|
|
الانتين
مهند طلال الاخرس
الحوار المتمدن-العدد: 8808 - 2026 / 8 / 25 - 13:10
المحور:
سيرة ذاتية
"الانتين"
العمر لا يعود إلى الوراء... لكن قلوبنا تعود. يكفي أن تغمض عينيك، ليس أكثر. أغمضهما، واترك الريح تفعل ما تجيده منذ أن عرفناها؛ تحرك غبار خطوات السنين، تحرك برداية قديمة تستر شباك براكية الوكالة، الحاضنة لشقاء العمر وتعب السنين، ترفع طرف سجادة، تقلب ورقة من دفتر مدرسي، تعبث بطرف صورة، ثم تنفخ في رماد السنين...
وفجأة تشتعل منه صورة. يعود السطح. يعود المخيم.
تعود البيوت المتلاصقة، حبال الغسيل، أسطح الزينكو، أصوات الباعة، رائحة القهوة، وشجرة الكينيا التي كانت تظلل طرف الدار، وتلك الشبكة النحاسية، الانتين، المنتصبة فوق السطح كأنها قاعدة صواريخ صغيرة، أو آلة غريبة جاءت من بلد مجاور وصُنعت، أكيد، في بلد بعيد، لتستقر عندنا وتراقب السماء، ثم تستريح عليها عصافير الدوري وحمام جدتي هيجر. شبكتنا...
كانت شبكتنا أشهر من بعض الناس، وكانت، في زمنها، شيئًا يشبه المعجزة. في تلك الأيام كان التلفزيون جهازًا واحدًا في البيت، وقبل ذلك كانت الحارة كلها قد لا تحوز تلفازًا أصلًا. كان جهازًا واحدًا يكفي ليجعل البيت مسرحًا، والعائلة كلها جمهورًا واحدًا، والسهرة موعدًا مقدسًا لا يحق لأحد أن يعبث به.
أما الشبكة، فلم تكن مجرد قطعة حديد فوق السطح؛ كانت المسؤولة عن وصول العالم إلينا. كان يكفي أن تتحرك قليلًا حتى تضطرب الدنيا كلها. تختفي الصورة. يُبح الصوت. يغطي الثلج الأبيض الشاشة. تظهر ملامح المذيع لحظة، ثم تختفي، ثم يعود وجهه من وراء غابة من التشويش. ومن الغرفة يأتي الصراخ: — نصر! حرّكها شوي! فيصعد عمي نصر إلى السطح. عمي نصر كان قائد الفريق في البيت كما في النادي؛ لا أحد ينافسه على هذا اللقب. فارع الطول، جميل المحيا، أسمر الوجه، يقف فوق السطح والهواء يضرب وجهه ويلفح أذنيه ويحمر أنفه، ويمسك الشبكة بيديه كأنه يمسك دفة سفينة تائهة في بحر من الهواء. ينظر إلى السماء، ثم إلى البيوت، ثم إلى الشبكة، ثم إلى الأسلاك، كأنه يقرأ خريطة عسكرية سرية لا يعرف رموزها إلا هو. وكان الفريق يتشكل من أربعة: عمي نصر، وأخي محمد، وأنا، وبشير ابن عمتي، نحن الأربعة في الميدان.
أما أبي وعمي إبراهيم، فكانت مهمتهما أرقى وأخطر؛ الجلوس أمام التلفزيون، ومراقبة النتيجة، وإبلاغنا متى تقترب الصورة من النصر. وكانت الجملة التي ننتظرها بعد كل تلك المناورات: — اجت الصورة طبع. وهذه وحدها كانت تكفي لإعلان النصر.
لم تكن الشبكة تدور عشوائيًا، كانت لها جغرافيا، وكان للمخيم قاموسه الخاص، ولم نكن نحتاج إلى خريطة ولا بوصلة؛ كنا نعرف الجهات بالبيوت، والبيوت بأصحابها؛ فإذا قلنا: — دير الشبكة على دار أبو مالك الشريف وسيدي نوح... فهذا يعني أن الاتجاه شرقا. وإذا صاح أحدنا: على دار أبو هشام المزين... او عند جدتي عايشة او ابو عطوة او الريحاوية! نعرف أننا ذهبنا شمالًا. وحده الشمال كان حجمه عشائريا و له أكثر من علامة.. أما الجنوب فكان يعرف من دار أبو مالك أبو عجلان وأبو بدر الصميلي.
وأما دار أبو عثمان ودار سيدي أبو داوود، فكان الاتجاه إليهما يعني شيئًا آخر: الشرق الأوسط. وكان الشرق الأوسط، في قاموسنا الصغير، هو الشرق الحقيقي. اما إذا دارت الشبكة باتجاه الشارع الرئيسي، نحو السهل ومعامل الطوب والجبل والزيتون، فقد وصلنا إلى جهة أخرى. هناك كانت إسرائيل. من هناك جاء، في ذاكرة البلاد، الأسى والنفي والاقتلاع. ومن هناك أيضًا كانت تصلنا، عبر الهواء نفسه، قناة إسرائيل الأولى والثانية. مفارقة غريبة؛ الإشارة تأتي من جهة البلاد التي خرجنا منها قسرًا، لتصل إلى مخيم يسكنه الذين اقتُلعوا منها، ثم تحمل إلينا عالمًا آخر، بعضه يعرف كيف يخاطب الفراغ، ويملأ الشاشة بما يكفي لكي ينسى المشاهد، ولو لساعات، ما الذي حدث له ومن أين جاء.
وكانت تلك القناة لا تُدار عليها الشبكة في أي وقت، كان لها موعدها الاثير، الجمعة والسبت، ولأسباب يعرفها رواد ذلك الزمان أكثر مما يعرفون أسماء البرامج. كان الشباب يترقبون، وكان يوم السبت له طقسه الخاص، طقسًا جمع، على نحو غريب، بين متخاصمين لا يجتمعان في شيء؛ بين أتباع الديانة اليهودية وأبناء المخيمات، وبينهما جمهور آخر من الغلابى والمحرومين، كل واحد منهم أمام شاشة، وكل واحد له سببه، لكن الجميع ينتظر الموعد نفسه. وكانت المفارقة أكبر من أن تُشرح.
أتذكر الآن عمي نصر فوق السطح، أخي محمد يمسك الماسورة، أنا في الأسفل، وبشير ابن عمتي يتنقل بين السطح والغرفة كأنه مراسل حربي يحمل آخر الأخبار من الجبهة إلى غرفة العمليات. — يمين! تتحرك الشبكة. — لا... لا... رجّع! رجّع! ترجع. — شوي! يحركها نصر نتفة. — كمان شوي! يتنفس محمد. بشير يركض. أنا أرفع رأسي وأصرخ: — على دار أبو مالك الشريف! تدور الشبكة. الشاشة تهدأ قليلًا. يتراجع الثلج. يظهر وجه مذيع. نصر من فوق: — هيك؟ نصرخ: — لا! — شوي؟ — شوي! يحركها. يعود الثلج والتشويش. — رجّع! يرجع. — على دار أبو عثمان! تدور. يصمت الجميع. تظهر خطوط. ثم صوت. ثم وجه. نصر: — هيك؟ لا أحد يجيب. الجميع يحدق في الشاشة. حتى بشير يتوقف عن الركض. فجأة يأتي صوت أبي من الداخل: — اجت... غبشت... إيوه، شوي كمان... نتفة... يتحرك نصر. — هيك؟ أبي: — إيوه... إيوه... اجت! ثم يأتي صوت عمي إبراهيم من خلفه، كأنه يعلن نتيجة مباراة: — خلص! خلص! اجت الصورة طبع! وفجأة... كأن أحدًا أعلن وقف إطلاق النار، تتسارع الخطوات. ينزل نصر، يدخل محمد، يضحك بشير. وأنا أركض إلى الغرفة، ننظر إلى الصورة، وجه المذيع ما زال محاطًا بقليل من الغباش، لكنه واضح بما يكفي. فنفرح.
لم نكن نعرف آنذاك أن فرحتنا لم تكن بالصورة وحدها. كنا نفرح لأننا صنعناها معًا، كان ذلك قبل أن يصبح العالم في يدك، قبل الإنترنت، قبل الساتلايت، قبل الهاتف الذي تستطيع بلمسة واحدة أن تشاهد به مباراة في مدريد، وفيلمًا في القاهرة، وخبرًا من نيويورك. كانت القنوات قليلة: الأردن، سوريا الأولى ببرامجها وأخبارها، وسوريا الثانية، وبرنامجها الذي لا يعوض: آخر المشوار، ومصر بمحطاتها، والشرق الأوسط. وقنوات إسرائيل التي كانت تصلنا بعد حكاية من التعب والانتظار وتحريك الشبكة. وكان صاحب التلفزيون الذي يلتقط ثلاث قنوات يُنظر إليه كأنه يملك كنزًا. أما نحن... فكان عندنا شيء آخر، شيء جعل تلفزيوننا يتسيد المشهد.
ذات صيف جاء عمي شاهر من السعودية، وكان معه شيء لم نره من قبل!؟ شبكة. لكنها لم تكن شبكة مثل شبكات الناس، كانت شيئًا يشبه قاعدة صواريخ؛ دواليب، قضبان، رماح، سهام، شفرات، أذرع، قطع كثيرة، وأجزاء متشابكة؛ كأنها آلة لتكرير الهواء وتوليد الكهرباء، لا هوائي تلفزيون. وقفنا حولها مشدوهين. لم نعرف أين يبدأ الحديد وأين ينتهي الألمنيوم والنحاس. قال أحدنا: شو هاي؟ قال عمي شاهر: — شبكة ، وفي السعودية يسمونها "ايريال" — شبكة إيش وايريال ايش ياعم؟ ضحك وقال موضحا: — شبكة تلفزيون. ومنذ تلك اللحظة تغير تاريخ بيتنا. ركبت الشبكة فوق السطح، ومن يومها صار لبيتنا حضور في السماء. صارت الشبكة تلتقط القناة السعودية الأولى والثانية، والقنوات المصرية ق١ و ق٢، وكان هذا بالنسبة لنا فتحًا تلفزيونيًا مبينًا. فالذي يملك ثلاث قنوات كان ملكًا... فما بالك بمن يستطيع أن يضيف السعودية ومصر؟
كنا نجلس أمام التلفزيون ونشعر أن الدنيا اتسعت. العالم لم يعد بعيدًا. صار يدخل علينا من السلك، من الحديد، من السماء. ومن تلك الشبكة التي يقف عمي نصر فوقها كقائد برج مراقبة. وكانت الجمعة حكاية أخرى: صباحًا أحباب الله، ثم خطبة الجمعة، ثم يأتي وقت حديث الشعراوي، وهذا شيء آخر. يتربع الشيخ الشعراوي على الشاشة بوجهه المصري المرح، بلغته التي تجمع البساطة والحكاية والابتسامة، ويطل علينا يوم الجمعة وكأن بينه وبين البيت موعدًا قديمًا لا يجوز كسره. يصغي البيت، ثم يأتي العلم والإيمان لمصطفى محمود، ثم المجلة الرياضية، وفي الثامنة مساء نشرة الأخبار الرئيسية على قناة عمان لمن يتابعها.
لكن الجمعة لمتابعي القناة الاسرائيلية لم تكن عند الجميع مجرد برامج؛ فبعد العصر يبدأ الترقب، فيلم مصري، هنا يتغير البيت، الأطفال يتسللون إلى الغرفة. الكبار يطلبون منهم الابتعاد، القهوة تأتي، الفناجين تتحرك، الضحك يرتفع، التلفزيون يصبح مركز الكون. كان فيلما واحدا يكفي لأن يصنع سهرة كاملة، وبرنامج واحد كان يستطيع أن يعيش في الذاكرة أربعين عامًا، أو أكثر. ثم تأتي أيام الأسبوع الأخرى؛ مستر شيبس "جون بيكر وفرانك بونشيريلو"، دراجات نارية، طرق كاليفورنيا الواسعة، سيارات مسرعة، حوادث ومطاردات، بلاد شاسعة، نظيفة، بعيدة، لا تشبه شيئًا مما نراه من الشباك، ثم مايكل نايت وسيارته العجيبة. كنا نرى أمريكا كما تعرضها الشاشة، ونحبها كما تعرضها الشاشة. لم نكن نعرف بعد أن الصورة التي تبدو جميلة قد تخفي خلفها تاريخًا آخر، ولم نكن نعرف بعد معنى أن تصبح "أمريكا هي الطاعون والطاعون هو امريكا" كما قال درويش..
كان العالم على الشاشة واسعًا إلى حد لا يصدق، والبيت في الخارج صغيرًا إلى حد لا يصدق، ثم ننظر من الشباك... فنرى المخيم. فنعود إلى رؤوسنا من جديد، ومع ذلك كنا سعداء.
وكان للراديو عالمه الخاص، في المساء، إذا هدأ البيت، يأتي صوت محمود أبو عبيد ، ثم نبيل أبو عبيد، وصباحًا كانت كوثر النشاشيبي سيدة الأثير. أصوات لا تحتاج إلى صورة، يكفي أن تأتي من بعيد حتى تفتح في الرأس غرفة كاملة، ثم يأتي برنامج رسائل شوق... تبدأ الشارة، يصمت الجميع، ويأتي صوت فيروز: «سلامي لكم يا أهل الأرض المحتلة...» وفجأة لا يعود الراديو جهازًا، تصير الغرفة أكبر، تصير فلسطين أقرب. ويأتي من الذاكرة صوت آخر: «جايبلك سلام على ظهر الحمام... جايبلك سلام من عند الحبايب.» كانت تلك الأصوات تعرف شيئًا لم نكن نعرفه نحن. كانت تعرف أن الذاكرة لا تحفظ الكلمات وحدها، تحفظ النبرة، صوت الأنفاس، الموسيقى التي تسبق الكلام.
تلك الشارة التي إذا سمعتها بعد أربعين عامًا، تعيدك طفلًا قبل أن تفهم كيف حدث ذلك.
في أواخر السبعينيات وأيام الثمانينيات كانت الصورة على اليمين محطة عمان الأولى، وعلى اليسار إسرائيل الأولى، وكان كل شيء يعتمد على الجهة والوقت والمناسبة والموسم والمزاج، ويوم السبت... كان الشباب يترقبون قناة إسرائيل، وهنا كان مربط الفرس. كان هناك موعد ينتظرونه. أما الشرق الأوسط، فكانت له جمهوره ومواعيده. حيث كانت المصارعة موعدًا لا يقل أهمية. فتدور الشبكة على دار أبو عثمان! فيعرف الجميع: الشرق الأوسط. وإذا صرخ آخر: على الشارع الرئيسي، نعرف أن الوجهة تغيرت، وتتحول الغرفة إلى ساحة انتظار.
كان الانتين يحرك السماء فوقنا، ونحن نحرك الانتين، ولا نعرف أننا كنا، في الحقيقة، نحرك الزمن نفسه، لم تكن الشبكة مجرد جهاز، كانت جزءًا من البيت، مثل شجرة الكينيا، مثل شجرة التين التي تظلل حاووز بيتنا في المخيم. مثل سيدي عمر ومهباشه ومحماسه. مثل جدتي هيجر، وفرنها، وفرش خبزها، ولجن عجينها المغطى بمعطف جدي، الساكو العسكري، حتى يختمر. مثل الباب. مثل عتبة الدار. مثل الدالية التي تتوسط البيت ليستظل بها الجميع.
منذ أن اعتلت الشبكة سطح بيتنا، أصبحت علامة إضافية على عنواننا. إذا سأل أحد عن منطقتنا في المخيم، نقول: — على الشارع الرئيسي. وإذا استوضح اكثر نجيب: مقابل معامل الطوب، وتحديدًا معمل طوب الأخرس. وإذا لم يعرف أصحاب البيت، يكفي أن نقول: عند شجرة الكينيا أو الدار اللي فوقها الشبكة الكبيرة. فيهز الناس رؤوسهم بيقين: آه... انتو ساكنين عند دار المديرة.
وهكذا كانت الأشياء تدل على أصحابها، وكان أصحابها يدل بعضهم على بعض، وكان المخيم كله، في النهاية، عنوانًا كبيرًا لذاكرة لا تريد أن تضيع.
ثم جاء الساتلايت. ثم الإنترنت. واختفت الحاجة إلى الشبكات. صار العالم كله يصل إلينا بلا صراخ. لا عمي نصر فوق السطح. لا محمد يمسك الماسورة. لا أنا أصرخ من الأسفل. لا بشير يركض بيننا كأنه مراسل حرب. انتهت العملية العسكرية. ماتت المهنة. وصار الانتقال من قناة إلى قناة يتم بضغطة زر. لكن شبكتنا لم تنزل. ظلت زاقفة في مكانها. واقفة وشامخة فوق السطح، تناظر السماء، وتنظر إلى ما تبقى من شبكات المخيم، علها تؤنس وحدتها وتحرس ذكرياتها. شبكة هنا، وأخرى هناك، حديد صدئ يعلوه غبار السنين. كأنها شواهد قبور لزمن كان حيًا ذات يوم.
ثم اكتشفنا أن الشبكة، بعدما فقدت وظيفتها الأولى، وجدت وظيفة أجمل!؟ صارت مهبطًا للعصافير، تنافس شجرة الكينيا على هذا الدور. يأتي عصفور الدوري. يقف لحظة، يهز رأسه، يزقزق. ينثر فرحه على أصحاب المكان. ثم ينظر إلى الدنيا ويطير. ويأتي الحمام. حمام جدتي هيجر. يقف على الانتين الذي كان يومًا يلتقط القنوات. وكأن الشبكة التي كانت تستقبل أصوات العالم، أصبحت تستقبل الطيور. ضحكت يومها، وقلت في نفسي: حتى بعد أن انتهى عصر التلفزيون، لم تنته وظيفة الشبكة. كانت قد تحولت من جهاز يلتقط الإشارة... إلى خزان سماوي للذكريات.
ثم جاء الماتور الكهربائي للشبكة؛ وفي البداية أحببناه. كان جميلًا. مثيرًا وشكل في حينه فتحا مبينا... يدهشنا بوظائفه ويوفر علينا كثيرا من التعب. يضبط الشبكة، يجعل العالم يأتي إلينا من دون أن يصعد عمي نصر إلى السطح، ومن دون أن يمسك محمد الماسورة، ومن دون أن أصرخ من الأسفل. كان انتصارًا جديدًا للتكنولوجيا. لكننا لم نكتشف إلا متأخرين أن الماتور أخذ منا شيئًا آخر؛ أخذ حصتنا من الحكاية.
قبل الماتور كان هناك أربعة أطفال ورجل فوق السطح وبيتان ينتظران النتيجة. بعده صار هناك جهاز يقوم بكل شيء، اختفت الصرخة، اختفى الركض، اختفت المناورة، اختفت تلك اللحظة التي يتوقف فيها الجميع وينتظرون: اجت الصورة طبع؟
كان الماتور مريحًا؛ لكنه كان، من حيث لا ندري، يطردنا من الحكاية، مثلما تفعل أشياء كثيرة حين تأتي لتسهل الحياة، تأخذ معها شيئًا من الحياة نفسها.
اليوم، إذا مررت بالمكان، قد تعرف بيتنا، قد ترى سطحًا، وماسورة حديدية صدئة تحمل شبكة تلفزيون غريبة الأطوار، حينها كن على يقين أنك تنظر إلى بيتنا. وأنك تقف أمام نبع من الذكريات يفيض بالآه والحنين.
وإن استصعب عليك الاستدلال، فأشِح بوجهك غربًا باتجاه معامل الطوب، ثم أعد رأسك شرقًا نحو شجرة الكينيا، ستجدها، ستعرفها حتمًا، فهي كبرت وشاخت أكثر مما ينبغي. وقد ترى أغصانها وأوراقها متعبة ومنحنية نحو الأرض، تظلل قطط الحارة. حينها تأكد أنك أمام منزلنا في المخيم، وأن الروح، حين تشتاق إلى نفسها، لا تجد طريقًا أقصر من الذكريات.
وحين أرى عصفورًا واقفًا على طرف الشبكة، لا أرى الحديد: أرى عمي نصر. أرى محمد. أرى بشير ابن عمتي. وأرى نفسي طفلًا، أستند إلى كل ذلك كي أحيا وأعيش. ألمس الهواء، فتعود رائحة قهوة سيدي عمر.أسمع حركة المهباش. أشم رائحة خبز جدتي هيجر. أرى فرنها. أرى أبي وعمي إبراهيم ينتظران النتيجة، وأسمع صدى تلك الايام وتاتيني كلماتها كصباحات عيد بهية: يمين! — لا، رجّع! — على دار أبو مالك! — لا، على دار أبو عثمان! — الشارع الرئيسي! ثم: — وقف! وقف! وتستقر الصورة، ويظهر وجه المذيع. تسكت الغرفة، ويبدأ البرنامج. أرى بقايا أعمارنا، وأشم رائحة ذكرياتنا، كالحلم يهرب العمر ولا نستطيع الإمساك به، لكن مأثرة السنين أنها تصنع الذكريات. وعيب الذكريات أنها لا تعيد السنين.
أحيانًا أفكر: يا ليت العمر مثل الكتاب، نفتح الصفحة الأخيرة، ثم نقلبها، فنعود إلى الفصل الذي كان يسعدنا.
يا ليت نعود إلى الجمعة بعد العصر. إلى الفيلم المصري. إلى العلم والإيمان. إلى المجلة الرياضية. إلى الشعراوي. إلى مستر شيبس ومايكل نايت إلى المصارعة على الشرق الأوسط. إلى رافع شاهين. وغالب الحديدي. وعدنان الزعبي. وإبراهيم شاه زادة. وجبر حجات. وسوسن تفاحة. وعفاف قضماني. وزاهية عناب. إلى محمود أبو عبيد. ونبيل أبو عبيد. وكوثر النشاشيبي، وبرنامجها الاثير رسائل شوق ذي الاشارة الفيروزية...
إلى القنوات القليلة التي كنا نعرف أسماءها واحدة واحدة. إلى الأيام التي كان امتلاك ثلاث قنوات فيها ثروة. إلى الشبكة التي جاءت من السعودية وجعلت السماء أقرب. إلى البيت الذي صار، فجأة، أكثر تميزًا من بيوت المخيم. إلى سطح كان كل شيء فيه يتحرك: نصر. محمد. بشير. وأنا. وأبي وعمي إبراهيم في غرفة العمليات. وكلنا ننتظر صورة واحدة. لكن العمر لا يعود. والشبكة لا تدور. والسطح لم يعد كما كان. والذين كانوا يصيحون فوقه وتحته تفرقت بهم الجهات. وفاضت أرواح كثير منهم إلى السماوات. ومع ذلك... قلوبنا تعود. تعود كلما مر طائر فوق سطح قديم. كلما سمعنا طقطقة الزينكو وحبات المطر تتساقط عليه. كلما رأينا شبكة صدئة تناظر السماء وتعتليها عصافير الدوري، رفيقة المخيم منذ نشوئه. تعود كلما سمعنا اسمًا ارتبط تاريخه بتاريخ البلاد التي جئنا منها بعد الاقتلاع. تعود كلما تجولنا في شوارع المخيم وناظرنا العلم الأزرق الذي يعتلي مدارسه ومؤسساته، شاهدًا على مصيبته ومأساته. تعود بأصوات الباعة. بأسماء العائلات. بأسماء المحلات والدكاكين. بأسماء الموتى والأحياء. بأسماء تسري في الدم وتذكرنا، كل يوم، بفلسطين. تعود عبر أثير الإذاعة. عبر شبكة التلفزيون. عبر شارة برنامج قديم. عبر صوت كوثر النشاشيبي. عبر رسائل شوق. تعود كلما جاء صوت من بعيد يحمل جملة نسيناها أربعين أو خمسين عامًا، ثم تذكرناها في لحظة. تعود حين تهب رياح الحنين، فتزيح غبار السنين عن شاشة الذاكرة.
وفجأة... يتحرك الانتين. تهتز الصورة. تتراجع الثلوج ويختفي الغباش. يظهر الماضي واضحًا هذه المرة. واضحًا جدًا. أرى نفسي طفلًا واقفًا أمام التلفزيون. أرى بشير ابن عمتي يضحك. أرى محمد يركض. أرى عمي نصر فوق السطح. أرى أبي وعمي إبراهيم في الداخل، أحدهما يحمل بكرج الشاي، والآخر منفضة السجائر. أرى القهوة. أشم رائحة خبز جدتي هيجر. أسمع دقة المهباش بايدي سيدي عمر. أسمع الريح، وأسمع أصواتنا القديمة: — يمين! — لا، رجّع! — على دار أبو مالك! — لا، على دار أبو عثمان! — الشارع الرئيسي! ثم يأتي صوت أبي من بعيد، من آخر العمر، من مكان لا أعرف أين يقع: قائلا: خلص اجت الصورة طبع.. يصمت الجميع. تستقر الصورة. يظهر وجه المذيع، وتبدأ الحكاية...
أغمض عيني، ولا أعرف هذه المرة... هل كان أبي يتحدث عن التلفزيون؟ أم عن العمر؟ أم عنّا نحن؟ لأنني فهمت أخيرًا أن الشبكة لم تكن تلتقط القنوات. كنا نحن الذين نعيش داخل الإشارة، نحن الذين كنا نصنع الحياة ونطرز الذكريات. وأنها، طوال تلك السنوات، لم تكن تصل بين التلفزيون والسماء؛ كانت تصل بين طفولتنا والآن. بين ما كان وما بقي. بين الذين رحلوا والذين ما زالوا هنا. بين الذاكرة والعدم.
ولهذا، رغم الأنواء والعواصف، ورغم الصدأ والغبار، ورغم كل ما أخذه الزمن منا، ما زالت تلك الشبكة "الانتين" واقفة فوق السطح، تراقب السماء، وتستقبل العصافير، وتحرس بيتًا لم يعد كما كان، وتحفظ لنا صورة لا يريد الزمن أن يمحوها، لا لشيء كثير؛ بل لأن بعض الذكريات تستحق أن نعيش لأجلها.
#مهند_طلال_الاخرس (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الكفاح المسلح والبحث عن الدولة، يزيد صايغ
-
سيكولوجية العزاء: هيبة الغياب ومواسم الفقد المُرّ ، الى والد
...
-
عالمية الشاعر الفلسطيني محمود درويش
-
كتاب من بيروت إلى القدس From Beirut to Jerusalem ، سوي تشاي
...
-
المراة الفلسطينية المناضلة؛ الحاجة تودد عبدالهادي نموذجا
-
تجارب ثورية ؛ الاعتماد على الذات
-
خراريف شعبية ، تودد عبد الهادي
-
كمال ناصر الاثار النثرية -مقالات ومذكرات-
-
جيل المبادىء؛ محمد عيد عشاوي نموذجا
-
دروس وتجارب ثورية، هل التجنح ظاهرة عامة في المجتمع ام صفة خا
...
-
قراءة في رواية تحت ظل الخيمة بقلم: عثمان محمد الأخرس
-
الجندي المجهول
-
دليل الحرب الثورية ، كوامي نكروما
-
كيف نجت الحكاية ؟
-
الى خليل الوزير ابو جهاد في ذكراه 38
-
صلاح الدين محمد ؛ حارس الذاكرة وسادن الارشيف
-
شهيد السينما الفلسطينية الأول، هاني جوهرية
-
سمات شخصية البطل في الرواية الفلسطينية المقاومة؛ شخصية خالد
...
-
دلالات العنوان في رواية زمن الشيطنة لـ شفيق التلولي
-
زمن الشيطنة، شفيق التلولي
المزيد.....
-
شاهد.. فيضانات وانهيارات أرضية تضرب الصين وفيتنام
-
إعلام إيراني: طهران تسعى للعودة إلى اتفاق يونيو مع أمريكا
-
هل يحتوي الموز على نسبة خطيرة من الإشعاع؟
-
-أكسيوس-: العقوبات الأمريكية ضد إيران لم تسبب -زلزالا- كان ي
...
-
قطر: مسؤولون يعملون يوميا لإحياء محادثات أميركا وإيران وتدعو
...
-
-تواجه مشكلة؟ اتصل بي-.. نتنياهو يزوّد الإسرائيليين برقمه ال
...
-
من سوريا.. كاتس يؤكد بقاء قواته في جبل الشيخ والمنطقة الأمني
...
-
تونس: كيف تؤثر حادثة بنقردان في المناخ العام ؟
-
سوريا خارج القائمة الأمريكية للإرهاب: ماذا يعني القرار؟ وما
...
-
إيران تتحدى عقوبات واشنطن وتؤكد ثقتها في شركائها -الكبار-
المزيد.....
-
مذكرات وذكريات مهندس عراقي في السويد
/ المهندس صباح يوسف ابراهيم
-
مذكرات وذكريات مهندس عراقي في السويد
/ مذكرات وذكريات مهندس في العراق
-
الدنمارك، نسير معاً، كل بمفرده
/ حكمة اقبال
-
رسالة الى اخي المعدوم
/ صادق العلي
-
كراسات شيوعية (مذكرات شيوعى ناجٍ من الفاشية.أسباب هزيمة البر
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
أعلام شيوعية فلسطينية(جبرا نقولا)استراتيجية تروتسكية لفلسطين
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
كتاب طمى الاتبراوى محطات في دروب الحياة
/ تاج السر عثمان
-
سيرة القيد والقلم
/ نبهان خريشة
-
سيرة الضوء... صفحات من حياة الشيخ خطاب صالح الضامن
/ خطاب عمران الضامن
-
على أطلال جيلنا - وأيام كانت معهم
/ سعيد العليمى
المزيد.....
|