|
|
السينما والحلم الأمريكي - ستالون - نموذجا
عزيز باكوش
إعلامي من المغرب
(Bakouch Azziz)
الحوار المتمدن-العدد: 8878 - 2026 / 11 / 3 - 20:35
المحور:
الصحافة والاعلام
تعرفت شخصيا على نجم السينما العالمي - سيلفستر ستالون - في تزامن مع عشقي لأفلام مواطنه -أرنولد شوارزينيجر- بداية التسعينيات . وأحببت جميع أعمالهما وأدوارهما في سينما الأكشن ذات البصمة الهوليودية. باعتبارها إحدى تجليات أقوى أدوات "القوة الناعمة" التي أنتجتها أمريكا وعرفها التاريخ الحديث .إذ لم تكتف الولايات المتحدة عبرها ببناء صناعة سينمائية ترفيهية بمليارات الدولارات، بل حوّلت الشاشة الفضية إلى منبر استراتيجي لتصدير رؤيتها للعالم وترسيخ الحلم الأمريكي لإحكام هيمنتها الثقافية وترسيخ نفوذها الاستراتيجي فضلا عن إبراز تفوقها العسكري والتكنولوجي.
هذه حقيقة جلية وإن اتسم هذه النزوع بنوع من الحماس والانفعالية . لكن شخصيتي –روكي- و- رامبو- لسيلفيستر ستالون - ظلتا الاستثناء بل اللحظة المثالية في تصوري. وتنطوي وجهة نظري هذه على اقتناع شخصي باعتبار الرجل نجما سينمائيا أمريكيا لا يضاهى . كنت على الدوام أتخيله بطلا لا يقاوم وشخصية لا تنكسر ولا تتسرب إليها الهزيمة قط . كنت أحدث نفسي بالمسموع دائما . إنها صناعة صورة البطل الأمريكي الخارق الذي تقدمه السينما الأمريكية في صورة المنقذ الإنساني الوحيد عند الأزمات الكبرى. سواء كان هذا البطل جنديا في الحرب العالمية الثانية أو رائد فضاء ينقذ الأرض من كويكب وشيك الاصطدام بها أو حتى شخصية خيالية مثل سوبيرمان أمريكا . وبناء على هذا التصور ثمة رسائل مضمرة أولاها .عندما يواجه العالم خطرا وجوديا فإن القيادة والحل والأمل يخرجون دائما من واشنطن أو نيويورك.هنا تحقق هوليود نجاحا مذهلا في إبراز التفوق العسكري والتكنولوجي. فيحصل على الفور تعاون محكم وتاريخي بين وزارتي الدفاع الأمريكية (البنتاغون) وصناع السينما في هوليوود. وخلالها يُمنح المخرجون تسهيلات هائلة مثل استخدام حاملات طائرات مقاتلات حربية وقواعد عسكرية مقابل مراجعة النصوص لضمان إظهار الجيش الأمريكي بأبهى صورة من القوة والاحترافية والأخلاقية يتجسد ذلك بشكل مثالي في أفلام مثل Top Gun وTransformers). ثانيا السعي الجاد لإبراز الجيش الأمريكي قوة لا تقهر بامتلاكه تكنولوجيتا هي الأحدث في العالم، مما يخلق نوعا من الردع النفسي لدى الشعوب الأخرى. ويبقى الهدف الأسمى هو تعميم نمط الحياة الأمريكي حيت تبهر هوليود العالم بتسويقها للثقافة والنمط المعيشي الأمريكي بوصفه النموذج المعياري للرفاهية والحرية في العالم. خذ على سبيل المثال أفلام الحرب العالمية الثانية، حيث يظهر النصر وكأنه إنجاز أمريكي خالص. وفي حرب فيتنام أو العراق وافغانستان والصومال وغيرها من بؤر التوثر ، تُركز الحبكة غالبا على "المعاناة الإنسانية والنفسية للجندي الأمريكي" بدلا من تسليط الضوء على الضحايا المحليين، مما يُعيد توجيه التعاطف العالمي. والحقيقة التي يجب أن تقال هي أن أمريكا لا تفرض سينماها بالقوة، بل ببريق الجودة الإنتاجية والإبهار البصري عبر الميزانيات الضخمة وتكنولوجيا المؤثرات المدهشة ما يجعل منها منتجا جذابا للغاية يكتسح دور العرض حول العالم، مما يضمن وصول الرسالة الأمريكية إلى كل بيت دون مقاومة ثقافية تُذكر.
وباقتضاب شديد. يتعلق الأمر هنا بأقوى رسالة مشفرة للعالم يمكن أن يتخيلها المرء. بل إنها التجسيد الحقيقي لأمريكا القوة الناعمة والصلابة الفتاكة الذكاء المذهل والعاصفة العولمية المنكهة برغبتها الشرسة والمعلنة في السيطرة على مختلف البؤر في العالم والإجهاز عليها بكل الوسائل وبأحدث التقنيات منها المبتكر ومنها ما يستلهم من الخيال العلمي . يتبع 2 في أدبيات الشاشة وسيكولوجيا الصناعة السينمائية فإن سيرة الممثل النجم تتصف بسمتين .الأولى حياته أمام الكاميرا والثانية خلفها .هنا هوليود تتفوق في صناعة الفارق . لذلك لم أتجرأ يوما للسؤال عن الثمن الذي يفترض أن يؤديه نجوم الأكشن حتى يظلوا محافظين على لياقتهم البدنية المثيرة والملفتة . طالما كل الأدوار الهوليودية تتطلب عضلات قوية وحركات بدنية مثيرة وصادمة . في إحدى المقابلات الصحفية اعترف - سيلفستر ستالون- بأن اهتمامه باللياقة البدنية وبناء العضلات بدأ بصورة عادية قبل أن يتحول تدريجيا إلى هوس حقيقي. فلم يعد هدفه مجرد امتلاك عضلات ضخمة، بل أصبح يسعى إلى جسم رشيق وقوي وسريع يتناسب مع الشخصيات التي يؤديها. وظل لوقت طويل يمارس ضغطا كبيراعلى نفسه من أجل الحفاظ على تلك الصورة أمام الجمهور. هنا إشارة إلى أن ما يجري خلف كواليس التصوير واستوديوهات هوليوود عوالم غريبة عجيبة وصادمة أحيانا . إنها المعنى الحقيقي لصناعة الوجه الآخر للبطل الخارق الذي تمجده السينما الأمريكية وتفاخر به السياسة والاقتصاد .لا سيما عندما يتحول السعي إلى المظهر المثالي للنجم هوسا حقيقيا، كما حدث مع أسطورة السينما الأمريكية سيلفستر ستالون.
في العام 1982 وخلال تصوير فيلم - روكي 3- وصل سيلفيستر إلى مرحلة بالغة الخطورة، إذ انخفضت نسبة الدهون في جسمه بحسب ما ورد في الرواية المتداولة. كما سبق له أن أوضح في ذات الحوار الصحفي أنه مر آنذاك بمرحلة صعبة فقد أصبح يجد صعوبة في تناول الطعام والاحتفاظ به، بل فقد الرغبة في الأكل أحيانًا. وكان ذلك كله في سبيل المحافظة على مستوى اللياقة البدنية الذي يتطلبه الدور. ونتيجة لذلك عانى من دوار مستمر وإرهاق بدني غير طبيعي أثّرا في نشاطه وطاقته اليومية. ومن التدريب القاسي إلى استعمال المنشطات .بحيث لم يتوقف الأمر عند التمارين الشاقة والأنظمة الغذائية الصارمة. فقد أقر ستالون أيضا باستخدام منشطات ومواد هرمونية إلى جانب المكملات لمساعدته على الحفاظ على بنيته العضلية الاستثنائية في ظل ضغط التصوير اليومي. بالإضافة إلى ذلك أوضح أنه كان يتبع نظاما معينا لفترات، ثم يتوقف عنه في تجربة يُحتمل أن تكون لها انعكاسات على صحته العامة وجسمه على المدى الطويل. وتكشف هذه التجربة القاسية للظهور كبطل خارق جانبا من الثمن الذي قد يدفعه بعض نجوم السينما مقابل الحفاظ على صورة جسدية مثالية تفرضها متطلبات الأدوار وضغوط الشهرة والنجومية . يتبع وبرأي النقاد والمتتبعين. فإن تجربة فيلم - كوب لاند- (Cop Land)، عام 1997 الذي جسّد فيه شخصية شرطي تختلف عن أدواره المعتادة محاولة حقيقية للخروج من قالب البطل العضلي وذلك بعد سنوات من الالتزام الصارم بالمحافظة على بنيته العضلية. وقد تطلب منه اكتساب وزن إضافي لأداء الشخصية . وقد شكلت التجربة بلا منازع ابتعادا عن الصورة التقليدية للبطل الخارق ذي العضلات المفتولة. وقد أتاح له هذا الدور تقديم وجه مختلف من قدراته التمثيلية بعيدا عن الاعتماد على القوة الجسدية وحدها، وهي خطوة تؤكد أن موهبة النجم العالمي لا تختزل في عضلاته أو مظهره الخارجي وهكذا، ظل ستالون واحدا من أبرز نجوم السينما العالمية، جامعا بين النجاح الجماهيري وتجارب مهنية أظهرت قدرته على تجاوز القوالب النمطية لأدواره. وُلد سيلفستر ستالون في مدينة نيويورك سنة 1946، وعاش طفولة صعبة وبدايات مليئة بالتحديات. فقد أدت مضاعفات حدثت أثناء ولادته إلى إصابة بعض أعصاب الوجه، الأمر الذي ترك أثرا في عضلاته وجهه ومست طريقة كلامه، ومنحه نبرة صوت مميزة. وقبل أن يشق طريقه إلى عالم التمثيل، عانى من الفقر الشديد حتى إنه اضطر في إحدى مراحل حياته إلى بيع كلبه لتوفير المال اللازم لمعيشته. وبعد أن نجح في بيع سيناريو فيلم «روكي»، عاد واشترى كلبه من جديد مقابل مبلغ مالي أكبر بكثير في قصة تُروى كثيرا عند الحديث عن بداياته القاسية وإصراره على تحقيق حلمه. أما على صعيد الحياة المدنية فقد تزوج ستالون ثلاث مرات. كان الزواج الأول سنة 1974 من الممثلة ساشا تشاك، وأنجب منها ولدين، قبل أن ينتهي الزواج بالطلاق سنة 1985.وفي وقت لاحق، دخل في علاقة شهيرة مع عارضة الأزياء والممثلة بريجيت نيلسن، وتزوجها سنة 1985، لكن زواجهما لم يستمر سوى نحو عامين وانتهى بالطلاق سنة 1987.أما سنة 1997، فقد شهدت بداية مرحلة جديدة في حياته العائلية، حين تزوج عارضة الأزياء جينيفر فلافين. وأثمر زواجهما عن ثلاث بنات هن صوفيا وسيستين وسكارليت، لتصبح الأسرة جزءا أساسيا من حياته بعيدا عن أضواء الشهرة. تُظهر تجربة سيلفستر ستالون بجلاء أن الصورة التي يصنعها النجم أمام الكاميرا قد تخفي وراءها سنوات من الانضباط القاسي والتضحيات الجسدية والنفسية. وبين عضلات «روكي» وقوة «رامبو» والشخصية المختلفة في «كوب لاند»، ظل ستالون مثالا لممثل سعى إلى إثبات قدرته على تجاوز حدود الصورة النمطية، وإن كان الثمن الذي دفعه في سبيل ذلك يفتح بابا للتأمل في العلاقة بين الشهرة وصورة الجسد والصحة. لعل ما تصنعه هوليود بإبهار من كل أصناف العلامات التجارية والجماليات وماركات السيارات التي تفوق الخيال كذلك الأكسيسوارات والأزياء وأنواع الموسيقى وأنماط المأكولات السريعة وحتى التصميم المعماري للمدن والمنازل الهادئة. إنه باختصار الترويج لمنظومة من القيم والأفكار وتسويق نظم من المفاهيم مثل الحرية الفردية والعدالة والفرص المتاحة للجميع (الحلم الأمريكي). على أن الحقيقة التي يجب الإقرار بها ليس نجاح السينما الأمريكية في إعادة كتابة التاريخ وتشكيل الذاكرة الجمعية العالمية فحسب و إنما في امتلاكها هوليوود تلك القدرة الهائلة على صياغة الرواية التاريخية للأحداث العالمية الكبرى وفق المنظور الأمريكي. وبالمعنى ذاته، تصبح سينما هوليوود هي سفير أمريكا الدائم في كوكب الأرض . فهي لا تبيع قصصا وأفلاما وكارتونات ،بل تبيع قيم السيادة والتفوق والحلم، جاعلةً العالم ينظر إلى الولايات المتحدة ليس فقط كقوة عظمى يُخشى منها بل كنموذج يُحتذى به ويُعجب به الجميع.
#عزيز_باكوش (هاشتاغ)
Bakouch__Azziz#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
- أميج الفكرة والامتداد 1956– 2026 - سبعون سنة سبعون شهادة ف
...
-
المبدع المغربي عبد العالي النكاع الصمود والمقاومة ضد المرض ف
...
-
هل يعني ذلك أن المصورين المتجولين في طريقهم فعلا إلى الانقرا
...
-
كيف تحقق الأرباح على الفايسبوك ؟
-
بوليسي ..
-
لكل قبره - مسرحية بالألمانية ترقص وتغني بالعربية للكاتب الأ
...
-
الدكتور إدريس الواغيش بين متعة الصوفية في السفر والتأمل في د
...
-
تحت شعار بورتريهات المواهب : المغرب المنتخب الآخر
...
-
ساعاتنا من يصلحها؟
-
- نساء في دائرة الضوء - للمصور الصحفي بوعبيد المكناسي الصادر
...
-
أيقونة الكوميديا في مصر والعالم العربي. الزعيم عادل إمام
-
عادل إمام على عرش النجومية لأكثر من 40 عاما في المسرح أو الس
...
-
لذة القراءة المتباعدة
-
سيرة حياة درامية للفنان المصري الراحل سيد زيان
-
النيل في رواية -موسم الهجرة إلى الشمال – للطيب صالح صراع داخ
...
-
بفاس - المغرب - مجموعة من الشعراء بقراؤون قصائد مدح في حق زو
...
-
الإلقاء أقوى آليات الجذب وتعزيز التلقي
-
فعاليات المؤتمر الدولي بفاس المغرب المنظم من طرف مختبر الدرا
...
-
حول تشيخوف لقاءات وانطباعات – ذكريات ميخائيل تشيخوف عن شقيقه
...
-
النجم كلاوس كينسكي سمعته مرعبة لكن الكاميرا تحبه
المزيد.....
-
باشينيان يحدد موعدا لطلب انضمام أرمينيا إلى الاتحاد الأوروبي
...
-
رئيس مجلس النواب الليبي الجديد يؤيد بقاء العائب رئيسا لجهاز
...
-
رصد مقاتلات بريطانية وطائرات شحن أمريكية وتحركات عسكرية لافت
...
-
دول الخليج تلوح برد جماعي على أي هجمات إيرانية
-
طائرات تزويد بالوقود أمريكية تحلق فوق مياه الخليج
-
العدل الأمريكية تؤكد أنها لن تنتزع صلاحيات ألاسكا في الانتخا
...
-
لحظة بلحظة.. الأمريكيون يصوتون في انتخابات التجديد النصفي
-
7 تهديدات بقنابل تضرب مطارات أوروبا.. مقاتلات حربية تواكب طا
...
-
أجهزة الاستخبارات الأميركية في أزمة بسبب ترامب.. خلافات تعطل
...
-
قرار ترامب بوقف المساعدات لإسرائيل يفاجئ تل أبيب.. 8 مليارات
...
المزيد.....
-
مكونات الاتصال والتحول الرقمي
/ الدكتور سلطان عدوان
-
السوق المريضة: الصحافة في العصر الرقمي
/ كرم نعمة
-
سلاح غير مرخص: دونالد ترامب قوة إعلامية بلا مسؤولية
/ كرم نعمة
-
مجلة سماء الأمير
/ أسماء محمد مصطفى
-
إنتخابات الكنيست 25
/ محمد السهلي
-
المسؤولية الاجتماعية لوسائل الإعلام التقليدية في المجتمع.
/ غادة محمود عبد الحميد
-
داخل الكليبتوقراطية العراقية
/ يونس الخشاب
-
تقنيات وطرق حديثة في سرد القصص الصحفية
/ حسني رفعت حسني
-
فنّ السخريّة السياسيّة في الوطن العربي: الوظيفة التصحيحيّة ل
...
/ عصام بن الشيخ
-
/ زياد بوزيان
المزيد.....
|