أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نورالدين حنيف - تناغم الدلالة و الإيقاع















المزيد.....

تناغم الدلالة و الإيقاع


نورالدين حنيف
شاعر و روائي و ناقد و فنان تشكيلي

(Noureddine Hanif)


الحوار المتمدن-العدد: 8881 - 2026 / 11 / 6 - 11:52
المحور: الادب والفن
    


تمهيد:
السؤال المركزي الذي ينبغي أن نطرحه في كل مقاربة نقدية لعمل أدبي سواء أكان شعراً أم نثرا، و في أيّ جنس أدبي إبداعي هو:
هل قدّم هذا العمل الفني قيمة مضافة للساحة الثقافية المحلية و الإقليمية والكونية أيضا؟
و في سياق هذا المبحث الخاص بديوان (ترانيم الصدى) نطرح السؤال نفسه في خصوصية نوعيّة و نقول: هل أضاف الشاعر في ديوانه جديداً للحساسية الشعرية المغربية المعاصرة؟ و هل أضاء بعض متاهاتها في أزمنة الحداثة الشعرية؟ و هل ساهم في الذائقة الفنية المرتبطة بالشعر عامة، و بقصيدة النثر خاصة؟
و الإجابة عن مثل هذه الأسئلة لا ينبغي أن نحشرها في دوائر المستحيل، أو في خانات اللاممكن، أو في سديم الطوباوات الحالمة بقدر ما هي أسئلة مشروعة تتمتع بكامل المصداقية المتأتية من الصدق الفني الذي أسس لمثل هذه الأعمال الإبداعية.
و خير الجواب أن نقول إن أثر أيّ ديوان، أو أي رواية، أو أي عمل فني مغموس في مداد الجودة و الفرادة، هو شبيهٌ بأثر الفراشة الذي تُحْدِثه في محيطها الأكبر و الّذي لا يدعو إلى الالتفات اعتباراً لحجمها المتقزم أمام جبروت هذا المحيط. و الأمر مجرد استعارة لجسد الفراشة للتعبير عن التأثير المتأتي من أصغر وَحَدَةٍ متناهيةٍ في الصغر، تمارسه على وحدَة أخرى متناهية في الكبر.
و مثال ذلك قطعة الدومينو الأولى التي بسقوطها تتسبب في سقوط منظومة الدومينوهات الأخرى و لو كانت تشكل بناءً كليًّا ينهار بفعل حركةٍ بسيطة جدا و في غاية البساطة.
و مثله مقتل ولي عهد النمسا الّذي أدى إلى اشتعال الحرب العالمية الأولى. و الأمثلة لا حصر لها في هذا المساق. يكفينا أن نقول من خلاله أن ديوان (ترانيم الصدى) فراشة. أوهو حجرٌ صغير، نرمي به على صفحة النهر الراكد، فيتغير وجه النهر. و الساحة الثقافية الفنية المغربية هي ذلكم النهر.
أولاً: مدخل منهجي
قرأت ديوان (ترانيم الصدى) فأسعفني بالمنهج، على اعتبار أن النص أحيانا كثيرة يفرض خطة تناوله و تداوله و طريقة السبر لأغواره. و هي خطة بسيطة تقوم على ثلاثية التفكيك للعلامة، و قراءة العلامة ثم تأويل العلامة. و حرصنا أن تدخل هذه الثلاثية ضمن مدخليْن:
- مدخل يدرس العلامة في بنائها المزدوج، و نقصد بذلك بناء المفردة المعجمية في ذاتِها، ثم بناء المفردة التناسلية التوالدية في تداعياتِها. مثال ذلك: مفردة البحر في الديوان هي علامة معجمية، تحيل على ذاتها كفضاء مائي و واسع و مالح و ... و تحيل على تداعياتها مثل مفردات الموج، الشطآن، الزبد، الغوص ... و هكذا. إن التعامل المنهجي مع هذين البناءيْن يُثرِي القراءة و التأويل.
- مدخل اعتبار النسق المعرفي المشترك بين المبدع و الناقد و المتلقي، في دائرة كبرى هي تقاطع المعارف الثلاثة. و هذا شقٌّ منهجي يتعامل مع النص لا في ثباته السكوني المغلق على ثقافة المبدع وحدها بقدر ما ينفتح على هيرمينوطيقا تأويلية لمعارف الشاعر داخل دائرة التراث الإنساني العام، و الذي يحضر في المتون الشعرية شئنا أم أبينا.
نستفيد من هذا أن التداعيات المرتبطة بالعلامة خارج ماهيتها الذاتية هي في عمق التحليل تأسيسٌ لموجوداتٍ مجازيةٍ ممكنة تصنعها الذات المتكلمة و تؤوّلها الذات القارئة و تقدّمها في صيغة دلالة.
فإذا وضع الشاعر منصور مفردة البحر كعلامة ذاتية تدل على وجودها المعجمي، فإنه في توجّهٍ دلاليٍّ يلقي بظلال تداعياتها أيضاً. فالبحر في سياق معيّن هو معادل موضوعي للذات المترنّحة بين مدّ الأمل و جزر الألم. و هكذا، فهذا التخريج تأويلٌ يفضي إلى بناء دلالة معينة نؤطّرها في المعادل الموضوعي الذي يمكننا من قراءة العلاقة بين البحر و الذات الشاعرة، في اجتهاد لا يدّعي امتلاكا لحقيقة البحر أو لحقيقة الذات المتكلمة.
ثانياً: قراءة في الديوان
(ترانيم الصدى) 1، ديوان شعري يتألف من أربع و أربعين قصيدة. هي في الأصل أربع و أربعون ترنيمة. تحاور الصدى في أكثر من منبر.
منبر الغياب – منبر الرثاء – منبر الفضيلة – منبر الحرب و الكرامة – منبر الغيث – منبر العشق – منبر الموعظة و الاعتبار – منبر الطبيعة ومنابر أخى لا يستقيم المقام لعدّها و إحصائها احتراما لأفق القارئ في اجتناء ما تبقى من منابر من خلال اجتهاده الخاص.
و نقول هنا، إن الشاعر منصور لم يفلت في منابره الناقدة صغيرا و لا كبيرا، حتى منبر الطرافة الهادفة و النكتة الواخزة. في مثل قصيدته الموسومة بـ (هل أتاك حديث الشمقمق؟). ص 90
أطّرالشاعر هذا الزخم في خيط فني ناظم هو خيط عشق الجمال في فيزيائه و في روحانيته. في معناه و في فائض معناه. في أبعاده الواقعية و في أبعاده الدلالية الرامية إلى فعل الترميز البنّاء...
1 – قراءة في الإيقاع
الإيقاع في منظور الشاعر منصور الفلاحي اجتهاد موسيقي لا يمتح مصداقيته من مرجعية خليلية ماضوية. فهو لا ينتج نصًّا شعريا موزونا ينتمي إلى التقليد الإيقاعي القديم. و إنما يبدع قصيدة في مجال إيقاعي حداثي يصنع لذاته قوالبه الموسيقية الخاصة و المعتمدة بالدرجة الأولى على:
• وحدة الروي و القافية: يمارس الشاعر منصور هذه الوحدة الايقاعية داخل اختيارين. الأول يتعلق بوحدة الروي في المقطع ( و قد حضر في 34 قصيدة). و هو السائد. و الثاني يرتبط بوحدة روي القصيدة، و هو النادر ( 10 قصائد). و مثاله القصيدة رقم 1، (أأصبحنا ظلال أحلامهم؟)
و في التوظيفيْنِ معاً يتجلى اجتهاد الشاعر منصور في إخراج الشعر من مرتبة الخطاب اليومي إلى مراتب شعرية الخطاب عبر مجموعة من الآليات و أولها آلية الإيقاع.
ولم يعتمد في هذه المهمة الفنية على المرجعية الخليلية لا تنقيصا أو تبخيسا، و إنما اختياراً لمرجعية ذاتية تمتح مادّتها المعرفية من أذن الشاعر و من تمثلاته الخاصة لفن الإيقاع. و كأنه في كل (الترانيم) يسعى إلى بناء القصيدة المموسقة و المشروطة بفعل الغناء و الشدو.
• إيقاع التناغم الدلالي
ليس من الضرورة أن تكون حركة النص أو الديوان جارية على وتيرة واحدة. و إنما الجميل في هذه الترانيم أن الشاعر منصور عرض نصوصه الشعرية داخل منعطفات دلالية متنوعة. هي في عمق التأويل اهتزازات تنشأ عن خصوصيات مقطعية تدل على أن الشاعر اشتغل في تدبيج ترانيمه في أزمنة مختلفة و أمكنة متعددة.


زمن التأليف عدد القصائد
2015 2
2016 4
2017 5
2018 3
2019 2
2020 7
2021 7
2022 6
2023 8
مكان التأليف عدد القصائد
سوق الاربعاء 2
أكادير 31
مراكش 2
مولاي بوسلهام 2
الرباط 1

قصيدتان بدون تحديد زمن التأليف
و ست قصائد بدون تحديد للمكان
هذا الانتقال في زمن التأليف و أمكنته يسهم في تغيير حركية الديوان وينوّع في طبيعة الأثر في المتلقي. و يسلط بعض الضوء على طبيعة الاعتمال و ظروفه و شروط إنتاج القصيدة فيه.
و بخصوص مفهوم التناغم الدلالي فقد عبرت عنه الناقدة (خالدة سعيد) بقولها: " هو جزء من الإيقاع. و هو عنصر يتعلق بتوالي الموضوعات على نسق معيّن بموجب حركة نفسية معينة" 2
نأخذ على سبيل المثال موضوعة الأهل و الأسرة و الموت و الفراق في الديوان.
- القصيدة 2 --- بعضٌ منّي --- ص 16
- القصيدة 31 --- سلام عليكم --- ص 76
- القصيدة 32 --- أيّ طعم للعيد --- ص 77
و هي قصائد مشبعة بتقنية التناغم الدلالي، و إطلالة خفيفة على متونها تشرح المفهوم و تقرّبه دون عناء.
إن إدراك هذا الايقاع يكون في معظم الحالات فرديا لا جماعيا، و يكون خاضعا في معظم الحالات لشرط التأويل الأول الذي قلنا فيه بوجود الدلالة في وضعٍ تأجيليٍّ لا يدّعي الإطلاق و القطعية و التعميم. ذلك أن الأخيلة تختلف و هي دائما منفتحة على أكثر من تصوّر و أكثر من تمثّل ...
• إيقاع التقابل
تُعدّ التقابلات من عُرى المعنى و أواصره. لها أثرها و وقعها في النفس نظرا لما فيها من توازٍ تُنتجه المجاورة على نحو من التقابل بين مفهوم وآخر، بين حالة و ضدّها. في إطار تباينٍ شعريٍّ يُغني إمكانيات الشاعر الإبداعية و يفتحها على مزيدٍ من البناء و الخلق الشعري.
و في هذا المنحى ركز الشاعر منصور على العناصر الشعورية والنفسية ليعبر عن الصراع و الاضطراب الذي يغزو المجتمع المعاصر، مستغلا بذلك مظاهر التناقض في الحياة و الوجود و الكون.
من هنا خصوصية الأداء الشعري المنصوري الخارج من ربقة التضاد اللغوي الجاهز قاموسيًا إلى أفق التحليق بالتضاد و التقابل في سديم الإبداع لاجتناء أكثر من دلالة تشرَح و تُشرّح المعنى و فائضه.
و الأمثلة هنا غزيرة، نذكر منها:
ص 15 – (غادروا – عادوا )
(قولوا لهم صبحاً كنّا فأمسيْنا)
ص 21 – (قد يأتي الذي انتظرناه
أو قد لا يأتي و كالعادة)
ص 24 – وهبتك الجسد والروح
و أفضت بالسر و البوح)
ص 25 – (أنا الظاهر المستتر بلا صوت)
ص 31 – ها هنا ظلم
و صفح و لوم)
ص 33 – (حمم و بركان
بردا و سلاما)
...
و يكاد الديوان في كله و جله ينطق بهذا الإيقاع التقابلي الذي لا نستطيع محاصرته إحصاءًا و إجمالا. و تفيدنا هذه التقابلات أمريْن:
هي تؤطر سمعنا داخل صيرورة موسيقية تقابلية لا تهتم بالبذخ السمعي المؤثّث للأذن العربية الملتقطة لعناصر الجمال بقدر ما تذهب بها مذاهب التغيير في الحساسية الموسيقية المغموسة في عمق الدلالات و الأبعاد؟
هي تؤطر نفسياتنا في استقبال تناقضات الوجود و الماحول و الحياة، وتدفعنا بملمسٍ حريريٍّ إلى تبنّي موقف معيّن لا نحدّده و لكن نقدر على تصنيفه داخل إطار عشق الجمال.
هي تؤطر الدلالات البعيدة لرؤيا الشاعر و لرؤانا في توجّهٍ لا يستهلك بل يعيد إنتاج التقابلات داخل بحر التأويل الممكن.
• إيقاع التوازي
التوازي هو التشابه القائم على تماثل بنيوي في بيت شعري أو في مجموعة أبيات شعرية. و عادة ما يكون التشابه بين المتوازيينِ باعتبارهما طرفين متعادلين في الأهمية من حيث المضمون و الدلالة، و متماثلين من حيث الشكل في التسلسل و الترتيب.
و منه:
أ – التوازي الصوتي: مثل ما جاء في الديوان (مفاخ، مباخر) – (قؤول، صؤول) ...
ب – التوازي التركيبي: و بتعلق بالتوازي بين وحدتين دلاليتين، و مثله في الديوان: (أنا المهاجرالسابح في الوقت – أنا المنتظر بين طوابير الموت)...
د – التوازي الدلالي: و هو التماثل بين وحدتين دلاليتين في محور واحد. ومثله في الديوان ( يا ريح أي زئير- يا ريح أي أنين)...
إن فعالية الإيقاع في ترانيم الصدى لا تقف عند حدود النص في تشكله وانسجامه الصوري. و إنما تتعداه إلى الإحالة على دلالات البنية الشعرية سواء تعلقت بتوصيف الواقع في تناقضاته أو تعلقت بالسباحة في المخيال الشعري بديلا عن تعفّنات هذا الواقع.
الإيقاع هنا ليس حليةً تلبسها الترانيم
الإيقاع هنا حتمية صوتية شعرية وجودية.


• تداعيات العتبة
و قد أحسن الشاعر منصور و هو يدمج هذا التراكم في عنوان جامع مانع و معبر و محاصر لأقانيم البوح حصارا حريريا ناعما و واخزا في نفس الآن.
و هو عنوان موسوم في وعي الشاعر بعبارة غير بريئة. و نقول ذلك لأن الشاعر هنا لا يتحدث من مساحة الإمتاع و المؤانسة الشعرية المدغدغة لعواطف المتلقي. إنه كائن ورّط ذاته في مفهوم الجمال السائل و المتسائل و الواضع لكثيرٍ من البداهات موضع السؤال. من هنا نقول بلا براءة صوغ العنوان. لأن المسألة لا تتعلق بعرض الترانيم للاستمتاع و إنما بوضعها رهن إشارة المتلقي لمساءلتها في توجهاتها الكاشفة عن أسرار هذا الصدى الذي أُسندت إليه الترانيم. فكيف نستوعب الصدى و هو مجرد رجعٍ للصوت؟ و كيف يتحول الصدى من حالة فيزيائية إلى حالة كاشفة في عمق الدلالة الوجودية عن تجليات هذه الذات المتكلمة والمخاطَبة في نفس الآن؟
و الترانيم جمع ترنيمة، و ترنم المغني يعني رجّع الصوت و تغنّى به في تطريب و تحنان. و أما الصدى فله معنيان الأول يرتبط بالعطش الشديد، والثاني و هو ما يرومه الشاعر و يتعلق برجع الصوت يرده جسمٌ عاكس كالجبل أو المغارة أو الفضاء الواسع. و حتى الصدى بمفهوم العطش قد يجد مصداقيته الدلالية في الديوان بحكم عطش الشاعر و قصائده و ترانيمه لقيم الجمال و الحق و الخير في محيط تنكر لهذه القيم.
و هي القيم التي باتت منعدمة أو تكاد في سياق وجودٍ عار من القيم.
و أما الصدى بمفهوم رجع الصوت فأولى و أجدر، بحكم ارتباطه في التركيب بالترنيمة. و يكون التجانس التركيبي و الدلالي في العتبة أجدر وأولى بالتبنّي من أي تخريج آخر. فكلاهما خارج من حقل الصوت.
فلمَ أسند الشاعر الترانيم إلأى الصدى و لم يسندها للواقع؟ لأن مساق طرح السؤال هو حقنا في الاستفهام كقراء نحمل همّ التأويل. و الجواب ( في نسبيته – أن الصدى ليس حقيقة بقدر ما هو وهم حقيقة، و الدليل تبخّر الصوت في الفضاء. و هو تبخّرٌ لا يترك لنا إلا فسحة قصيرة من الاستمتاع برجعه و هو يسير في اتجاه قدر التلاشي، فنكون في وضع المستمتع بوهم الصوت لا بالصوت ذاته في وجوده الفيزيائي و الحقيقي. ولا يكون الأمر حينها إلا لعبا يفسح أمامنا مزيدا من الرغبة في تركيم حالات الصراخ برجعه الجميل و هو يدغدغ فينا أسماعنا و بعض دواخلنا.
من هنا مكر الشاعر منصور على اعتبار أن عنوانه (ترانيم الصدى) ليس بريئا كما أسلفنا. إنه يدين الترانيم كما يشجب الأغنيات و القصائد التي لا يتجاوز أثرها حدود الرجع و الترديد الجميل الحامل لدلالة الترف و الترفيه و الإمتاع فقط. و كأن الشاعر يدعونا إلى تجاوز القصائد التي تقف عند حدود الجمال القشوري إلى معانقة القصائد التي لا تتبخر في السديم الواهم بقدر ما تكون نداءاتٍ متجذرة في الواقع و ملتصقة به و العاملة في دأَبٍ مستمر على تغييره أو التحسيس بضرورة تغييره في أضعف الإيمان.
هكذا فالعنوان فاضح في أول التجلي لغائية الديوان، و لرسالة الديوان، ولهدفيته البعيدة و المتجاوزة لفعل الشبه و التكرار في ساحات الإبداع.
من هنا يحق لنا طرح السؤال التالي:
لِمَ قال الشاعر (ترانيم الصدى) و لم يقل (صدى الترانيم)؟ قد يبدو الأمر جانبيا و هامشيا بغير قيمة مضافة، أو قد يبدو متشابها و لا حاجة لطرحه... إن جمالية العبارة في ترانيم الصدى هي أشد وقعا بلاغيا على المتلقي من تقديم ملفوظة (الصدى) في التعبير. لأن الإدانة في العبارة الثانية تكون كالتالي:
الإدانة --- الترانيم --- الإنسان
الإدانة --- الصدى --- الطبيعة
و الطبيعة بريئة، و أما العامل الموضوع في قفص الاتهام فهو الإنسان الذي صنع الترانيم خارج الواقع. و لم يضعها في الموعد الثقافي كي تمارس أدوارها في عمليات التغيير. من هنا أثر الفراشة في الترانيم السابقة للصدى في التركيب.
• في اجتراح الدلالة
و هذا باب إذا فتحناه فلا مكنة لنا بإغلاقه أو إيصاده نظر لزخم الدسم الفني فيه. و سنختار منه ما يلي إيثارا للاختزال و الإيجاز.
أ – دلالة تكسير التوقع: أو أفق انتظارات المتلقي. فمن الشعراء من تقرؤه من عنوان ديوانه، و منهم من لا يسلمك مقاليد دلالاته إلا بعد لأيٍ و تقصٍّ و بحثٍ و تنقيب. و الأجدر فيهم من يعطيك انطباعا بالسهل الشعري فإذا هو متمنّع و ممتنع حتى يشحذ القارئ مباضعه لممارسة عمليات التشريح للخطاب الشعري في متونه.
قال الشاعر منصور في كثير مما قال:
مات بعض من بعضي
و بعضٌ من بعضِ بعضي ص 18
و فيه فائدتان: واحدة دلالية تنوع في الخطاب و تحترم المتلقي الذكي وتحشره في عمليات إنتاج المعنى... و الثانية صوتية تلعب لعبة التكرار في فونيمات الضاد و العين و الباء... و في كلا الحالتين يكسر الشاعر أفق انتظار المتلقي و يحوّل مجرى التفاعل فيه إلى مجارٍ أجرى من مجريات نهر القول.
ب – مقولة التوتّر: بوعيٍ فني من الشاعر يصنع مسافة توتر على حد تعبير الناقد (كمال أبوديب) بين مقولة الأحلام و بين مقولة الطي.
قال الشاعر:
و تلك الأحلام طواها الزمن
مجهضة بلا سترٍ بلا كفن ... ص 25
فهذه الأخيرة تستدعي مفعولا متشيئاً قابلا لفعل الطي، فكيف تُطوى الأحلام؟ بل كيف يمارس الزمن هذا الفعل المادي و الحسي على غير ممكن يتسم بالتجريد و الزئبقية؟
فالأحلام مصنوعة من مادة التخيل، و الطي فعل حسي، فكيف يلتقيان؟
من هنا عبقرية الشاعر و هو يفتح المجال أمام اللاممكنات لتتحول إلى ممكنات، في رحم الإبداع الشعري القائم على فعل التخييل المجنّح. ذاك أن سياق الورود و التداول يتغير. فقولنا بالطي الواقع على الأحلام مستحيل في سياق الحقيقة، و لكنه ممكن جدا في سياق الخيال. و الشعر هو الباب الواسع لاستقبال العبارة في جنوحها المحلق كيفما كان تحليقها و مهما شطّت في هذا التحليق الهيولى.
• خاتمة:
الديوان كتلة من الهمس في أذن الوعي الذاتي و الإنساني. خطاب جمالي لمعانقة فن القيمة قبل اندحارها و هزيمتها في مجال الإبداع، و قبل انسحاقها و تلاشيها في مجال الوجود.
و الشاعر منصور الفلاحي يتغيّى في هذا الديوان إدانةَ الآخر في تخليه عن عشق الجمال عبر تخليه عن القضايا الحاسمة في وجوده.
فهو لا يقدم لنا ديوانا مكتظا بالكلمات و المفردات المعزولة و المغرّبة بقدر ما يقم لنا صرخة حريرية تدعو إلى اعتناق مذهب التفاؤل بالآخر و الإيمان به في عشق القيم.
و الشاعر يمارس العتاب و اللوم في غير تجريح، و ينتقد الماحول في تشريح راقٍ و واعٍ بحجم الخسارة و الهزيمة الذاتية و الغيرية، داخل رؤيا فنية و وجودية تقيم عالما جديدا على أنقاض واقع مرفوض.
***
إحالات:
1 – منصور الفلاحي، ترانيم الصدى، ديوان شعر، مطبعة وراقة بلال، فاس، المغرب، الطبعة الأولى 2024
2 – خالدة سعيد، حركية الإبداع، دار الفكر للطباعة و التوزيع، بيروت، 1986، ص 108



#نورالدين_حنيف (هاشتاغ)       Noureddine_Hanif#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- انسجام الخطاب الشعري
- سيميوطيقا الماء
- الحركة في فنّ الأيكيدو
- سؤال الشعر و الكينونة
- فنّ الكتابة المشتركة
- سرّ النّون
- الاستعارة في زجل أحمد لمسيح
- من السؤال إلى التسليم
- المحارب الجميل
- ثلاثية الماء و الكتابة و الألوان
- سِفْرُ الكينونة و النبات
- مقدمة في ديوان ( فيهْ اللِّي فِينا )
- خيوطُ الورقي في رواية الحدقي
- الأنا الشعرية الناعمة والمفترسة
- شاعرٌ يخترمُ مفهوم الزمن
- التشاكل الصوتي نسق النون نموذجا
- قِراءة في قصيدة
- سؤال التلقي والتأويل
- كِتابةُ الْمناقِب
- همسُ النّسائم


المزيد.....




- مصر.. أول ظهور لمحمد الحلو بعد عمليات القلب
- -أرشيف الحياة-.. حكايات شهداء غزة في مواجهة النسيان
- رومانيا تتصدر برنامج السوق الأمريكي للأفلام بوفد سينمائي موس ...
- -رسمت المقبرة الجماعية-.. نازحة من الفاشر توثق ما رأته بالفح ...
- احتفاء واسع في الأوساط الفنية الأمريكية بفوز عبد الرحمن السي ...
- الناخب ليس مخدوعا.. قراءة في الترمبية وجذور اليمين الأمريكي ...
- أصالة نصري تكشف تفاصيل سرقة مجوهراتها خلال جولتها الأميركية ...
- أنغام تثير الجدل بسبب رائحة التدخين على المسرح
- مهرجان القاهرة السينمائي يفتتح دورته الـ47 احتفاءً بيوبيله ا ...
- من ريف تهامة إلى جائزة الإيسيسكو.. شاعر يمني يعتلي -مدن القص ...


المزيد.....

- الدومري لا يطفئ عينيه / د. خالد زغريت
- رواية صرخات وهمسات- محمد الفقي / محمد الفقي
- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نورالدين حنيف - تناغم الدلالة و الإيقاع