أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قراءات في عالم الكتب و المطبوعات - مهند طلال الاخرس - دقة الوصف كقيمة جمالية وفنية في رواية صلاح الدين لآندرو أوزموند: الحدود والسياج والجسر والسلاح مثالاً















المزيد.....


دقة الوصف كقيمة جمالية وفنية في رواية صلاح الدين لآندرو أوزموند: الحدود والسياج والجسر والسلاح مثالاً


مهند طلال الاخرس

الحوار المتمدن-العدد: 8878 - 2026 / 11 / 3 - 07:00
المحور: قراءات في عالم الكتب و المطبوعات
    


على الرغم من الانحياز السياسي المسموم والمنظور الاستشراقي الذي يسكن بطن الكاتب البريطاني آندرو أوزموند، إلا أن رواية "صلاح الدين" (Saladin!) الممتدة على متن 474 صفحة الا انها تمتلك قيمة جمالية وفنية رفيعة تتجلى في جمالية الوصف ومتانة هندسته الدقيقة للبيئة والأمكنة.

ففي الرواية لم يكن الوصف لدى أوزموند مجرد زينة أدبية أو حشو إجرائي، بل تحول إلى أداة بصرية تزيد من واقعية "التشويق البوليسي"، وتأخذ المتلقي إلى قلب الجغرافيا الفيزيائية للصراع، وتُعد تجربة عبور الحدود والجسر وطريق إيلات الأنموذج الأبرز على هذه المتانة الفنية والدقة الجغرافية.

ومن خلال استعراض نموذج الحدود والجسر في متن الرواية تتضح هذه القيمة الجمالية والوظيفية من خلال المحاور التالية:

أولاً: جغرافية العبور ووصف الحدود (الأردن وفلسطين): فعندما تبدأ المجموعة باختراق الحدود والدخول عبر الأردن من خلال الجسر، يرتفع رتم الوصف لدى أوزموند ليقدم لقطات فنية بالغة الإحكام -رغم خطئه في بستان التفاح- وهذا ما يلحظه القاريء في الصفحة 204 و 205 حيث يقول:
"أصبح باستطاعهم رؤية بساتين التفاح على الجانب الإسرائيلي، ومن ثم مزرعة صنوبر. عند بداية أشجار الصنوبر تماماً، مخبأ تقريباً في ظلها، كان هناك برج مراقبة يطل على السياج. بسام، الذي بدا أكثر هدوءاً الآن، كان يعدّ أبراج المراقبة. همس شيئاً بالعربية، ثم استدار إلى روسكو.....
• "هذا هو بعينه".
أومأ روسكو وأمعن النظر في السياج، الذي كان يبعد أقل من مائة ياردة. كان فمه جافاً تماماً....
" الحدود الإسرائيلية مدروسة، شراك موت متعددة. كان العائق الرئيسي سياج متشابك ارتفاعه ثمانية أقدام والذي يتضاعف في الأعلى ليصبح ثلاث جدائل أفقية من الأسلاك الشائكة. زرعت على طوله في مسافات محددة أبراج مراقبة مصفحة بالفولاذ ومأهولة من قبل الجيش الإسرائيلي أو شرطة الحدود، ويمر في داخله من المتوسط إلى خليج العقبة، درب للدوريات. فرش هذا الدرب بطبقة سميكة من الرمال والتي تتفحص كل صباح لرؤية فيما إذا كانت عليه آثار أقدام بشرية، يمسح نظيفاً بواسطة عربة تجرّ فرشاة خشبية. كلا جهتي الدرب مزروعة بحقول ألغام ومشاعل إنارة وموزع على كل منطقة الحدود، على كليهما الجانب العربي والإسرائيلي، أجهزة إلكترونية صغيرة والتي تلتقط أدنى اضطراب أو صوت. السياج ذاته مكهرب وموصول في بعض النقاط ببنادق آلية والتي سوف تطلق النار ذاتياً على النقطة التي حصل فيها الخرق.
لقد قتل مئات الفدائيين على مسار هذا العائق، إلا أن روسكو وأصدقاءه لديهم ميزة عظيمة حرمت منها مجموعات الغارات العادية. إن الحارس في برج المراقبة هذا كان عميلاً لصلاح الدين..."،
..."شاب في شرطة الحدود الذي قدّم تفاصيل كاملة عن هذه الرقعة من الحدود وهو ينتظر لمساعدتهم في العبور. من المنتظر أن تنتهي نوبة حراسته في الرابعة صباحاً، وهكذا فإنه يكون قد بقي لديهم خمس عشرة دقيقة فقط؛ أما الآن فإن عليهم التحرك بحذر شديد أكثر من أي وقت مضى، يجرون بطونهم فوق أحجار ملساء وفوق رقعة من غطاء نباتي - أفاعٍ بشرية تتلوى متعرقّة في الظلام. أصبحت أحاسيس روسكو متبلّدة بسبب الإنهاك. في كل مرة توقف كانت لديه رغبة ملحّة أن يضع وجهه على الأحجار وينام.
أطلقوا إشارتين، لكن لم يكن هناك جواب. لم تعد لديهم الجرأة على الاقتراب أكثر الآن. إذا كانوا قد أخطأوا في اختيار البرج فإن الجواب سوف يكون ضوءاً يعمي العيون وطلقات.
• "حاول ثانية"، قال بسام.
وضع روسكو مسدسه على حجر، أخرج مصباح الإشارة ووجّهه للأمام مباشرة. ثلاث ومضات قصيرة.
ليس من جواب.
أطلق روسكو إشارة مرة أخرى. انتظروا محدّقين إلى الأمام على خط نهاية أشجار الصنوبر. عندئذ، وأخيراً هذه هي: ومضة خضراء قصيرة في الظلام. نهضوا على أقدامهم فوراً وساروا مباشرة باتجاه السياج، مثبّتين عيونهم على الحجرة الدائرية لبرج المراقبة.
ضوء أحمر.
توقفوا قريباً من السلك. رأى روسكو شيئاً يتحرك خلال الصنوبرات خلف السياج"

• التشريح الفيزيائي للمكان: يصف الكاتب الطبيعة الجغرافية القاسية لمناطق التماس؛ حرارة الأغوار الحارقة، الغبار المتصاعد، جفاف التربة، وانعكاس أشعة الشمس على الأسلاك الشائكة ونقاط التفتيش. وهذا الوصف الحسي (البصري والحراري) ينقل للمتلقي ثقل اللحظة ونفسية العابرين المترقبة.

• سينمائية المشهد الأمني: يتم وصف بوابات الحدود، والبروتوكولات العسكرية، والوجوه الصارمة لحرس الحدود، وحركة دبابات وسيارات الدورية، بطريقة تجعل القارئ يشعر بالاختناق الأمني للمكان. الوصف هنا متين لأنه لا يكتفي برسم الخطوط الخارجية، بل يصف "الهواء الثقيل" المشحون بالخوف والترقب الذي يسبق ساعة الصفر، وهذا ما يلحظه القاري عند مطالعة الصفحة 367 من الرواية فنجده يقول:
"كانت الطريق إلى الغرب من البقعة تمر فوق مرتفع، ثم تنحدر بشدة إلى أخفض نقطة على سطح الأرض. ظهر البحر الميت إلى اليسار، امتداد بخاري ضخم فيروزي اللون مطعّم بكريستال أبيض، والأردن إلى الأمام، خط من القصب على طول قعر الوادي. أصبح الهواء ندياً وحاراً، مع رائحة الملح الغريبة بسبب التكثيف.
غنت أذني روسكو مع الصحراء، تعرّق وتبخّر في قيظ الحرارة. قال وداعاً إلى مارسدن بعد مسافة قصيرة من النهر، ثم جلس تحت شجرة متهوجة ذات زهر أحمر متألق، بينما رُفعت حقائبه على حافلة نقل للركاب. تجمع مسافرون آخرون في الظل، صامتون كالماشية، في حين كان السائق يصيح لتسليمه الحقائب، يربطها بإحكام على حاجز سقف الحافلة.
لم يحصل أي أمر خلال النصف ساعة التي تلت. لم يكن أحد مستعجل في الوصول إلى إسرائيل.
كان كازافيتيس على الحافلة أيضاً. لقد وصل برفقة رجل من مكتب الصحافة الأردنية، وانضم إلى روسكو تحت الشجرة بمجرد أن سلّم أوراقه. كان يرتدي قميصاً من النايلون وبنطالاً من الألياف الاصطناعية مثبت بنطاق رخيص. لقد قص شعر رأسه. كانت أمتعته حقيبة فقط وآلة تصوير يابانية تتدلى حول رقبته".

ويتابع الوصف بنهم ويجذب القاريء اكثر عند الحديث عن نقطة الجسر في الصفحة 369 و 370 فيقول:
"... نادى سائق الحافلة عندها على جميع الركاب للصعود وانطلقوا على الطريق باتجاه الأردن.
توزعت على جانبي الطريق أبنية زراعية متناثرة وحقول مهملة؛ كان الوادي متروكاً للعسكر. توقفت الحافلة من أجل التحقق الأخير من الوثائق، ثم أقلعت إلى الأمام مرة أخرى، عبر غابات من القصب متابعة إلى الأمام على فراغات تمدد جسر. استغرق روسكو متمعّناً في المشهد، دامع العينين لكنه يستوعب كل تفصيل: المياه الراكدة بنية اللون في الأسفل، وهي ليست أكثر من جدول، نقاط الحراسة الأردنية في حقول القصب، وإلى اليسار جسر اللينبي العتيق، الذي هو عبارة عن عوارض خشبية مكسّرة قد جُمعت مع بعضها والتي كان اللاجئون قد عبروا فوقها في طوابير سيراً على الأقدام.
تقدمت الحافلة ببطء، ثم توقفت، كأنها في حالة خوف. كان المسافرون صامتين.
حدّق النظر بهم جندي إسرائيلي ضجر من فوق فوهة سبطانة بندقيته؛ وجه منتفخ سمين، يتصبب عرقاً، يضع نظارات مع حروق على جانبي وجهه. كان محاطاً بجدار من أكياس مليئة بالرمل ومظللاً بسقف من حديد مضلّع. كان على اليمين موقع دفاعي أكبر، مبني في تلة عالية من الطمي تعلوها سارية علم. كان العلم أبيضاً، مع خطين أفقيين زرقاوين، ونجمة داوود في الوسط.
أقلعت الحافلة مرة أخرى بعد نداء إليها. سيقت صعوداً على الطريق إلى مركز استقبال، حيث فُتحت كل حقيبة ورزمة. وتحسس الحراس كل قطعة ملابس بدقة. استغرق الأمر وقتاً طويلاً. شعر روسكو بالإغماء فجأة، بينما هو ينتظر دوره وتمسّك بجدار من الشباك من أجل مساعدة نفسه. كانت تتجول خلف المركز في
الشمس فتاة جندية إسرائيلية، ترتدي تنورة كاكية قصيرة. ظل العرب مركزين عيونهم على حقائبهم.
كان هناك مجمّع مشابه غير بعيد محاطاً بالأسلاك الشائكة حيث تُقاد الشاحنات قسراً اثنتان في وقت واحد. رفض صلاح الدين هذه الطريق لاستيراد المتفجرات، ولقد رأى روسكو الآن السبب في ذلك. وقف السائقون العرب إلى جانب بينما تُفرّغ عجلات شاحناتهم من الهواء، وتُسبر حمولاتها من الحمضيات بواسطة قضبان فولاذية. فُتحت ثقوب على جوانب المركبات، تم تركيب لوح زجاجي خاص على أحد جوانب خزانات الوقود. لم يشاهد روسكو أبداً حدوداً مُسيطرأً عليها بهذا الشكل. تقدم إلى الأمام بينما رُفعت حقيبته وفُتحت وبعثرت محتوياتها بسرعة على منضدة. لم يكن لديه ما يصرّح به.
• "جواز السفر".
قام بتسليمه.
• "أجلس هناك من فضلك".
جلس على مقعد خشبي منخفض مع العرب وشاهد جواز سفره يُسلّم إلى رائد من الجيش في الزي الرسمي يقف في الخلف والذي تطلّع إليه باهتمام. لم يكن روسكو يعلم، لكن ذاك كان ياكوف.
تلى ذلك التفتيش الشخصي في غرفة جانبية ومن ثم اقتيد إلى مكتب في بناء مجاور حيث كان ياكوف يجلس خلف مكتب، يتفحص جواز سفره...".

ثانياً: "الجسر" كبرزخ مكاني وحالة تشويق دراماتيكية

يُمثل "الجسر" (جسر الملك حسين / اللنبي) في الرواية برزخاً فاصلاً بين عالمين؛ عالم التخطيط في الخارج، وعالم المواجهة المباشرة في الداخل المحتل ويتضح هذا الامر بشكل اكبر من خلال:

• دقة التفاصيل اللوجستية: حيث يتتبع أوزموند باحترافية بالغة وصف حركة الحافلات والشاحنات، تفتيش الحقائب وفحص الشاحنات، والاساليب والمعدات المستخدمة لذلك، وكذلك الامر بالنسبة لفحص الهويات المزورة، والعيون التي تترصد المارين، والخطوات التي يخطوها فريق "صلاح الدين" وروسكو على خشب أو حديد الجسر.

• القيمة الفنية للوصف: تكمن جمالية الوصف هنا في قدرته على تثبيت الزمن. يطيل الكاتب في وصف أدق الجزئيات (حركة يد المحقق، نبرة صوته، تفاصيل الختم، نبضات قلب الشخصيات المتنكرة، قضبان الحديد التي تمرر من خلال ثقوب خاصة اسفل الشاحنة وتخترق جسم الشاحنة وبطنها حتى تنفذ الى الجهة المقابلة، عري الشاحنة واجزائها الحديدية المكشوفة ، غرفة السائق المفرغة من اي اضافات باستثناء كرسي السائق الحديدي....) كل هذه الصور والاوصاف ساهمت بخلق حالة جذب للقاريء المتلقي وحبست أنفاسه لاقصى درجة، حتى كاد القاريء ان يتفقد جيوبه ويتحسس جسده ويقتصد بانفاسه. كل هذه التفاصيل اسهمت بان يتحول الجسر من مجرد ممر فيزيائي إلى "ميزان نفسي" تُختبر عليه صلابة الفريق التكتيكية قبل الدخول إلى حقل الألغام.

ثالثاً: طريق إيلات والأحداث الدراماتيكية

يمتد الوصف المتين ليشمل جغرافيا الجنوب وعبر خليج إيلات والعقبة، حيث تتصاعد الأحداث الدراماتيكية المشوقة وهذا يتضح اكثر عند الصفحة 408 و409 حيث يقول: "كان الخليج كثقب أسود في الفضاء، لا يمكن التمييز بين الماء واليابسة؛ النجوم وحدها تبيّن أين تبدأ السماء. لقد لوحظ أن الدوريات الإسرائيلية تحافظ على نمط محدد، إحداها تغطي المرفأ بينما تبقى الأخرى بعيدة في الخليج. كانت خطة نصر الدين تقتضي أن يتم صرف انتباه القارب البعيد في المرفأ بواسطة قارب دورية أردنية بينما يمرّ مختار بين القاربين، بعد أن يكون قد أوقف المحركات ويقوم بالتجديف على اتجاه محدد حتى يشاهد الإشارة الضوئية. سوف يكون هناك بالفعل ضجّة على الماء إذا أخفق هذا الترتيب. سوف يكون قاربي مختار قريبين الآن. يكمن الخطر في الحارس الإسرائيلي في برج مراقبة متموضع على الجروف الصخرية على بعد ثلاثمائة ياردة جنوباً. يقوم ضوؤه الكشّاف بسبر الليل بصورة متقطعة، لكنه لم يكن شغّالاً الآن. كان الوقت العاشرة وخمس وخمسين دقيقة ليلاً. هناك خمس دقائق للانطلاق. ركّز روسكو على التقاط أدنى صوت أو حركة، وفجأة عندئذ، بأعجوبة، كانا هنا، قادمين واحد خلف الآخر مع خفقان ودوامة المجاديف في الماء، على التوقيت الصحيح بالضبط. أراد روسكو أن يهتف. اندفع عائداً إلى الكهف بينما أطفأ الضوء، ثم قادهم في مياه الشاطئ أسفل الطريق. كان مغموراً بالماء حتى الركبتين، يمسك بأيديهم ويربت على أكتافهم. كانت الوجوه غير مرئية؛ تمتمات بالعربية في العتمة. سُحبت القوارب خارج الماء بناءً على توجيهات مختار، فُرّغت من حمولتها، وفُرّغت من الهواء، فُكّكت وخُبّئت بالسرعة والدقة والمهارة العسكرية. استغرق نقل المعدات والمتفجرات وقتاً أطول، صعود شاق على مسار حاد متعرّج، يوقف كلما مرت عربة متجاوزة
إياهم.
أعطى وليد حزمة إلى روسكو - مسدسه البراوننغ وزيّاً إسرائيلياً. غيّر ملابسه على الشاطئ ولحق بآخر رجل صعد إلى الشاحنة. استلم ابراهيم القيادة وبجانبه هورويتز. جلس روسكو في الخلف مع الآخرين، وضع نفسه بجانب نافذة المقصورة الخلفية. انطلقوا. أُشعلت السجائر.
كانت الطريق بدون عوائق، خالية من حركة المرور، ووصلوا إلى البحر الميت مع أول خيوط ضوء النهار الأولى، بلوراته المالحة تتلألأ مثل الجليد بينما أشعة الشمس المبكرة تسقط على جدران مسعدة إلى اليسار. أبطأ ابراهيم من سرعته عند أقصى الشمال من البحيرة لتفقد طريق هروبهم، مسار يصل بهم نزولاً إلى سياج الحدود. ظهرت حينها أريحا إلى العيان حيث استداروا إلى عقبة جبر، مخيم اللاجئين المهجور، يثبون عبر شوارعه الفارغة المحفّرة إلى أن وجدوا البناء الذي كان بسام قد اقترحه.
كان البناء مرأباً قديماً لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، مبنياً من كتل بسيطة ومسقوف بألواح معدنية مموجة صدئة. لقد سُرق بعض هذه الألواح، تاركة فراغات مستطيلة تسطع من خلالها الشمس على الأرضية المفروشة بالأنقاض. إنه مكان كئيب، لكنه مناسب لغرضهم. وضع فؤاد والفجري كحرّاس بينما رُكنت الشاحنة في زاوية وفُرّغت من حمولتها. وقف هورويتز في أحد الجوانب. لم يتكلم أي من العرب معه، لقد فُضّل كل طرف تجاهل وجود الطرف الآخر، ومع ذلك فقد بدوا كوحدة متماسكة، يرتدون ملابس إسرائيلية موحّدة خضراء قطنية ويضعون قبعات الغزاة، لم يكن ممكناً تمييز اليهودي المنعزل عن العرب".

• وصف الصحراء وخليج ايلات: حيث يرسم أوزموند لوحة فنية لصحراء النقب وطريق إيلات وخليجها؛ طريقة عبور الخليج والورديات ومناوبات الحراسة والزمن الفارق بينهما، واشارة الضوء المنبعث عند ساعة الصفر لاختراق الخليج بين فترة تبديل المناوبات، والسكون الخادع، والجبال الصخرية الجافة، والمنعطفات الوعرة التي تتحرك فوقها المركبات المحملة بالعتاد والسلاح حتى الوصول الى المخيم في اطراف اريحا. هذا الوصف الجمالي للمكان يخدم البعد النفسي؛ فالصحراء المترامية تعكس العزلة النفسية لـ "أنيس قبعين" وفريقه، وتوحي بأنهم يتحركون في فضاء مكشوف وخطير لا يرحم الضعفاء.

• حركية السلاح والعتاد والدخول باتون الاجواء من خلال ما اورده في الصفحة 410 فنجده يقول:
"هناك الكثير على أية حال من العمل الذي يجب القيام به... جهّز الآخرون صواعق التفجير وتوصيلها إلى أسلاكها ووضعها في متفجّر البلاستيكس، يلفّون الأسلاك بحذر ويضعونها في حقائب الظهر. قام روسكو بفحص علب التحكّم ثم أجهزة الاتصال ووكي توكي، ثم مشاعل الإضاءة، ثم الراديو، الذي تلقى إشارة استجابة من نصر الدين في الأردن. أخرج روسكو بعدئذٍ مخططات الإلكترّاز وراجعها مرّة أخرى من البداية، بينما كان هورويتز ينظر صامتاً. ناموا في فترة بعد الظهر. قاد روسكو إلى أريحا حوالي الساعة الخامسة بعد الظهر واتصل بصلاح الدين، الذي قال أن جيسكار قد استطلع الإلكترّاز وأخبر أن الأمور بخير".

وهنا يتداخل وصف الطبيعة مع وصف المعدات العسكرية والتكتيكية وتفقدها؛ كيفية إخفاء السلاح، وصوت المحركات وسط السكون الصحراوي، والوصف الدقيق لعمليات التمويه. هذا التلاحم بين ميكانيكية الآلة وقسوة الجغرافيا يمنح الرواية مصداقية فنية تجعل القارئ يعيش الاجواء ويدخل الى احداث الرواية ويرى تفاصيلها بدقة حتى يكاد يلتصق بها ويسير مع احداثها وكانه جزء منها، حتى يكاد يصدق إمكانية حدوث هذا الاختراق تكتيكياً.

رابعاً: الوجه الآخر لدقة الوصف (السطو الجغرافي الخبيث)

إن الوعي الوطني الحقيقي والنبيه يفكك هذه القيمة الجمالية للوصف ليكشف عن وظيفتها السياسية المبطنة؛ فنحن أمام "وصف ميكانيكي بارد" ، وهذا يتضح اكثر من خلال:

• خرائط صامتة: الكاتب بارع جداً في وصف المداخل، والمخارج، والمسافات، والمنعطفات، والأسماء، لكنه وصف "ينزع الروح من الجسد". إنه يصف الجغرافيا الفلسطينية والحدود كـ "مسرح عمليات وجداول زمنية وخرائط صامتة" تخدم حبكة التسلل، بينما يعمد إلى طمس المعالم الإنسانية والتاريخية لهذه الأرض؛ فتغيب عن وصفه حقيقة النكبة والمخيمات وعذاب اللجوء المستمر منذ عقود، هذه الشواهد على الطريق وفي كل شبر من ارض فلسطين يتجاوزها الكاتب كما يتجاوز حقائق التاريخ الساطعة سطوع الشمس، فلا يعقل من كاتب يمتلك تلك البراعة والمتانة والدقة في وصف خط المسير ويغفل عن حقائق التاريخ التي تسير جنبا الى جنب مع خطوات المجموعة في بلاد يصيح ترابها ويئن من خطوات الغرباء و المحتلين...

• وبالاضافة لذلك فالأماكن عند الكاتب باردة، تتحرك فوقها الكاميرا لتخدم العقل التكتيكي للمرتزق روسكو أو الطوق الخانق لـ لوكتانوف، متجاهلةً أن هذه الحدود والجسور ليست مجرد نقاط تفتيش مشوقة في رواية بوليسية، بل هي جراح نازفة وشواهد حية على تمزيق شعب واقتلاعه من أرضه واختلاق الاكاذيب التي لا تلبث ان تغيب مع مغيب شمس كل يوم بمجرد ان تذهب خطوات الغرباء الى النوم مع افول شمس ذلك اليوم.

الخلاصة :

تظل دقة الوصف ومتانته الشكلية في رواية "صلاح الدين" قيمة فنية وعنصر جذب شديد الذكاء نجح من خلاله أوزموند في بناء رواية تشويق من الطراز الرفيع تدمج بين جغرافيا المكان وحرب الجواسيس والعمليات الخاطفة.

إلا أن هذا التميز الجمالي في وصف الحدود والجسر وطريق إيلات، وتزويده بجرعات الإثارة العالية التي تحتويه، يؤكد مجدداً وبواقعية وطنية صرفة أن عظمة الوصف تكتمل فقط عندما تتكامل الاوصاف؛ وبمعنى ادق في ان يتشابه ويتطابب ما فوق الارض مع ماتحتها، فالارض تعرف اصحابها ، وتحتفظ باسرارهم وحكاياتهم، وتنحاز للحق التاريخي الناطق حتما باسم اصحابه، والذي يعرفهم من اسمائهم ولون بشرتهم ومن طباعهم وعاداتهم وتقاليدهم؛ فازموند غابت عنه حقيقة مطلقة بان الارض تشبه اصحابها؛ ومن هنا تنبع ضرورة وأهمية أن يمسك أبناء الأرض اصحاب البلاد الحقيقين بأقلامهم لصناعة وكتابة السردية الفلسطينية، لكي يمنحوا الجغرافيا والحدود والجسور روحها الإنسانية المناضلة، ويعيدوا للمكان هويته الحقيقية التي لا تمر عبر تسويات "فجر الاثنين" الميكانيكية، بل عبر ثورة مستمرة تكتب بمداد الحق المنحاز دوما لاصحاب الارض، فالارض كانت ولازالت تعرف اصحابها حق المعرفة، حتى وان غابت شمسهم .. وجف حبرهم ....



#مهند_طلال_الاخرس (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- البعد النفسي لشخصيات وأبطال رواية صلاح الدين -لآندرو أوزموند ...
- دلالة العنوان في رواية -صلاح الدين- لآندرو أوزموند
- صلاح الدين ، آندرو أوزموند
- سيكولوجية العزاء: هيبة الغياب ومواسم الفقد المُرّ الى والدي ...
- الانتين
- الكفاح المسلح والبحث عن الدولة، يزيد صايغ
- سيكولوجية العزاء: هيبة الغياب ومواسم الفقد المُرّ ، الى والد ...
- عالمية الشاعر الفلسطيني محمود درويش
- كتاب من بيروت إلى القدس From Beirut to Jerusalem ، سوي تشاي ...
- المراة الفلسطينية المناضلة؛ الحاجة تودد عبدالهادي نموذجا
- تجارب ثورية ؛ الاعتماد على الذات
- خراريف شعبية ، تودد عبد الهادي
- كمال ناصر الاثار النثرية -مقالات ومذكرات-
- جيل المبادىء؛ محمد عيد عشاوي نموذجا
- دروس وتجارب ثورية، هل التجنح ظاهرة عامة في المجتمع ام صفة خا ...
- قراءة في رواية تحت ظل الخيمة بقلم: عثمان محمد الأخرس
- الجندي المجهول
- دليل الحرب الثورية ، كوامي نكروما
- كيف نجت الحكاية ؟
- الى خليل الوزير ابو جهاد في ذكراه 38


المزيد.....




- الملكة رانيا تستحضر التراث الأردني بالمدرقة الكركية في افتتا ...
- خبير مكياج يظهر بنسخة مطابقة لممثلة أمريكية على السجادة الحم ...
- محمد رمضان يتواصل مع زوج عاملة النظافة لتبرئتها
- ناريشكين: أوروبا تسقط عيوبها التاريخية على روسيا
- الصين تطلق المجموعة 21 من أقمار الاتصالات-SpaceSail-
- مصر.. مودة الأدهم تعود لجمهورها بعد خروجها من السجن
- إسرائيل.. تهديدات بالقتل وتسلل مريب أمام منزل آيزنكوت
- مصر تلغي تسهيلات الدخول لمواطني 3 دول
- عراقجي: إيران لا تكن أي عداء لدول الخليج
- وساطات -مكوكية- لتجنب جولة حرب جديدة في المنطقة، وإيران تقول ...


المزيد.....

- قراءة في العقل والثورة-3 / نايف سلوم
- قراءة في -العقل والثورة- -2 / نايف سلوم
- قراءة تفكيكية في رواية - ورقات من دفاتر ناظم العربي - لبشير ... / رياض الشرايطي
- نظرية التطور الاجتماعي نحو الفعل والحرية بين الوعي الحضاري و ... / زهير الخويلدي
- -فجر الفلسفة اليونانية قبل سقراط- استعراض نقدي للمقدمة-2 / نايف سلوم
- فلسفة البراكسيس عند أنطونيو غرامشي في مواجهة الاختزالية والا ... / زهير الخويلدي
- الكونية والعدالة وسياسة الهوية / زهير الخويلدي
- فصل من كتاب حرية التعبير... / عبدالرزاق دحنون
- الولايات المتحدة كدولة نامية: قراءة في كتاب -عصور الرأسمالية ... / محمود الصباغ
- تقديم وتلخيص كتاب: العالم المعرفي المتوقد / غازي الصوراني


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - قراءات في عالم الكتب و المطبوعات - مهند طلال الاخرس - دقة الوصف كقيمة جمالية وفنية في رواية صلاح الدين لآندرو أوزموند: الحدود والسياج والجسر والسلاح مثالاً