً جمالياً" يمكن الاستغناء عنه عند الحاجة. هذا الفهم خاطئ علمياً وعملياً. الأشجار في المدينة هي بنية تحتية حية تؤدي وظائف لا يمكن لأي بديل صناعي أن يقوم بها بنفس الكفاءة والتكلفة.
1. الأشجار مكيفات هواء طبيعية
الشجرة الواحدة البالغة يمكنها أن تبرد محيطها بما يعادل قدرة تبريد عدة مكيفات هواء منزلية تعمل طوال النهار. وهذا التبريد لا يستهلك كهرباء، ولا ينتج ضوضاء، ولا يطلق غازات دفيئة. في مدينة حارة مثل عمّان، حيث تتجاوز درجات الحرارة في الصيف 38 درجة مئوية أحياناً، فإن الظل الذي توفره الأشجار لا يعني فقط الراحة، بل يعني الفرق بين الحياة والموت لكبار السن والأطفال وذوي الأمراض المزمنة.
2. الأشجار مصافي هواء مجانية
أوراق الشجر تلتقط الغبار والجسيمات الدقيقة وأكاسيد النيتروجين والأوزون، وتمتص بعض الملوثات الغازية. الشجرة الواحدة يمكنها أن تحجز في أوراقها كميات كبيرة من الملوثات سنوياً. في مدينة مثل عمّان، حيث يعاني شارع مثل شارع المدينة المنورة أو الدوار السابع من اختناقات مرورية خانقة، فإن كل شجرة على الرصيف تعمل كمصفاة صغيرة تحمي المارة والسكان.
3. الأشجار تخفض استهلاك الطاقة
تشير الدراسات الدولية إلى أن وجود الأشجار حول المباني يمكن أن يخفض فواتير التكييف بنسبة تتراوح بين 15% و35%. فالشجرة التي تحجب أشعة الشمس عن جدار مبنى تمنع تسخينه، وبالتالي تقلل الحاجة إلى تشغيل المكيفات. في بلد يستورد أكثر من 90% من احتياجاته من الطاقة، فإن كل شجرة تحمي مبنى هي مساهمة في الأمن الطاقي الوطني.
4. الأشجار تحمي التربة والمياه
جذور الأشجار تثبت التربة، تمنع انجرافها، وتحسن نفاذية الماء فيها. وهذا مهم بشكل خاص في الأردن، حيث الأمطار قليلة وموسمية، وحيث تسقط بغزارة أحياناً فتسبب سيولاً وجرياناً سطحياً يجرّ معه التربة والملوثات. الأشجار تعمل كإسفنج طبيعي يمتص الماء ويخزنه ويعيده ببطء.
5. الأشجار موطن للتنوع الحيوي
الطيور والحشرات والكائنات النافعة تجد في الأشجار مأوى وغذاءً. وعندما تُقطع الأشجار، تهاجر هذه الكائنات أو تموت، ويختل التوازن البيئي. وحتى في المدن، فإن وجود الطيور والحشرات الملقحة يدعم الحدائق والمزروعات ويحسن جودة الحياة.
6. الأشجار تعزز الصحة النفسية
الأبحاث الدولية تربط بين العيش في أحياء خضراء وانخفاض مستويات التوتر والقلق والاكتئاب، وتحسن القدرة على التركيز، وزيادة النشاط البدني. المشي في شارع مظلل بالأشجار ليس مجرد تجربة جمالية، بل تجربة علاجية بحد ذاتها.
---
ثالثاً: مخاطر إزالة الأشجار من شوارع الأردن
بعد أن فهمنا قيمة الأشجار، يمكننا أن ندرك حجم المخاطر التي تنتج عن إزالتها. هذه المخاطر ليست نظرية أو بعيدة، بل هي واقع ملموس يمكن رصده في مدن أردنية عديدة.
1. تفاقم ظاهرة "الجزر الحرارية" في المدن
ما هي الجزيرة الحرارية؟
الجزيرة الحرارية الحضرية هي ظاهرة ارتفاع درجات الحرارة في المناطق المبنية مقارنة بالمناطق المحيطة بها، بسبب امتصاص الإسمنت والأسفلت للحرارة وإطلاقها ببطء ليلاً، وانعدام التبريد الطبيعي الذي توفره النباتات.
كيف تزيد إزالة الأشجار من هذه الظاهرة؟
عندما تُقطع الأشجار، ترتفع الحرارة لأن:
· ينعدم الظل: الأسطح والأرصفة تتعرض مباشرة للشمس. · ينعدم التبريد بالنتح: الأشجار تطلق بخار الماء الذي يبرد الهواء، وغيابها يلغي هذا التأثير. · ينعدم احتجاز الكربون: الأشجار المقطوعة لم تعد تمتص ثاني أكسيد الكربون، بل قد تتحلل وتطلقه.
نتائج ملموسة
النتيجة هي أن أحياء كاملة في عمّان تتحول إلى أفران إسمنتية في الصيف. وقد رصدت دراسات محلية أن الفرق في درجة الحرارة بين شارع مظلل بالأشجار وشارع خالٍ منها في نفس الحي قد يصل إلى 5 درجات مئوية أو أكثر. هذا الفرق ليس رفاهية، بل هو الفرق بين حياة صحية وخطر صحي.
2. تدهور جودة الهواء وارتفاع أمراض الجهاز التنفسي
مع إزالة الأشجار، يرتفع تركيز الملوثات في الهواء. وهذا ينعكس مباشرة على صحة السكان، خاصة:
· الأطفال: الذين تزداد لديهم معدلات الربو والحساسية. · كبار السن: الذين يعانون من أمراض القلب والرئة. · العمال: الذين يعملون في الهواء الطلق لساعات طويلة.
في ظل غياب نظام نقل عام كافٍ في الأردن، واضطرار مئات الآلاف للتنقل سيراً على الأقدام أو انتظار الحافلات في العراء، فإن غياب الأشجار يعني تعرضاً مضاعفاً للملوثات والحرارة.
3. مخاطر صحية مباشرة على المشاة
ضربات الشمس والإجهاد الحراري
المشي في شارع بلا ظل في صيف الأردن الحارق ليس مجرد تجربة مزعجة، بل خطر صحي حقيقي. الإجهاد الحراري وضربة الشمس يمكن أن يؤديان إلى الوفاة، خاصة لدى الفئات الهشة.
زيادة حوادث الدهس
عندما تختفي الأشجار والظل، يهجر الناس الأرصفة. الأمهات مع أطفالهن، والعجائز، والعمال، والطلاب، يجدون أنفسهم مضطرين للنزول إلى الشارع بحثاً عن أي ظل أو لتقصير الطريق. وهذا يزيد بشكل مباشر من احتمال تعرضهم لحوادث الدهس.
تآكل المشهد الاجتماعي
الشوارع المظللة أماكن للجلوس واللقاء والتسوق. عندما تُزال الأشجار، تفرغ الشوارع من الحياة، ويتراجع النشاط التجاري، وتضعف الروابط الاجتماعية. الأرصفة تصبح مجرد ممرات عبور سريعة، لا أماكن للبقاء.
4. التصحر وانجراف التربة
لماذا الأردن معرض بشكل خاص؟
الأردن يقع في الحزام الجاف وشبه الجاف، ويعاني من:
· شح مياه حاد: يعد من أفقر دول العالم مائياً. · أمطار قليلة ومتذبذبة: تسقط في فترات قصيرة وبغزارة أحياناً. · تربة هشة: قابلة للانجراف بسهولة عند فقدان الغطاء النباتي.
ماذا يحدث عند إزالة الأشجار؟
· تنكشف التربة: لتصبح عرضة لأشعة الشمس المباشرة التي تجففها وتقتل الكائنات الدقيقة فيها. · تنعدم الجذور المثبتة: فتنجرف التربة مع أول هطول غزير. · ترتفع درجة حرارة التربة: مما يقلل قدرتها على الاحتفاظ بالماء ويدمر بنيتها. · يتسارع التصحر: وتحوّل الأرض تدريجياً إلى أرض قاحلة.
5. فقدان التنوع الحيوي
قطع الأشجار يهدد:
· الطيور المستوطنة والمهاجرة: التي تستخدم الأشجار للت nesting والتغذية. · الحشرات الملقحة: مثل النحل والفراشات التي تعتمد على أزهار الأشجار. · الكائنات المفترسة النافعة: التي تتخذ من الأشجار مأوى، وتساعد في مكافحة الآفات.
هذا الاختلال في التنوع الحيوي قد لا يظهر فوراً، لكنه يتراكم ويؤدي إلى تدهور النظام البيئي بكامله.
6. التأثير على المشهد الحضري والهوية
الأشجار ليست مجرد عنصر وظيفي، بل هي جزء من هوية المدينة وذاكرتها. أحياء عمّان القديمة مثل جبل اللويبدة وجبل عمّان ارتبطت في ذاكرة سكانها بأشجارها المعمرة. وإزالتها تمحو جزءاً من الذاكرة الجماعية وتجعل المدن متشابهة بلا روح.
7. التأثير على السياحة
الأردن بلد سياحي، ومناطقه السياحية الكبرى مثل جرش وعجلون والسلط تعتمد على طبيعتها الخضراء. تراجع الغابات في هذه المناطق ينعكس سلباً على جاذبيتها، ويقلل من مدة إقامة السياح، ويضعف الاقتصاد المحلي. وهذه خسارة لا تقتصر على البيئة، بل تمتد إلى الاقتصاد وفرص العمل.
8. التكلفة الاقتصادية الخفية
إزالة الأشجار لا تكلف فقط ثمن القطع والنقل، بل لها تكاليف خفية ضخمة:
· ارتفاع فواتير الكهرباء: بسبب زيادة الحاجة للتكييف. · ارتفاع التكاليف الصحية: بسبب تزايد الأمراض المرتبطة بالحرارة والتلوث. · انخفاض قيمة العقارات: في الأحياء التي تفقد أشجارها. · ارتفاع تكاليف البنية التحتية: بسبب انجراف التربة وفيضانات الأمطار. · فقدان الخدمات البيئية: التي كانت الأشجار تقدمها مجاناً.
---
رابعاً: لماذا تُقطع الأشجار فعلاً؟ فهم الأسباب
من المهم، من أجل العدالة والموضوعية، أن نفهم الأسباب التي تدفع البلديات وجهات أخرى إلى قطع الأشجار. فليس كل قطع عبثاً، وبعضه له مبررات حقيقية.
1. مبررات السلامة العامة
· الأشجار المريضة أو الميتة: التي تهدد بالسقوط على المارة أو المركبات. · الأشجار التي تحجب الرؤية المرورية: عند التقاطعات أو المنعطفات. · الأشجار التي تعيق حركة المشاة: وخاصة ذوي الإعاقة أو أصحاب العربات. · الأشجار التي تخفي لافتات المرور أو الإشارات الضوئية.
2. مبررات البنية التحتية
· تضارب الجذور مع خطوط المياه والصرف الصحي. · تضارب الجذور مع كابلات الكهرباء والاتصالات. · تشقق الأرصفة ورفعها بسبب الجذور. · أعمال التوسعة أو الصيانة الكبرى للطرق.
3. مبررات أخرى أقل شرعية
لكن للأسف، هناك أيضاً أسباب أخرى لا تمت للسلامة أو التطوير بصلة:
· الرغبة في تسهيل الرؤية التجارية: لبعض المحال التي ترى أن الأشجار تحجب واجهاتها. · توفير تكاليف الصيانة والتقليم: فبعض الجهات تفضل القطع على الصيانة الدورية. · ضغط التوسع العمراني: حيث تُقطع الأشجار لإفساح المجال لمشاريع بناء. · الإهمال وسوء التخطيط: حيث تُقطع الأشجار لأنها لم تكن في الحسبان عند تصميم الشارع.
4. المشكلة ليست في القطع.. بل في غياب البدائل
النقطة الجوهرية هنا هي: حتى عندما يكون هناك مبرر للقطع، فإن القطع الكامل يجب أن يكون آخر خيار، وليس الأول. الحلول الأخرى متاحة:
· التقليم المدروس: الذي يحل مشاكل الرؤية أو التضارب دون قتل الشجرة. · نقل الأشجار: إلى حدائق أو مواقع أخرى مناسبة. · الاستبدال: بزراعة شجرة جديدة في موقع قريب أو مناسب. · إعادة التصميم: للشارع بحيث يتسع للشجرة والبنية التحتية معاً.
---
خامساً: موقف القانون الأردني
من المهم أن نعرف أن القانون الأردني يحمي الأشجار إلى حد ما.
قانون الزراعة
ينص قانون الزراعة الأردني على منع قطع الأشجار الحرجية دون ترخيص، ويعاقب المخالفين بغرامات قد تصل إلى مبالغ كبيرة، وقد تصل العقوبة إلى الحبس في بعض الحالات. كما تمنع التعليمات قطع الأشجار المعمرة إلا في حالات محددة وبموافقات رسمية.
دور وزارة الزراعة
وزارة الزراعة هي الجهة المسؤولة عن إدارة الثروة الحرجية، وتقوم بدوريات لمراقبة الاعتداءات، وتحرير المخالفات، ومصادرة المعدات المستخدمة في القطع غير المشروع. كما تطلق حملات تشجير سنوية.
دور البلديات وأمانة عمّان
البلديات وأمانة عمّان الكبرى هي المسؤولة عن الأشجار داخل حدودها البلدية. وتقوم بإدارة عمليات التقليم والقطع، وتضع الخطط المتعلقة بالتشجير. وقد أطلقت أمانة عمّان في السنوات الأخيرة مبادرات لتشجير الشوارع والأرصفة، لكن هذه المبادرات تصطدم أحياناً بمشاريع التوسعة أو الصيانة التي تؤدي إلى إزالة ما زُرع.
الفجوة في التطبيق
المشكلة الأساسية ليست في نصوص القانون، بل في تطبيقه:
· ضعف الرقابة: على قطع الأشجار في المدن. · التراخيص السهلة: لقطع الأشجار بحجج السلامة أو البنية التحتية. · غياب التنسيق: بين البلديات ووزارة الزراعة والجهات الأخرى. · عدم وجود سياسة موحدة: لإدارة الأشجار الحضرية على مستوى المملكة.
---
سادساً: تجارب دولية يمكن الاستفادة منها
لحسن الحظ، هناك تجارب عالمية عديدة يمكن للأردن أن يستفيد منها في حماية أشجاره الحضرية.
1. سنغافورة: "مدينة في حديقة"
سنغافورة تعتبر نموذجاً عالمياً في دمج الأشجار في التخطيط الحضري. لديها قانون صارم يحمي الأشجار المعمرة، وسجل لكل شجرة في المدينة، وجهاز متخصص لإدارة الأشجار. الشوارع في سنغافورة مغطاة بأشجار ضخمة توفر الظل وتخفض الحرارة بشكل ملحوظ.
2. ملبورن: سجل الأشجار الحضرية
ملبورن الأسترالية لديها قاعدة بيانات إلكترونية لكل شجرة في المدينة، تحدد موقعها ونوعها وحالتها الصحية وتاريخ آخر تقليم. أي قرار بقطع شجرة يمر عبر مراجعة دقيقة، ويجب أن يكون له بديل.
3. برلين: حماية الأشجار كمعالم
في برلين، بعض الأشجار تعتبر معالم تاريخية وثقافية لا يمكن قطعها إلا بقرار من البرلمان المحلي. هناك حملات شعبية قوية للدفاع عن الأشجار، وإعلام محلي يتابع كل حالة قطع.
4. نيويورك: برنامج "مليون شجرة"
أطلقت نيويورك برنامجاً لزراعة مليون شجرة في الشوارع والحدائق، بهدف خفض الحرارة وتحسين جودة الهواء. البرنامج ركز على الأحياء الفقيرة التي كانت الأقل حظاً من الأشجار.
5. تونس والمغرب: تجارب عربية
في بعض المدن العربية مثل تونس والدار البيضاء، بدأت مبادرات لإنشاء "سلاسل خضراء" في الشوارع، وربط الحدائق ببعضها عبر ممرات مشجرة، والاعتماد على أنواع مقاومة للجفاف.
---
سابعاً: ما الحل؟ مقترحات عملية للأردن
الحلول الممكنة ليست خيالية، وليست مكلفة جداً، لكنها تحتاج إرادة سياسية ووعياً شعبياً وتنسيقاً مؤسسياً.
1. سياسة وطنية لإدارة الأشجار الحضرية
يجب وضع سياسة وطنية واضحة لإدارة الأشجار في المدن، تحدد:
· قائمة الأشجار المحمية: التي لا تُقطع إلا في حالات استثنائية. · إجراءات القطع: من يحق له القطع، وبأي ترخيص، وبعد أي مراجعة. · البدائل الإلزامية: مثل التقليم أو النقل أو الاستبدال. · المساءلة: على من يخالف السياسة.
2. سجل إلكتروني لكل شجرة
يجب إنشاء قاعدة بيانات رقمية لكل شجرة في المدن الأردنية، تحتوي على:
· موقعها الجغرافي. · نوعها وعمرها. · حالتها الصحية. · تاريخ آخر تقليم. · أي قرارات متعلقة بها.
هذا السجل يجعل القطع العشوائي مستحيلاً، ويسهل المراقبة والمتابعة.
3. مبدأ "شجرة مقابل شجرة"
يجب أن يصبح قانوناً: كل شجرة تُقطع، يجب زراعة شجرة جديدة مكانها، أو في موقع قريب، من نوع مناسب. وإذا تعذر الزراعة الفورية، تُحجز تكلفتها وتُزرع في أول فرصة.
4. اختيار الأنواع المناسبة
يجب التوقف عن زراعة أنواع تستهلك ماءً كثيراً أو تسبب مشاكل للبنية التحتية. والاعتماد بدلاً منها على أنواع:
· مقاومة للجفاف: مثل الزيتون والخروب والصنوبر والبطم. · غير عدوانية الجذور: لا ترفع الأرصفة ولا تخترق الأنابيب. · سريعة النمو: لتوفير الظل في وقت أقصر. · محلية أو متأقلمة: تتحمل مناخ الأردن.
5. إشراك المجتمع المحلي
لا يمكن حماية الأشجار دون مشاركة الناس:
· لجان أحياء: تشارك في قرارات التشجير والقطع. · حملات تطوعية: لزراعة الأشجار والعناية بها. · تعليم مدرسي: يغرس قيم حماية البيئة منذ الصغر. · إعلام محلي: يتابع قضايا الأشجار ويسلط الضوء على المخالفات.
6. تعزيز الرقابة والمعاقبة
· زيادة دوريات وزارة الزراعة والبلديات. · تشديد العقوبات على القطع غير المشروع. · نشر أرقام للإبلاغ عن أي قطع مشبوه. · محاسبة المسؤولين عن أي قطع مخالف للقانون.
7. دمج الأشجار في التخطيط العمراني
يجب أن يكون وجود الأشجار شرطاً في أي مشروع تطوير أو توسعة للطرق. وأن تُصمم الشوارع الجديدة بحيث تتسع للأشجار والبنية التحتية والمشاة والمركبات معاً. التخطيط العمراني الذي يتجاهل الأشجار هو تخطيط قاصر.
8. حماية الأشجار المعمرة بشكل خاص
الأشجار المعمرة (التي يزيد عمرها على 50 أو 100 سنة) يجب أن تُعامل كـتراث وطني. قطعها يجب أن يكون بقرار من مجلس الوزراء، وليس بقرار من موظف بلدي.
---
ثامناً: دور المواطن.. ماذا يمكنك أن تفعل؟
حماية الأشجار ليست مسؤولية الحكومة وحدها. كل مواطن يمكنه أن يلعب دوراً:
· لا تقطع شجرة في حديقتك دون سبب حقيقي، وفكر في البدائل. · بلغ عن أي قطع مشبوه في الشارع أو الحي. · شارك في حملات التشجير التي تنظمها البلديات والجمعيات. · اسقِ الأشجار الصغيرة في حيّك، خاصة في الصيف. · ثقّف أطفالك عن أهمية الأشجار وقيمتها. · ادعم الجمعيات البيئية التي تعمل على حماية الأشجار. · طالب مجلسك البلدي بسياسات واضحة لحماية الأشجار. · وثّق الأشجار التي تُقطع بالصور والمعلومات، وشاركها مع الإعلام والجهات المعنية.
---
خاتمة
إزالة الأشجار من شوارع الأردن ليست مجرد خسارة منظرية أو قرار تجميلي يمكن تجاوزه. إنها قرار يمس صحة الإنسان، وجودة الهواء، ودرجة الحرارة، ومستقبل الأجيال القادمة.
في بلد يعاني من التصحر وشح المياه والاعتماد على الطاقة المستوردة، لا يمكن التعامل مع الأشجار كرفاهية أو تكميلية. الأشجار هي بنية تحتية حيوية، وأمن بيئي، وصحة عامة، وهوية ثقافية.
الحل ليس في منع التطوير أو إيقاف تحديث المدن. الحل في التطوير الذكي الذي يخطط للأشجار من البداية، ويحميها، ويعوّض ما فُقد، ويرى فيها شريكاً في التنمية لا عائقاً أمامها.
في نهاية المطاف، حين نقطع شجرة، لا نفقد ظلاً فقط، بل نفقد جزءاً من قدرتنا على التنفس، وجزءاً من ذاكرتنا، وجزءاً من مستقبلنا.
والسؤال ليس: كم شجرة قطعنا؟ بل: كم شجرة سنزرع لنستعيد ما فقدنا؟
---
"أفضل وقت لزراعة شجرة كان قبل عشرين سنة. وثاني أفضل وقت هو الآن."
— مثل صيني
#راوية_رياض_الصمادي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
رئة عمّان تُقتلع: لماذا يجب أن نتوقف الآن؟
-
عندما تُقطع الأشجار: قراءة في مخاطر إزالة الأشجار من شوارع ا
...
-
دليل شامل لملفات M38: الفهم والإنشاء والاستخدام
-
المرأة تستخدم ضعفي عدد الكلمات التي يستخدمها الرجل
-
لماذا لا تحتوي بعض اللغات على كلمة -أزرق-؟
-
هل تحتوي بعض اللغات على 100 كلمة لكلمة -ثلج-؟
-
اهداء إلى روح أبي
-
الطفل الضائع جون
-
ما هي السيرة الذاتية؟
-
فروقات بين المرأة والرجل والكثير من المتناقضات التي تثير الج
...
-
لماذا لا يقول الرجل -أحبك-؟
-
اختلافات بين الرجل والمرأة دعنا نكتشفها ونتعلم كيف نتعامل مع
...
-
الحب في زمن الكورونا
-
أدم
-
رسالة موجه للمعلمين الذين يطالبون بزيادة مرتباتهم
-
كيف يرى الناس الصداقة عبر وسائل الاتصال الاجتماعي مثل الفيس
...
-
ملامح امراة سقطت للاعلى
-
الانفصال
-
ابرز ما طرأ من تعديلات على قانون ضريبة الدخل بموجب القانون ر
...
-
قانون اللامركزية وعلاقته بالتنمية المستدامة ودور الحكومة الر
...
المزيد.....
-
وزير خارجية السعودية يرأس وفد المملكة في أعمال الجمعية العام
...
-
النائب ميشيل الجمل: توجيهات السيسي بحماية الأطفال من إساءة ا
...
-
عريضة لـ300 صحفي تطالب بالإفراج عن زملائهم المعتقلين
-
الأمن السوري يعلن اعتقال قيادي في تنظيم الدولة بريف درعا
-
إسبانيا.. إخلاء شواطئ سبتة من المهاجرين
-
النعمان لـ (المدى): خروج التحالف يُسرّع حصر السلاح -100%- وم
...
-
خارج حدود الفيتو: كيف تتحرك الجمعية العامة للأمم المتحدة عند
...
-
نفاد الوقود وركوب البحر.. مخاطر تطوق اللاجئين اليمنيين قبالة
...
-
محكمة أمريكية ترفض سياسة ترامب لترحيل المهاجرين إلى دول ثالث
...
-
نبيل فهمي يتوجه إلى نيويورك للمشاركة في اجتماعات الجمعية الع
...
المزيد.....
-
مدرسة غامضة
/ فؤاد أحمد عايش
-
أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية
/ محمد عبد الكريم يوسف
-
أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال
...
/ موافق محمد
-
بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ
/ علي أسعد وطفة
-
مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية
/ علي أسعد وطفة
-
العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد
/ علي أسعد وطفة
-
الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي
...
/ محمد عبد الكريم يوسف
-
التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن
...
/ حمه الهمامي
-
تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار
/ زهير الخويلدي
-
منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس
...
/ رامي نصرالله
المزيد.....
|