أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كمال جمال بك - رائحة بيت الحجة














المزيد.....

رائحة بيت الحجة


كمال جمال بك
شاعر وإعلامي

(Kamal Gamal Beg)


الحوار المتمدن-العدد: 8881 - 2026 / 11 / 6 - 20:13
المحور: الادب والفن
    


لم تفقد اسمها طليقاً. ظل إلى آخر أنفاس زوجها نغمة محببة، وكذلك مُرتّلا من قلب الجد، وجريا على الموروث حملته واسم ابنها البكر أمّا، وألحق الأحفاد اسمها بصفة الجدة/ حبّابة. وعلى الأوراق الرسمية طرزته توقيعا منسابا، وهي القارئة من دون مدرسة.

في غربتهما، لم يفقد ابنها اسمه، حتى في أشد حالات ذهان دحرجته في متاهات الشوارع، وقلّبته في هلوسات المستشفى. ظل حاملا وسامه: ابن الحجة، كما لو أنه حجاب طفولة معلق بشطل على كتفه حماية من المخاطر. سبقه وسام جامعي منتصف الثمانينات، أرسلته بصندوق خبز تنّورها، وبامياء فراتها، ولحمة ضأنها، والشهي من مؤونتها، مع ورقة بيضاء نقشت في منتصفها اسمه مزركشا.

على فرامة الإجهاد والمرض رحل عمود البيت مبكرا، وبقيت جدران بيت العائلة ملاذاً، حتى خلت مع النازحين في الثورة باحتلال ميلشيات طائفية المدينة، وسلّمت الحجة بيتها من ابنها البكر في مدينة مجاورة، إلى ابنتها الثانية، ثم نزحت إلى ابنها الثاني في العاصمة.

مع أسراب الملايين، وبعد رحلات برية وجوية وبحرية، نظامية، وتهريبا، بين بلدان وقارات، حطت الأحمال في محطتها الأخيرة، وعندما طال المقام من دون لجوء، قالت الحجة: "تعبت أرواحنا، ولم يطعمنا الله بعد اسم لاجىء"؟!

أول سنوات لجوء بدأ الغالبية حياتهم من الصفر، بتدوير شهاداتهم وأعمالهم، ومع اكتساب الجنسية، شكلت شبكة الحياة الآمنة، إغراء البقاء، لمن أغلق الأبواب خلفه، أو لم يعد له باب.

في البلدة الصغيرة وسط السويد، شاع الاسم، ووثقه ابنها، بعد أشد جولة مرضية تجاوزت في خطورتها الشهر:
- أريد الخروج.. بكرا عيد.. لازم أدفع الفواتير.
* إذا كنت تعرف كمية الدواء اليومية فلا مانع.

تجاوز مدخل بنايتها بأمتار، حيث مكتب الشركة، ومذاك صار رسميا بيت الحجة، وصندوق بريد باسمها في مدخل البناية، وكل الخدمات والفواتير باسمها، ضمانة لها.

صالون بيت الحجة، في صدره منضدة عليها من الفراش والأغطية والوسائد، كما في بلدتها الفراتية، ومكائن خياطة مشتراة بأثمان زهيدة من متاجر اليد الثانية، لها قيمة في كل ركن، وفي استعمالاتها، وفي ماركتها الألمانية الواحدة جميعا (Singer) كما ماكينتها غير الكهربائية منذ صباها إلى عشرات السنوات بعدها.
وفي زاوية بهجة خزانة بما فيها من كاسات شاي صغيرة ملونة، وأباريق زجاجية، ومجسمات حيوانات أليفة، وعروق ورد اصطناعي، تماماً كما لو أنه البوفيه منذ أمومتها، وإذا انكسر منه شيء، نادت: فدوى.
وعند كل نافذة في الصالون والمطبخ وغرفة النوم ستارات من نباتات العطرية والريحان والنعناع والمليسة، وحتى شجيرة عنب، ذبلت مرة، وأورقت بعدما كلمتها الحجة بعبارات الدلال! وأما نباتات العطرية فطالت أكثر من المتر والنصف، قالت عنها الحجة: "رائحة عطرة، وسترة، تسترنا عن عيون الطريق".

ظلت نسوة من المهاجرين يرشدن بعضهن في شؤون الخياطة إلى بيت الحجة، مودة وتقديراً وتكريماً لها. شؤون تجاوزت ماكينات وخيوطها، وأسياخاً طويلة وصوفها، وقصيرة و ليفها، إلى من رأى في وسامة الحجة وسلامها ووقارها بركة، وفي صالونها كما لو أنه من جنة سوريا المفقودة.
في جلسة الحبايب تقدم الحجة لهن ورقات يابسات من العطرية، لمن ترغب منهن بشربها مع الشاي، أو فركها بالراحتين فيشق القلب شذاها من هناك.
وفي المناسبات تغيب المعجنات والحلويات الجاهزة، وتحضر رفقة الشاي الكليجة الديرية بأصالتها وتراثها، وحوائجها، ومزيج نكهتها من الهيل وجوزة الطيب والقرنفل والقرفة والمَحْلَب والشّمر واليانسون، وطيبة أنفاس الحجة.
وفي وداعها بالأحضان أو بتقبيل رأسها أو جبينها، وأحيانا يديها، يعاتبنها على قيمة الأتعاب القليلة التي تتقاضاها، وبينما يبتسمن، تشم رائحة النار في قولها وفعلها:
* يا حجة لا لزوم لوضع القصاصات والزوائد في الكيس مع القماش المشغول.
- لا يجوز يا ابنتي، هذا لكم، وأنتم تتصرفون به.

اثنتا عشرة سنة وبيت الحجة عالق بين هنا وهناك، وفي قلوب محبيها.
ولأن قرار البقاء الدائم في أحدهما مؤلم للذاكرة، أخذت الحجة - كعادتها - خيوط حكاياتها التسعينية إلى بيتها الجديد، على ربوة، كما لو أنها الدمشقية، في حضن غابة سويدية، وعلى الشاهدة بقي اسمها، لم تفقده طليقا.



#كمال_جمال_بك (هاشتاغ)       Kamal_Gamal_Beg#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من نجمة فراتية
- كما أنفاس حارسة العزلة
- سكَّان العتمة الأصليون
- طواف دمشق وحيفا
- شفايف النعمان ورائحة الحروف
- غزوة.. لا.. أحد
- إخوة دولاب
- فدوة
- قهوة مرّة
- كرة الرأس
- نسمة فراتية
- عباءة دعسوقة عنقاء
- معلّم البلاط.. وغمغمة الحسّاسين
- ريشة على راس القلم
- البائع الجوّال
- بائع البركة
- عيون برية
- وجبة لونش فضية
- الطاغية و شرموط البحر
- أبو صابر ثلاثي الأبعاد


المزيد.....




- مصر.. أول ظهور لمحمد الحلو بعد عمليات القلب
- -أرشيف الحياة-.. حكايات شهداء غزة في مواجهة النسيان
- رومانيا تتصدر برنامج السوق الأمريكي للأفلام بوفد سينمائي موس ...
- -رسمت المقبرة الجماعية-.. نازحة من الفاشر توثق ما رأته بالفح ...
- احتفاء واسع في الأوساط الفنية الأمريكية بفوز عبد الرحمن السي ...
- الناخب ليس مخدوعا.. قراءة في الترمبية وجذور اليمين الأمريكي ...
- أصالة نصري تكشف تفاصيل سرقة مجوهراتها خلال جولتها الأميركية ...
- أنغام تثير الجدل بسبب رائحة التدخين على المسرح
- مهرجان القاهرة السينمائي يفتتح دورته الـ47 احتفاءً بيوبيله ا ...
- من ريف تهامة إلى جائزة الإيسيسكو.. شاعر يمني يعتلي -مدن القص ...


المزيد.....

- الدومري لا يطفئ عينيه / د. خالد زغريت
- رواية صرخات وهمسات- محمد الفقي / محمد الفقي
- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كمال جمال بك - رائحة بيت الحجة