|
|
المراة الفلسطينية المناضلة؛ الحاجة تودد عبدالهادي نموذجا
مهند طلال الاخرس
الحوار المتمدن-العدد: 8748 - 2026 / 6 / 26 - 08:06
المحور:
الإستعمار وتجارب التحرّر الوطني
الحاجة تودد عبد الهادي هي مناضلة، ومربية، وباحثة تراث فلسطينية بارزة، وتُعرف تاريخياً بأنها أول امرأة وأول مربية فلسطينية يُبعدها الاحتلال الإسرائيلي بعد حرب عام 1967.
اسمها الكامل هو تودد بنت سعيد عبد الكريم عبد الهادي، حيث تميزت بمسيرة حافلة جمعت فيها بين العمل التربوي، والنضال الوطني، وحفظ الهوية الثقافية الفلسطينية تلقت تعليمها في "كلية دار المعلمات" بالقدس، والتي خرجت العديد من رائدات الحركة النسائية والثقافية الفلسطينية.وعملت كمديرة لمدرسة بنات جنين واستثمرت موقعها لتطوير المدرسة، حيث أنشأت مركزاً للإسعافات الأولية بالتعاون مع الدفاع المدني.
تنتمي الحاجة تودد إلى عائلة عبد الهادي الشهيرة والعريقة في فلسطين، وتحديداً من بلدة عرابة في قضاء جنين. حيث تنحدر المناضلة تودد عبد الهادي من عائلة عبد الهادي، وهي واحدة من أعرق وأبرز العائلات الإقطاعية والسياسية في تاريخ فلسطين الحديث، وتركز نفوذها التاريخي في شمال فلسطين وتحديداً في بلدة عرابة وقضاء جنين ونابلس.
التفاصيل التاريخية والاجتماعية لعائلتها ونشأتها: 1. الأصول والنفوذ التاريخي (قرى الكرسي)بلدة عرابة والقصور التاريخية: تُعد عرابة الجذور الأصلية للعائلة. وفي القرن التاسع عشر، بلغت العائلة ذروة نفوذها الاقتصادي والسياسي في العهد العثماني؛ حيث شيدت 13 قصراً أثرياً ضخماً في بلدة عرابة (تُعرف بقصور آل عبد الهادي أو قلاع عرابة)، والتي كانت بمثابة مراكز حكم وإدارة وبناء قلاع دفاعية. حيث برز من أجداد العائلة رجال حكموا مناطق واسعة في شمال فلسطين؛ مثل الشيخ حسين عبد الهادي الذي كان والياً على صيدا وحليفاً للحكم المصري (إبراهيم باشا) في ثلاثينيات القرن التاسع عشر، ومحمود بيك عبد الهادي الذي تولى حكم نابلس وجنين. وعلى الرغم من أن الأصول تعود لعرابة، إلا أن تنقل أفراد العائلة واستقرارهم في مدينتي جنين ونابلس بحكم التجارة وإدارة الأراضي والمناصب السياسية، جعل من بيتها في مدينة جنين مركزاً يجمع بين الوجاهة الاجتماعية والقدرة على توفير الحماية للمقاومين.هذه الخلفية العائلية التي جمعت بين الثروة، والوجاهة، والإرث السياسي، والوعي التعليمي، هي التي صقلت شخصية تودد عبد الهادي وجعلت منها قائدة تربوية ونضالية قادرة على تحدي قرارات الاحتلال وتحمل تبعات النفي والإبعاد.
2. الإرث السياسي والوطني للعائلة: لم تكن تودد عبد الهادي الوجه النضالي الوحيد في عائلتها، بل نشأت في بيئة مشبعة بالعمل السياسي والوطني ضد القوى الاستعمارية المتلاحقة. واجهت العائلة عبر تاريخها صدامات عسكرية مع السلطات العثمانية بسبب نفوذها المستقل، حيث تعرضت بعض قصورها للتدمير نتيجة قيادة حركات تمرد محلية (مثل تدمير قصر صالح عبد الهادي عام 1859).
3. النشأة والبيئة الاجتماعية (تأثير المنشأ على مسيرتها) التعليم المبكر حيث ولدت تودد في كنف عائلة تولي العلم مكانة رفيعة بالرغم من طابعها المحافظ؛ مما أتاح لها ولشقيقتها "عواطف" فرصة إكمال التعليم العالي والالتحاق بـ "كلية دار المعلمات" بالقدس، وهي أرقى المؤسسات التعليمية النسوية آنذاك.
وعند البحث و التنقيب في فترة العمل السري لحركة فتح في عام 1967 (والتي تُعرف بـ"تجربة القطاع الغربي" وإعادة بناء الخلايا بعد النكسة) تمنحنا صورة دقيقة ومشرفة عن دور الحاجة تودد عبد الهادي. وهذا ما تشير اليه كثير من الشهادات و الحوادث والمواقف الموثقة والتي نورد بعضا منها والتي تشير الى سيرتها ونضالها بقدر كبير من الفخر والاعتزاز:
1. حادثة "الزائرة المتخفية" وبيت جنين (صيف/خريف 1967)بعد هزيمة حزيران 1967، تسلل ياسر عرفات سراً إلى الضفة الغربية عبر نهر الأردن لإطلاق شرارة المقاومة المسلحة، وكان يتنقل بأسماء مستعارة مستخدماً تنكرات مختلفة (مرة بزي راعي أغنام، ومرة بزي تاجر، ومرة كـ"أبو محمد") حيث تخبررنا القصة بان أبو عمار اختار مدينة جنين كإحدى المحطات الرئيسية لنظرًا لطبيعتها الجغرافية القريبة من الحدود. تم توجيهه إلى بيت المربية تودد عبد الهادي وشقيقتها عواطف، لكون البيت بعيداً عن الشبهات الأمنية بسبب مكانتهما الاجتماعية كمعلمات. وعن تفاصيل الحادثة: تروي الذاكرة الشفوية للحركة أن أبو عمار قضى في بيتها أياماً، وكانت تودد وشقيقتها تقومان بدور "المراقب" والتمويه؛ فبينما كان هو يعقد اجتماعات سرية مع الكوادر الأولى لترتيب مخابئ السلاح في جبال جنين، كانت تودد تتولى تأمين محيط المنزل، وإعداد الطعام، ونقل الرسائل المشفرة إلى قادة الخلايا الأخرى في نابلس وطولكرم، مستغلة حريتها في التنقل كمديرة مدرسة.
2. شهادة حية موثقة: "صينية التمرية" في بيت جنين (1967) وهي من أصدق الشهادات المكتوبة حول دورها في إيواء الفدائيين عام 1967، ما ورد في مذكرات الأسير المحرر والمناضل حافظ أبو عبية في كتابه (حياة نضال)، حيث روى حادثة عاصرها بنفسه في بيت الحاجة تودد بجنين: "قضيت سبعة أيام في بيت الحاجة تودد عبد الهادي في جنين، في بيت مبني بالحجر الأبيض مكون من طابقين.. وكانت إقامتي في الطابق الأرضي المنفصل. وبدا لي أن هناك آخرين يقيمون في الطابق العلوي (طابق المعيشة للحاجة تودد). والسبب في شكي هو صينية (التمرية) التي كانت تحضر نصفها لي، والنصف الآخر يصعد إلى الطابق العلوي! وفي اليوم الأخير لي، كانت الصينية بأكملها من حصتي، فعرفت أن المقيم في الطابق العلوي قد رحل... ولم تسمح لي قواعد السرية بالفضول، لكن المعرفة تمت لاحقاً حين كشفت الحاجة تودد السر بأن المقيم السري المتخفي كان الأخ أبو عمار (ياسر عرفات)".
3. واقعة معركة الكرامة وتأبين الشهداء (آذار 1968)في واحدة من أقدم الحوادث التي توثق ثقة ياسر عرفات المطلقة في بلاغة ووطنية الحاجة تودد عقب إبعادها للأردن:الواقعة: في تفتيش وتشييع جثامين شهداء معركة الكرامة في عمان (مارس 1968)، انطلقت جنازة ضخمة من المسجد الحسيني الكبير وسط عمان إلى مقبرة الشهداء.الموقف: تفاجأ المشيعون بحضور أبو عمار سراً إلى المقبرة لتشييع أبطاله. ووسط الحشود والقيادات، طلب أبو عمار من الأخت تودد عبد الهادي تحديداً أن تلقي كلمة التأبين باسم الثورة الفلسطينية، خطبت في الجماهير لتلهب الحماس، بينما ألقى السيد كامل عريقات (رئيس مجلس الأعيان الأردني آنذاك) كلمة الجانب الأردني.
4. حادثة "صناديق الكرتون" وتهريب السلاح في المدارسارتبط انتماء تودد التنظيمي لفتح في عام 1967 بحادثة محددة كادت أن تكشف أمرها مبكراً للسلطات الإسرائيلية حيث تشير القصة: الى ان الخلايا الفدائية كانت بحاجة ماسة لنقل قنابل يدية وذخيرة من مغاور بلدة "قباطية" وجبال عرابة إلى داخل مدينة جنين. حيث قامت تودد بالإشراف على نقل هذه الشحنة الصغيرة مخبأة داخل صناديق كرتونية مخصصة للوسائل التعليمية والكتب المدرسية التابعة لمديرية التربية والتعليم. نجحت في عبور إحدى نقاط التفتيش العسكرية الإسرائيلية الناشئة آنذاك، مستخدمة هويتها كمديرة مدرسة ووقارها الاجتماعي لإقناع الجنود بأن الصناديق تحتوي على دفاتر وقراطيس للمدرسة، وتم تخزين السلاح لفترة قصيرة داخل مرافق المدرسة قبل توزيعه على الفدائيين.
5. ليلة الاعتقال والمواجهة مع الحاكم العسكري في أواخر عام 1967 وبدايات 1968، بدأت المخابرات الإسرائيلية (الشاباك) برصد خيوط الخلايا النسائية في الشمال بعد اعتقال فدائيين في القدس ونابلس اعتُرف لديهم بوجود نقاط دعم لوجستي في جنين حيث اقتحمت قوات الاحتلال منزلها، وأثناء التفتيش لم يعثروا على سلاح، لكنهم عثروا على منشورات سياسية تدعو للعصيان ومقاطعة المنهاج الإسرائيلي الذي حاول الاحتلال فرضه على المدارس الفلسطينية. عند اقتيادها للتحقيق، واجهت الحاكم العسكري بجملة شهيرة تداولتها رفيقاتها: "أنا أعلّم الطالبات كيف يكتبن اسم فلسطين، وهذا واجبي كمربية، وليس ذنباً أُحاسب عليه". هذه الحادثة، إلى جانب التقارير الاستخباراتية التي ربطت بيتها بزيارات قيادات فتح، كانت السبب المباشر لصدور قرار إبعادها بدلاً من سجنها طويلاً، لتجنب تحويلها إلى رمز للاحتجاج داخل المدارس.
6. قصة "رسالة الشكر المفتوحة" في لبنان بعد إبعادها واستقرارها في لبنان وتأسيسها لمدارس أبناء وبنات الشهداء، تكررت اللقاءات بينها وبين ياسر عرفات، ولكن هذه المرة بصفة رسمية وعلنية. وفي تلك الفترة وثقت روايات وشهادات ابناء الحركة الموقف التالي: في إحدى الأزمات المالية التي مرت بها مؤسسة رعاية أسر الشهداء في بيروت خلال السبعينيات، زار أبو عمار المدرسة في سوق الغرب. وعندما حاولت تودد عبد الهادي تقديم تقرير مالي دقيق له لطلب الدعم، رفض عرفات قراءة التقرير وقال أمام الكادر التنظيمي جملته الشهيرة: "أنا لا أحاسب من آواني وأنا مطارد في جبال جنين.. تودد عبد الهادي هي أم الثوار وصندوق أماناتنا". ووقّع لها على بياض لاعتماد الميزانية التي تطلبها لإعالة أطفال الشهداء.
7.المرحلة التي قضتها الحاجة تودد عبد الهادي في إدارتها لمدارس أبناء وبنات الشهداء (والتي كانت تُعرف تنظيمياً بـ "بيت إسعاد الطفولة" في منطقة سوق الغرب بجبل لبنان) تُعد من أكثر الصفحات ثراءً بالشهادات الإنسانية الموثقة في أدبيات الذاكرة الشفوية الفلسطينية ومذكرات الأشبال والزهرات الذين عاشوا تلك الحقبة (بين أوائل السبعينيات وحتى الاجتياح الإسرائيلي عام 1982)؛ حيث تتلخص الشهادات الحية والوقائع التاريخية المحددة التي رواها "الأشبال والزهرات" الذين كبروا وأصبحوا قادة، أو كتبها مؤرخو الثورة بحق الحاجة تودد، في كونها تعبر عن صورة "الأم الصارمة والمربية الحنونة"في البيئة الداخلية للمدرسة، حيث كان الأشبال والزهرات (وهم أطفال استشهد آباؤهم في العمليات الفدائية من مختلف الساحات: الأردن، وسوريا، ولبنان) يعانون من صدمة الفقد، فكانت تودد عبد الهادي تمثل البديل العائلي.
ويروي عدد من الخريجين (الذين استضافت بعضهم شبكات وثائقية كالجزيرة الوثائقية في مواد خاصة بـ"بيت إسعاد الطفولة") أن "الأخت تودد" كانت تتبع نظاماً صارماً جداً يبدأ من طابور الصباح العسكري، والتفتيش على الهندام والنظافة الشخصية، لكن هذه الصرامة كانت تنتهي فوراً بعد انتهاء الدوام. و تشير الشهادات إلى أنها كانت تمر بنفسها ليلاً على غرف المبيت (القسم الداخلي) لتفقد أغطية الأطفال، وتحديداً الصغار منهم، وتواسي من يبكي شوقاً لعائلته. كانوا يصفونها بأنها "مزجت بين انضباط الفدائي وحنان الأم الدؤوب". هذا بالاضافة الى شهادات تركز على دورها في "بناء الشخصية الوطنية والفتوة العسكرية ، اذ لم تكن المدارس مجرد ملجأ، بل كانت مصنعاً لكوادر الثورة المستقبلية، حيث أُدمج التعليم بالتدريب العسكري (الفتوة). وهذا بالاضافة ايضا الى شهادات التدريب الكشفي والعسكري؛ حيث يشهد الأشبال الذين انخرطوا في تلك المعسكرات أن الحاجة تودد كانت تشرف بنفسها بالتنسيق مع مدربي "قوات العاصفة" (الجناح العسكري لفتح) على تنظيم طوابير الفتوة. حيث كانت تحرص على أن يتعلم الأشبال والزهرات الفلكلور الفلسطيني والدبكة، وتدعم تشكيل فرق كشفية وفنية جابت العالم لاحقاً لنقل القضية. وفي نفس الوقت، كانت تصر على تلقينهم حصصاً مكثفة في تاريخ فلسطين وجغرافيتها؛ والشهادة الشهيرة بحقها من أشبال تلك الفترة تركز على انها : "كانت تجعلنا نرى جبال فلسطين في جبال سوق الغرب، وتزرع فينا أننا نتعلم ونتدرب لكي نعود، لا لكي نعيش في الملاجئ".
وهذا كله بالاضافة الى شهادة الصمود التاريخي تحت القصف والاجتياح (1982) والتي مثلت بدورها أقوى الشهادات بحقها ، والتي تبرز مناقبها القيادية في الحرص وعلو حس المسؤولية وقدرتها على إدارة الأزمات أثناء الحروب والأوقات العصيبة التي مر بها لبنان وسوق الغرب؛ فخلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 والقصف العنيف الذي تعرض له جبل لبنان وسوق الغرب، تحولت المدرسة إلى هدف مباشر. حيث تشهد المربيات اللواتي عملن معها، والأشبال الذين عاصروا تلك الأيام، أن الحاجة تودد رفضت مغادرة موقعها أو ترك الأطفال للنجاة بنفسها، حتى انها أشرفت بنفسها على إخلاء مئات الأطفال من الأشبال والزهرات من مبنى سوق الغرب تحت أزيز الرصاص والقصف، ونقلهم عبر ممرات جبلية وعرة إلى مناطق أكثر أماناً في بيروت ومخيماتها، ثم تأمين توزيعهم وحمايتهم. ويروي الكثير ممن شهد تلك الأيام أن شجاعتها الكبيرة ساهمت بشكل فعال في ضبط هلع مئات الأطفال، وكانت سبباً مباشراً في إنقاذ حياتهم من مجزرة محققة.
وهذه الشهادات يضاف لها ايضا شهادة قادة الثورة المتعددة ورفاقها على كافة المستويات وعلى راسهم ياسر عرفات، والتي جاءت لتؤكد مكانتها وعطائها وسيرتها المناضلة...
اما عن مصير مبنى ومؤسسة سوق الغرب بعد اجتياح 1982؛ حيث كان ذلك العام عاماً مفصلياً ومأساوياً في تاريخ الوجود الفلسطيني في لبنان؛ حيث شنّ جيش الاحتلال الإسرائيلي اجتياحاً واسعاً بهدف تصفية البنية التحتية لمنظمة التحرير وحركة فتح.تدمير المبنى وتشريد المؤسسة: تعرّضت منطقة "سوق الغرب" في جبل لبنان لقصف جوي ومدفعي مركز وعنيف نظرًا لأهميتها الاستراتيجية المطلة على بيروت. حيث تضرر مبنى المدرسة (بيت إسعاد الطفولة) بشكل هائل وجزئي نتيجة القصف المباشر، وبعد خروج مقاتلي منظمة التحرير من بيروت صيف 1982، سيطرت قوى محلية مسلحة على المنطقة، وتحوّل المبنى التاريخي للمدرسة إلى نقطة عسكرية وخطوط تماس، مما أنهى عمل المؤسسة جغرافيًا في جبل لبنان لتبدأ رحلة الشتات الثانية للمؤسسة والتي شهدت تفانيها وتعاظم عطائها ، اذ لم تستسلم للواقع المتردي والمحبط بالرغم من خسارة المبنى. حيث تولت قيادة حركة فتح (مؤسسة أسر الشهداء والجرحى) إعادة تجميع الأشبال والزهرات الذين تم إجلاؤهم وتوزيعهم، و تم نقل الشريحة الأكبر من الأطفال والكوادر التدريسية إلى سوريا (منطقة عدرا ومنين قرب دمشق)، وإلى تونس (حمام الأنف) حيث أُقيمت مقار بديلة لمدارس أبناء الشهداء لمواصلة تعليمهم ورعايتهم بالروح ذاتها التي زرعتها الحاجة تودد.
اما عن فرقة الفولكلور وأطفال الصمود (فرقة الكوفية) فقد تم دمج أيتام المدرسة في فرقة تراثية وغنائية. وبالرغم من أن الاسم التنظيمي للفرقة التي انطلقت من أروقة المدرسة واشتهرت عالمياً هو "فرقة الفولكلور الفلسطيني" والتي تحولت لاحقاً إلى "فرقة الكوفية" الشهيرة، إلا أن الرابط بينها وبين "بيت أطفال الصمود" وثيق جداً من حيث التأسيس والهدف: حيث أسست المدرسة هذه الفرقة في أوائل السبعينيات تحت إشراف مباشر من الحاجة تودد عبد الهادي للاهتمام بالفلكلور، والزي التراثي، والأغاني الوطنية، وكان الهدف هو دمج أيتام الشهداء في إطار ثقافي يحمي هويتهم ويشرح قضيتهم للعالم. ومن أبرز من قاد ودرب الفرقة:المعلمة حورية الفار وهي المشرفة والمربية التي أسست وصقلت الفرقة بجهدها داخل المدرسة، وهي التي قادت مسيرتها وحولتها إلى اسم "فرقة الكوفية" التراثية التي جابت مسارح العالم، بالاضافة الى الفنان والملحن عبد الله حداد، فنان الثورة الفلسطينية المعروف وصاحب اغنية التكتيك الشهيرة، والذي كان يتردد على مدرسة سوق الغرب لتعليم أيتام الشهداء الموسيقى والأناشيد، واعتمد عليهم كلياً كأعضاء رئيسيين في عروضه الغنائية التراثية (مثل فرقة زهرة المدائن لاحقاً)..
مع الاشارة الى دورها في تأسيس فرقة أطفال الصمود والفولكلور من خلال عضويتها الفاعلة في الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية الذي كانت تودد كادراً فيه. ومن رحم هذا المركز ولدت "فرقة أطفال الصمود للفولكلور الشعبي" والتي ضمت أيتام المخيم والمدرسة في عام 1976 عقب مجزرة مخيم تل الزعتر في لبنان حيث تأسست مؤسسة "بيت أطفال الصمود" .والتي اهتمت ايضا بإحياء الزي والتراث الغنائي؛ حيث تبرعت الحاجة تودد لاحقاً بكل مجموعتها النادرة من الأزياء والمقتنيات التراثية لتأسيس المعرض الوطني الدائم.
المصادر التاريخية ومذكرات الكوادر تكشف أن مسيرة الحاجة تودد عبد الهادي بعد إبعادها عام 1968 انقسمت إلى محطتين رئيسيتين، وهو ما يفسر التداخل بين الأردن ولبنان ، مدرسة أبناء الشهداء في عمان عقب إبعادها فوراً عام 1968، حيث بدأت عملها في العاصمة الأردنية عمان؛ فتولت إدارة مدرسة أبناء الشهداء في عمان (التي كان يمولها المحسن الليبي يوسف مادي)، والتي تولت جرحى معركة الكرامة الخالدة، ثم تولت هناك إدارة "مركز الشهيدة حياة البلبيسي".
وسنتناول هنا محطتين هامتين في حياة الحاجة تودد عبد الهادي: الأولى هي أسرار كتابها "خراريف شعبية" والروح التي جمعت بها هذه القصص، والثانية هي قرار اعتزالها العمل التنظيمي المباشر وأسبابه ودوافعه.
أولاً: أسرار كتاب "خراريف شعبية" (بيروت 1980) عندما أصدرت الحاجة تودد هذا الكتاب عن دار ابن رشد في بيروت، لم يكن هدفها مجرد تجميع حكايات مسلية، بل كان عملاً نضالياً بامتياز؛ حيث اعتبرت أن سرقة الاحتلال للأرض تتبعها سرقة للهوية والتراث الثقافي .
منهجية الجمع الشفوي: اعتمدت تودد على ذاكرتها القوية وما سمعته من والدتها وجداتها في قصور آل عبد الهادي في "عرابة"، بالإضافة إلى ما جمعته من نساء المخيمات واللجوء.
لغة الكتاب: حرصت على كتابة "الخراريف" بـاللهجة الفلسطينية الدارجة المحكية (مع الحفاظ على المفردات الفلاحية القديمة)، لكي لا تفقد القصة روحها الأصلية وعفويتها. حيث وثّقت الأسلوب التقليدي لافتتاح الحكاية: "كان يا ما كان، في قديم الزمان، وسالف العصر والأوان، حتى كان الديك يؤذن في عمّان...". وركّزت على قصص "الشاطر حسن" و"جبينة" و"الغول"، ولكنها كانت تعيد صياغتها لتغرس في نفوس الأطفال قيم الشجاعة، والذكاء، والتمسك بالحق، ومواجهة الظلم، والارتباط بالأرض كبديل رمزي للوطن السليب.
ثانياً: اعتزال العمل التنظيمي المباشر والتفرغ للتراث والروحانيات , في منتصف السبعينيات (قرابة عام 1975)، اتخذت الحاجة تودد عبد الهادي قراراً بالابتعاد تدريجياً عن الأطر التنظيمية السياسية والعسكرية المباشرة لحركة فتح، وذلك لعدة أسباب ودوافع موضوعية ونفسية.
التحول نحو العمل الثقافي والروحي: شعرت الحاجة تودد أن الثورة بحاجة إلى "حراس للهوية والتراث" لا يقل دورهم عن حراس البنادق. رأت أن العمل التنظيمي اليومي يستنزف الوقت الذي يجب أن يُخصَّص لتوثيق التاريخ الشفوي الفلسطيني قبل رحيل جيل الأجداد.
البيئة الروحية والدينية: عُرفت الحاجة تودد بوازعها الديني العميق والملتزم (ومن هنا جاء لقبها "الحاجة")؛ وفضّلت في تلك المرحلة من حياتها الابتعاد عن التجاذبات والخلافات السياسية الداخلية التي بدأت تظهر في الساحة اللبنانية وبين الفصائل، واختارت أن تنأى بنفسها لتظل محل احترام وإجماع من كافة الأطراف الفلسطينية.
التركيز على رعاية الأيتام: تفرغت بالكامل للجانب الإنساني والتربوي من خلال "مؤسسة أسر الشهداء" والاتحاد العام للمرأة الفلسطينية، معتبرة أن بناء الإنسان الفلسطيني وتربيته عقيدياً ووطنياً في أروقة المدارس والمعارض التراثية هو النضال الأسمى الذي تبرع فيه.
لقد تركت الحاجة تودد بعد رحيلها إرثاً يثبت أن المرأة الفلسطينية قادت الثورة بالبندقية والقلم، وآوت القادة في الميدان، وحمت أطفالهم في المنافي، وحفظت حكاياتهم من النسيان. وتقديراً لجهودها تم منح اسمها وسام القدس للثقافة والفنون.
توفيت الحاجة تودد عبد الهادي في مدينة عمان بالأردن عام 2010، عن عمر ناهز 88 عاماً بعد مسيرة طويلة من الإبعاد والنضال والعمل التربوي، ودُفنت في العاصمة الأردنية عمان؛ حيث قضت سنوات عقودها الأخيرة هناك برفقة شقيقتها المربية "عواطف" بعد رحلة طويلة من الترحال القسري والشتات. وبوفاة الحاجة تودد عبد الهادي عام 2010، انطوت صفحة جسدية لقامة نضالية فريدة، لكن كتابها "الخراريف" والفرقة التراثية التي أسستها وأجيال أيتام الشهداء الذين ربتهم، وسيرتها النضالية الزاخرة ظلوا شهوداً أحياء على أن الكلمة والهوية لا يمكن إبعادها أو نفيها.
#مهند_طلال_الاخرس (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
تجارب ثورية ؛ الاعتماد على الذات
-
خراريف شعبية ، تودد عبد الهادي
-
كمال ناصر الاثار النثرية -مقالات ومذكرات-
-
جيل المبادىء؛ محمد عيد عشاوي نموذجا
-
دروس وتجارب ثورية، هل التجنح ظاهرة عامة في المجتمع ام صفة خا
...
-
قراءة في رواية تحت ظل الخيمة بقلم: عثمان محمد الأخرس
-
الجندي المجهول
-
دليل الحرب الثورية ، كوامي نكروما
-
كيف نجت الحكاية ؟
-
الى خليل الوزير ابو جهاد في ذكراه 38
-
صلاح الدين محمد ؛ حارس الذاكرة وسادن الارشيف
-
شهيد السينما الفلسطينية الأول، هاني جوهرية
-
سمات شخصية البطل في الرواية الفلسطينية المقاومة؛ شخصية خالد
...
-
دلالات العنوان في رواية زمن الشيطنة لـ شفيق التلولي
-
زمن الشيطنة، شفيق التلولي
-
قبل النسيان ، صلاح الموسى
-
سماء غزة من زجاج ، اسامة الفرا
-
تحت ظل السماء ، ختام حماد الربايعة
-
رصاص في عقل متعب ، حسين أبو النجا
-
التغريبة الفلسطينية -حكايا المخيم- ، وليد سيف
المزيد.....
-
مواصفات أمنية قد تصدمك.. الحرس الرئاسي الأمريكي ينشر فيديو ل
...
-
-قريباً لن نجد ما نأكله-.. ضربات أوكرانية تربك الحياة في شبه
...
-
موجات حر غير مسبوقة في أوروبا وأمريكا.. وإرشادات ضرورية للسي
...
-
ابنة صدام حسين تعلق بذكرى عاشوراء ورمزية الإمام الحسين
-
كوريا الجنوبية تعتزم إدخال مسيرات انتحارية بعيدة المدى إلى ا
...
-
دميترييف: سوروس -قرصان إلكتروني- سيطر على منظومة المنظمات غي
...
-
غروسي: تذويب اليورانيوم بين الحلول المطروحة في التعامل مع ال
...
-
أوباما يسخر من ترامب: -أشغل جناحا كاملا في رأسه-.. والبيت ال
...
-
الولايات المتحدة.. سحب مكملات شائعة تسوّق لدعم صحة القلب بسب
...
-
روسيا توسّع أسطول المسيّرات الاعتراضية بنماذج جديدة ومتخصصة
...
المزيد.....
-
علاقة السيد - التابع مع الغرب
/ مازن كم الماز
-
روايات ما بعد الاستعمار وشتات جزر الكاريبي/ جزر الهند الغربي
...
/ أشرف إبراهيم زيدان
-
روايات المهاجرين من جنوب آسيا إلي انجلترا في زمن ما بعد الاس
...
/ أشرف إبراهيم زيدان
-
انتفاضة أفريل 1938 في تونس ضدّ الاحتلال الفرنسي
/ فاروق الصيّاحي
-
بين التحرر من الاستعمار والتحرر من الاستبداد. بحث في المصطلح
/ محمد علي مقلد
-
حرب التحرير في البانيا
/ محمد شيخو
-
التدخل الأوربي بإفريقيا جنوب الصحراء
/ خالد الكزولي
-
عن حدتو واليسار والحركة الوطنية بمصر
/ أحمد القصير
-
الأممية الثانية و المستعمرات .هنري لوزراي ترجمة معز الراجحي
/ معز الراجحي
-
البلشفية وقضايا الثورة الصينية
/ ستالين
المزيد.....
|