|
|
سيكولوجية العزاء: هيبة الغياب ومواسم الفقد المُرّ ، الى والدي في ذكراه..
مهند طلال الاخرس
الحوار المتمدن-العدد: 8802 - 2026 / 8 / 19 - 10:40
المحور:
سيرة ذاتية
سيكولوجية العزاء: هيبة الغياب ومواسم الفقد المُرّ الى والدي في ذكراه.. على سعة اللغة، إلا أن مفارقتها تقف عاجزة وفقيرة في التعبير عن لوعة الفقد ورهاب الموت؛ وقد يكون الصمت المهيب عند الموت هو ردة الفعل الوحيدة التي تقرّ وتعترف بهيبة الموت التي لا ينازعها شيء في مواجهة هذا الوجع.
تتشابه العبارات، وتبدو جمل مثل «البقاء لله» أو «تعازينا الحارة» قوالب خالية من أي نبض حقيقي، كأنها محاولة يائسة لترويض مأساة تستعصي على الترويض.
نشعر بثقل جارف في الحنجرة، وبحرج بالدماغ من محاولة صياغة الوجع في كلمات؛ فالصمت في هذه المواقف ليس مجرد عجز لغوي، بل هو الرد الأسمى والوحيد الذي يليق بجلالة الحدث، وتأكيد علوي على حدود الشرط الإنساني أمام الفناء والعدم، وعند الموت يكون القدر قد قدم لنا أكبر الدروس وأكثرها لوعة في ضحالة الإنسان وتجاربه في مواجهة درس الحياة الأقسى... الموت...
يقدم الفيلسوف الفرنسي فلاديمير جانكلفيتش تأصيلاً فلسفياً عميقاً لهذه الحالة، مؤكداً أن الموت ظاهرة تستعصي على التفكير البشري؛ لأنه "يمتص الأسئلة ويحيلها إلى فراغ سحيق"، مما يجعل الإنسان مجرداً من وسيلته الأولى للتواصل وهي اللغة، فلا يمكن محاورة الغياب، ولا تقديم إجابات منطقية للفراغ. يتفكك الخطاب الإنساني أمام صدمة الفناء، ويغدو الصمت حجاباً وقائياً يستر الفزع، ويحمي الأحياء من الانزلاق نحو الرعب المباشر. كما صاغ الشاعر والفيلسوف الألماني رينيه ماريا ريلكه هذا المعنى بعمق حين اعتبر الموت هو الجانب الآخر للحياة، الجانب المظلم الذي لا تصله أشعة اللغة، فكلما اقتربنا من تخومه، تراجعت الكلمات لتخلي الساحة لصمت يحمل في طياته أقصى درجات المواساة وأعمق مستويات الرهبة.
الموت هو الانقطاع الكلي الذي لا رجعة فيه، يستعصي على الفكر ويمتص الأسئلة ليحيلها إلى فراغ سحيق. وتلك الفلسفة الجافة تذوب وتتحول إلى جمر يحرق الروح حين يتحول "الموت" من مفهوم مجرد إلى حكاية تسكن تفاصيلك، ومن هادم للذات إلى مُغيّر لشكل الحياة والمسؤوليات؛ فالموت لا يأخذ الراحلين وحدهم، بل يأخذ معهم الطمأنينة التي عشنا في ظلالها، ويترك الأحياء أمام مواجهة مباشرة مع فجيعة الفقد وتفاصيل الحياة اليومية المرة.
لقد تسلل الموت إلى جسد والدي "طلال" على مهل في ذلك الصيف من عام 2025. بدأ يسرق الحركة من قدميه تدريجيًا منذ شهر أيار؛ لم يفقد الشعور بهما تمامًا، لكنهما كفّتا عن حمله، وأقعدتاه عن الحركة. راح الموت يصعد ببطء وعناد نحو أجزاء جسمه العليا، حتى عجزت يده التي ما بخلت يومًا عن العطاء عن حمل سيجارته، وصرنا في أيامه الأخيرة نرقب عجز صدره حتى عن نفث الدخان، في مشهد يقطع نياط القلب؛ فمن كان يملأ البيت بحضوره، بات يختنق بصمته الحبيس، مصداقاً للمثل الشعبي الحكيم: "المرض بيهدّ الجبال، والموت سهم ما منّه مجال".
وهنا تجلت لي بمرارة فلسفة جبران خليل جبران الخالدة وهو يفكك تشريح الفناء البشري قائلاً: "إن الإنسان لا يموت دفعة واحدة، وإنما يموت بطريقة الأجزاء؛ كلما رحل صديق مات جزء، وكلما غادرنا حبيب مات جزء، وكلما قُتل حلم من أحلامنا مات جزء، فيأتي الموت الأكبر ليجد كل الأجزاء ميتة، فيحملها ويرحل".
لقد رأيت والدي يموت بطريقة الأجزاء أمام عيني طوال ثلاثة أشهر؛ ماتت قدماه أولاً فحملهما الأجل، ثم ماتت يداه ففقدت قدرة القبض والعطاء، ثم صعد الموت ليأخذ حتى متعة نفث الدخان من صدره، كأن الموت الأكبر حين زاره عصر ذلك الأحد لم يفعل سوى أنه لملم تلك الأجزاء التي تلاشت تدريجياً، وحملها ليرحل بها إلى باريها.
وفي صباح الأحد ، الثالث من آب، بلغت الروح التراقي. استيقظ والدي مصابًا باستفراغ وتعرّق شديدين، وامتزجت في ذلك الصباح دقات قلبي بقرع طبول الحيرة؛ فقد تصادف هذا الانهيار الصحي مع موعد امتحان الثانوية العامة (التوجيهي)، وميعاد إيصالي لابنتي "فلسطين" إلى مدرستها لتقديم امتحانها. بين جدران البيت، تلاقت نظرات الحيرة والقلق بيني وبين زوجتي: ما العمل؟ كيف نترك الأب يصارع، وكيف نخذل الابنة في مستهل مستقبلها؟
هنا تدخل القدر وتجلى سند الأخوة؛ حضر أخي "علي". طلبت منه على عجل أن يعطيه أدوية الضغط وإبرة السكري ريثما أعود، ومضيت أحث الخطى أطير بـ "فلسطين" نحو مدرستها في دقائق عصيبة تخنق الأنفاس، وعقلي هناك، قابع عند فراش أبي. لم أكد أفرغ من إيصالها حتى رنّ هاتفي؛ كان علي على الطرف الآخر ينبئني بضرورة نقله فورًا إلى المستشفى.
حثثته بقلب مرتجف وطلبت منه الاتصال بالدفاع المدني لسرعة نقله، على أن ألاقيهم هناك. نقله علي إلى طوارئ المستشفى، وبعد أقل من ساعة أخبره الأطباء بوجوب إدخاله العناية المركزة، فما هي إلا ساعة أخرى حتى غرق في غيبوبة عميقة، وبعد صلاة العصر بدقائق معدودات، صعدت الروح إلى بارئها.
ولكن، قبل هذا الرحيل بأسبوع كامل، وذات ليلة من ليالي السبت على الأحد، انفتح في غرفته برزخٌ غامض تجاوز حدود العقل البشري، ليرسم واحدة من أعجب مفارقات القدر؛ سهر معنا والدي في "المعرش" حيث جمعة الشبيبة المعتادة، ثم تعب ليلاً ونقلناه للمستشفى حتى الصباح، ليعود بعدها مستقراً. في ذلك اليوم، أقبلت عمتي أخته "انتصار" لزيارته، وصعدت إلى غرفته في الطابق العلوي، لتشهد مشهداً مهيباً يفيض بالفانتازيا والواقعية السحرية.
لم تكن الغرفة خالية حين دخلت انتصار، بل كانت تضجّ بحضور أثيري صامت عجزت العين المجردة عن تفسيره لكن الروح استشعرته. كان والدي يلتفت يميناً وشمالاً، يوزع نظراته بترحيب حار في زوايا الغرفة الفارغة، كأنه يستقبل وفداً مهيباً تزدحم به الجدران.
لقد كان يرى بعين البصيرة المنفتحة على عالم الآخرة عائلته الراحلة بأكملها؛ رأى والده "عمر"، وإخوته "إبراهيم"، و"شاهر"، و"نصر"، وشقيقاته الراحلات "حليمة" و"حلمية"، وتصدرت المشهد والدته الراحلة "هيجير" المتوفاة منذ أكثر من ثلاثين عاماً، وهي واقفة عند رأس فراشه بنورانيتها الغامرة.
بدأ المشهد لانتصار وكأن غرفتنا الصغيرة تحولت فجأة إلى ديوان برزخي ضيق، يتزاحم فيه الأحياء والأموات في نفس اللحظة الزمانية والمكانية.
التفت والدي طلال إلى عمتي، وبنبرة جادة ليس فيها أثر للهذيان، وبخ صوت الموت الذي بدأ يهمس في أذنيه، وقال مستأذناً رفاقه الغائبين: "افسحوا المجال لانتصار كي تجلس". ثم تطلع إلى شقيقته بقلة حيلة وقال: "المكان ضيق، ما في مكان ، لزولها هذه انتصار ظلنا واثرنا الباقي"، كأن الغرفة امتلأت عن آخرها بأجساد من نور وظلال من ماضٍ سحيق.
في تلك اللحظة الخارقة للعادة، تحركت الوالدة الراحلة "هيجير" من مكانها، وهمّت بالخروج من الغرفة لتترك مقعداً لابنتها انتصار، ففزعت عمتي من هول التفاصيل وجارت حالته المرضية قائلة بصوت هادئ: "لا خلاص، خليها قاعدة، انا بطلع، بدي اشوف مهند". لكن طلال، الذي كان يرى خيوط الغيب تُنسج أمامه، حسم الأمر بيقين هز أركان البيت، والتفت إلى انتصار قائلاً: "لا، اجلسي، هي الحجة هيجر طلعت.. ، لكنها ستعود إليّ في الأسبوع القادم...".
ولم يكن هذا مجرد وهم مرضي بل كلام غيبي قادم من عوالم البرزخ؛ ففي الأسبوع التالي تماماً، وفي ذات اليوم والساعة والدقيقة، انشقت السماء لتنزل "هيجير" وتفي بوعدها القدسي، آخذةً روح ابنها طلال لتصعد بها إلى الملكوت الأعلى، تاركةً عمتي انتصار تبكي جلال تلك المفارقة العجيبة التي أصرت عليها، وكأن الموت لم يكن خطفاً مفاجئاً، بل كان موعداً غيبياً ضُبطت عليه عقارب الأرواح قبل أن تنفذ.
بيد أن وعي الفقد الفلسفي الحقيقي لا ينتهي بانتهاء مراسم العزاء وانفضاض المهنئين؛ بل يبدأ هناك، تحت السطح، في تفاصيل "البيت اللوجستية" التي كانت في عهد والدي تُنجز بسحر غامض وكأنها تحدث تلقائياً دون أدنى جهد منا.
هنا يتجلى الموت في أعمق صوره الفلسفية: إنه ليس مجرد غياب لجسد، بل هو انهيار فجائي للبنية التحتية للأمان الفردي. حين كان والدي حياً، كان يمتص تلاطم أعباء الحياة كإسفنجة صامتة، مخلفاً وراءه سقفاً مرفوعاً من الاستقرار المطلق، كنا نعيش في "نعيم الجهل" بآلياته. وبموته، انهار هذا السقف فجأة، لنقف كالأيتام في مواجهة مباشرة مع الريح والعراء اللوجستي للوجود.
تحول وعي الفقد عندي إلى نثر درامي يومي مشحون بالأسى؛ فبينما كان القدر يرسل إشاراته الخفية التي لم نصدقها إلا بعد الرحيل، صرت أسترجع تلك الصور والرسائل التي كانت كأحجية أو كلمات متقاطعة لم ولن يكتمل صفّها ومعناها إلا حين وقع المحذور وعمّ السكون. حينها فقط، أُصبنا بالذهول لاكتمال المشهد والصورة، وصَفَنّا طويلاً؛ لأن النهاية كانت ماثلةً أمامنا، تشع من مصابيح الدار التي رفض الأب إطفاءها، لكننا لم نجمع حروفها، أو لعلّنا خفنا من جمعها، لم نرد أن نصدق تلك الحقيقة الماثلة أمام أعيننا، والتي بقيت تكبر وتتضح معالمها طوال ثلاثة أشهر من الذبول المرضي.
هذا التناوب الكوني بين غياب الجذور وبقاء الفروع كان عقيدة راسخة في وجدان أجدادنا الكنعانيين القدامى؛ إذ لم يَرَوا الموت فناءً مطلقاً للذكرى، بل صوّروه كبرزخ تنتقل فيه الأرواح لتصبح "ظلالاً مهيبة" تحرس عتبات البيوت، وتتداخل مع طاقة الأحياء في صراع دائم بين عتمة الهاوية ونور الامتداد، وكأن الحياة لا تولد ولا تكتمل معالمها اللوجستية إلا من رحم مواجهة هذا الفناء الصامت.
يتجلى هذا العبء اللوجستي العاري والدراما الصامتة للغياب في تفاصيل الأشياء المتروكة التي يحرسها الأحياء، تماماً كما جسدها الشاعر الإسباني فيديريكو غارثيا لوركا بنثره الشاعري الحزين حين قال:
"عندما أموت.. اتركوا الشرفة مفتوحة الاطفال يأكلون التوت والعنب والاسكدنية (من الشباك).. والحاصد يحصد القمح (من حقولي).. عندما أموت.. اتركوا الشرفة مفتوحة!" واتركوا الاضواء مفتوحة...
أقف اليوم في مواجهة "عراء الوجود" وأتأمل درس الأبوة الرئيسي واليومي الذي أورثني إياه طلال. لقد كان دأبه كل ليلة أن يطوف بأنحاء البيت كحارس أمين؛ يغلق التلفاز، ويحكم اغلاق الأبواب، ويتفقد النائمين بلمسات دافئة يغشاها الدثار، ويتفقد المياه والخزانات لاسيما في لظى الصيف الشديد. والأهم من هذا كله، كان طوافه الأخير لإطفاء مصابيح الإنارة؛ يطفئ الغرف شقة تلو شقة ليعم البيت سكون النوم المعافى.
لكن المفارقة الدرامية التي تفتت الكبد، هي مقارنة هذا النظام الصارم في الإطفاء بما جرى في فترة مرضه الأخيرة، بعد أن تمكن منه السقم وبدأت عقارب الأرواح تضبط سيرها؛ فبين حالتين للمصابيح، تتبدى فجوة الوجع. حين كان في صحته، كان يسارع لإخماد النور وبث العتمة الهادئة، أما أثناء مرضه، فقد انقلبت المعادلة، وأصبح يصر بعناد مكسور على بقاء الإضاءة مشتعلة ويرفض إطفاءها تماماً.
تجلت لي هذه المعادلة بوضوح جارح في إحدى الليالي، وأنا أقف بجانبه أهيئة للنوم على فراشه. طلب مني بصوت متعب واهن أن أبقي باب الغرفة ونافذتها مفتوحين على مصراعيهما. قلت له طائعاً: "أوكي يابا"، وفتحت النافذة والباب ليتدفق هواء الصيف. ثم تحركت ووقفت عند مفتاح الضوء في زاوية الغرفة، والتفتُّ إليه موجهاً سؤالي مرة أخرى: "أطفي الضو ولا أخليلك إياه؟". أجابني على الفور بنبرة مستعطفة متمسكة بالنور: "خليلي إياه.. خليلي إياه ضاوي، هو قديش يعني بده يصرف؟!".
حينها، ضحكتُ باسماً محاولاً طرد غيوم الحزن التي تظلل الفراش، ومازحته ملاطفاً لأخفف عنه جلال الموقف وقسوة العزلة قائلاً: "يابا، أنت بتفكر إنه ملك الموت ما بيجي على الغرفة الضاوية؟ بتفكر إنه ملك الموت ما بيجي غير على العتمة!؟ اسمع يابا.. ملك الموت بيجي في كل حين، لما يجي الحين والأجل".
يا لذهول الصورة واكتمال الأحجية! لقد رد عليّ صامتاً بنظرة تختصر يقين الأيام الأخيرة؛ كان أبي في تلك الفترة، مثل أمه "هيجير" تماماً، يخاف الوحدة ويخشى العتمة المحدقة به؛ هو الذي قضى عمره رفيقاً لليل، ودواساً للعتمات، وجسوراً في غياهب الظلام، بات يستجدي بصيص المصباح والأبواب المشرعة ليطرد وحشة الرحيل الماثل أمامه.
واليوم، وجدت نفسي فجأة أقف متوجساً في مقامه عند الغسق، أمد يدي لأغلق باب البيت الخارجي، وأتحسس زرفيله الثقيل الذي كان والدي يحكم إغلاقه ليمحو مخاوفنا، فأشعر ببرودة الحديد تسري في قعور روحي. غدوت ألملم الزبالة عن باب الدار، أجمعها في كيس بمرارة صامتة، صرت أسقي "الزريعة" الخارجية، أسكب الماء على جذورها الظمأى، وفي قلبي غصة؛ فبينما أحاول إحياء ورد غرسها بيديه، يترسب في داخلي يقين بأن الساقي الحقيقي قد جفّت عروقه تحت التراب.
تفاقم رعب الفقد الفلسفي حين اصطدمت بالواقع اللوجستي العاري: فواتير الكهرباء والمياه التي باتت تتدفق بإنذاراتها كأوراق نعي متلاحقة، أركض مثقلاً لدفعها لتستمر الحياة في عروق الجدران، وبت أطوف بين الشقق لأطفئ الأنوار المشتعلة بنفسي، متهيباً من كل مصباح أطفئه، ومتسائلاً بنحيب باطني كأنني أطفئ جزءاً من روحه التي طلبت أن يبقى "الضو ضاوي". أما الأزمة الكبرى، فتكمن في تلك المعركة المزمنة مع المياه؛ حيث وجدت نفسي مضطراً للصعود المضني إلى السطح، أتلمس طريقي نحو الخزانات المتهالكة، أتفقد نقصها وأعالج هبوط ضغطها، أقف فوق السطح العالي وحيداً في مواجهة الريح، مسترجعاً كيف كان والدي يصعد هذه السلالم بجسده المنهك دون شكوى ليضمن ألا نقطش من قطرة ماء واحدة.
امتد الأمر ليصبح هماً سيكولوجياً يومياً يتتبع شبكة الكهرباء؛ أطوف كشبح حارس في أرجاء الدار، أعد الأنفاس، وأتابع الأولاد الصغار برعاية أبوية قلقة ومذعورة: من منهم ذهب؟ ومن منهم رجع؟ ومن الذي تأخر بالخارج؟ وصولاً إلى ملاحقة الواجبات الاجتماعية وإدارة المناسبات العائلية ليبقى اسم "طلال" مهيباً حاضراً في المحافل والديوان، ولا يسقط في النسيان.
وفي كل خطوة خطوتها في هذه المهام المستحدثة، كان وعيي ينزف، وذاكرتي تستدعي بنحيب باطني كلمات موال حاتم العراقي الشجية التي طالما مست قلوبنا، لتتطابق اليوم مع واقعنا الملموس حرفاً بحرف:
كنا صغار.. نقعد وقت الغروب أباب الدار ننطر جيت أبونا كنا صغار.. والله صغار.. حيل صغار.... ننطر جيت أبونا أباب الدار يرجع مبتسم.. بس وجهه متعوب.. ومن يشوفنا يضحكن عيونه يجي محمل أبونا أشكال وألوان.. وتظل تلوم بيه أمنا الحنونة تعبك هذا تعبك لا يبو فلان.. تتعب والصغار يضيعونه
هنا، وفي عمق هذا العراء الوجودي، تتبدى المقولة الشعبية الدارجة: "اللي خلّف ما مات"، لا كشعار وعظي بسيط لتطييب الخواطر، بل كحتمية فلسفية تتجلى في أدق تفاصيل الفجيعة وأقساها عرياً؛ فالموت يظن أنه يقطع النسل ويمحو الأثر، لكن السر الحقيقي للخلود الإنساني يتجسد في تلك اللحظة التي يسقط فيها جسد الآباء، فينهض لحم الأبناء ليتحول إلى غلاف يحمي ذلك الإرث من الفناء.
هذا التماهي الوجودي الصارخ عشته بكل جوارحي في أروقة المستشفى الباردة، في تلك اللحظات الفاصلة الخانقة التي تلت تسجيل الوفاة وجثوم هيبة الموقف. كنت منزوياً في زاوية من زوايا الانتظار، أحمل هاتفي بوعي غائب، وأطالع شاشة تفيض بأبيات قصيدة الإمام الشافعي الخالدة كأنني أبحث في حروفها عن درع يَقيني صدمة الفاجعة وعزلة الغياب. رحت أرددها في صدري بصوت مخنوق بنياط الفقد، متشبثاً بكل شطر فيها ليضبط نبضي المضطرب:
دَعِ الأَيَّامَ تَفْعَلُ مَا تَشَاءُ ... وَطِبْ نَفْساً إِذَا حَكَمَ القَضَاءُ وَلَا تَجْزَعْ لِنَازِلَةِ اللَّيَالِي ... فَمَا لِحَوَادِثِ الدُّنْيَا بَقَاءُ وَكُنْ رَجُلاً عَلَى الأَهْوَالِ جَلْداً ... وَشِيمَتُكَ السَّمَاحَةُ وَالوَفَاءُ
وبينما كانت الكلمات تتدفق كزفرات ساخنة، انشق هدوء المكان الموحش، وتقدم نحوي ابن عمتي العزيز، وأخي الذي لم تلده أمي، وعضدي في الملمات "بشير عشيش" (أبو ثائر). التفت عيناي المجهدتان بنظراته التي تفيض حزناً وثباتاً في آن واحد، واقترب مني بنبرة وقورة يغلفها جلال الحدث الإلهي، ليقطع ترديدي للأبيات برفق ويهتف بي نداء الوراثة الكبرى: "ادخل لغرفة التغسيل.. ادخل لتغسيل ابوك مع اخوتك".
في تلك اللحظة بالذات، تلاقت لغة الشافعي بواقع الغياب العاري، وتابعت روحي ترديد الأبيات في سري وأنا أخطو نحو الداخل بجسد مرتجف، مستحضراً بقية القصيدة كأنها كُتبت لهذه الخطوة:
وَمَنْ نَزَلَتْ بِسَاحَتِهِ المَنَايَا ... فَلَا أَرْضٌ تَقِيهِ وَلَا سَمَاءُ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ وَلَكِنْ ... إِذَا نَزَلَ القَضَا ضَاقَ الفَضَاءُ دَعِ الأَيَّامَ تَغْدِرْ كُلَّ حِينٍ ... فَمَا يُغْنِي عَنِ المَوْتِ الدَّوَاءُ
انفتحت البوابة، ودخلت لأرى جسد والدي "طلال" مسجّى أمامي بلا حراك؛ غارقاً في ذلك النَوْم كُليّ الهناءة الذي لا ألم فيه ولا عذاب. تجلى أمامي بقسوة وبلاغة ما خطّه محمود درويش يوماً في حضرة غيابه حين كتب: "أدركتُ ما لم تُدركْ من قبل: أدركتُ أنّ الموتَ لا يُوجِعُ الموتى، بل يوجِعُ الأحياء!".
نعم، لقد انمحت الفوارق الفلسفية بين الموت والحياة؛ فحين امتدت يدي لتلامس جسد طلال لتطهيره وتغسيله، شعرت بلحم والدي الذي يكسو عظامي، وبدمائه التي تجري في عروقي. كان والدي قد نجا بجسده من وجع المرض والشلل وصار معافى من كل كدر، بينما استقر الوجع كاملاً في قلبي أنا الحيّ الشاهد.
كان دخولي بطلب من "أبو ثائر" اعترافاً باطنياً بأن الموت قد أخذ الأنفاس لكنه عجز عن أخذ السلالة؛ فاليد التي تغسل الأب اليوم هي ذات اليد التي رباها الأب لتكون سنده، والجسد الذي أودعناه الثرى يواصل العيش والحركة في تفاصيلي وفي ملامحي.
هناك، عند لوح التغسيل، تيقنت من المعنى الفلسفي الأعمق: أبو طلال لا يموت كلياً ما دام في الأرض ابن يحمل ملامحه، ويمشي بخطاه، ويطهر جسده الراحل بدموعه؛ إنها أسمى درجات التضامن البشري وتجسيد حيّ لفكرة الخلود الوداعي؛ تلك الفكرة التي التي ارقت انكيدو في قصته المشهورة.
ثم تكتمل المفارقة الغيبية لتصل ذروتها الدرامية في مقاربة فانتازية تلاعبت بها خيوط الرؤى والأحلام؛ فبعد مرور عام كامل على غياب الجسد، وفي ذات التاريخ الفارق—الثالث من آب—اتجهت قلوبنا نحو شاشات الحواسيب بانتظار إعلان نتائج الثانوية العامة "التوجيهي"، لكن عقارب الساعة في وزارة التربية كانت تؤجل البشارة، ولم تطلع النتائج في ذلك اليوم، بل تأخرت إلى الحادي عشر من آب.
لكن الموت الذي له بروتكوله الخاص، والجد الذي لا تخلف روحه الميعاد، لم تترك هذا اليوم الحزين دون بشارة. ففي ذات الصباح الحارق—الثالث من آب—غطّت "فوفو" (فلسطين) في نوم عميق، لتفتح السماء لها باباً برزخياً عجيباً؛ رأت في منامها جدها الراحل طلال يدخل عليها الغرفة، لم يكن متعباً ولا عاجز القدمين، بل كان يفيض نوراً وبهاءً. تقدم نحوها يسأل عنها وعن حالها، وبسط يده الطاهرة الطيبة ليصافحها، وطبع على جبينها ابتسامته الحنونة التي واريناها التراب قبل عام وطالبها بالثبات. كانت تلك المصافحة الغيبية، وتلك الابتسامة المشرقة، أولى بشائر النجاح التي هبطت من ملكوت الصالحين؛ إشارة طمأنينة أرسلها الجد ليقول لها: "أنا هنا، ما زلت أحرس خطاكِ".
ظل ذلك الحلم معلقاً في هواء البيت كغيمة أمل، حتى انشقّ فجر الحادي عشر من آب. ومع الضغطة الأولى على زر إعلان النتائج، وبينما كانت النتيجة الكبيرة تعلن عبور حفيدته بنجاح باهر، شعرنا جميعاً وكأن اليد التي ضغطت معنا على لوحة المفاتيح هي ذات اليد النورانية التي صافحت "فوفو" في المنام قبل أيام.
تلاحمت الرؤيا بالواقع في مقاربة فانتازية مشوقة: تأخرت الوزارة في إعلان الأرقام، لكن طلال تولى إعلان النتيجة بنفسه في موعد رحيله، ليتحول الثالث من آب من مأتم أسود إلى فجر غيبي للتبشير، ويغدو الحادي عشر من آب تجسيداً أرضياً لمصافحة سماوية بارك بها الجد نجاح حفيدته الأغلى.
تأخر حزني عليه عاماً كاملاً في تلك الدقيقة الساحرة من يوم الحادي عشر من آب، وبينما كانت الهتافات تصعد والزغاريد تملأ فضاء الدار احتفالاً بنجاح "فلسطين"، حدث في داخلي زلزالٌ صامت انشقت له جدران روحي. لقد اكتشفت في تلك اللحظة بالذات، أن حزني الحقيقي على والدي طلال قد تأخر عاماً كاملاً! طوال ثلاثمئة وستين يوماً مضت، كنت منشغلاً بعقل حارس الدار ولدن المسؤولية اللوجستية، أغلق الأبواب، وأسقي الزرع، وأحصي النقص، وأقمع الدمعة كي لا ينهار السقف فوق رؤوس الأحياء؛ كنت جندياً في معركة الفقد، والجنود لا يبكون أثناء الحصار.
لكن، ما إن همست لي "فوفو" بتفاصيل حلمها المشهود، وأخبرتني بيقين طفولي نقي كيف جاءها جدها في غسق الثالث من آب، دافعاً بوابات الغيب، يسأل عن أحوالها، ويطلب مصافحتها، ويطبع قبلة الرضا والوداع الحانية على جبينها، حتى انهار الحصن الذي بنيته حول قلبي. استفاق الحزن النائم كعملاق جريح؛ تراءت لي تلك القبلة والمصافحة الروحية كأعظم تجسيد لوفاء الأبوة الممتد عبر البرزخ. في تلك اللحظة، لم أرَ أرقاماً على الشاشة، بل رأيت وجه طلال مبتسماً ومستبشراً بنجاح حفيدته. تلاقت دموع الفرح بدموع الفجيعة المؤجلة، وانفجر في صدري النحيب الحبيس منذ عام؛ لقد استفاق الحزن من مرقده ليعلن أن غياب الأب لا يرممه نجاح، وأن الذكرى تظل حية تسير في تفاصيل أعمارنا، كأن الأقدار أرادت لحزن الأب أن ينبعث مجدداً من رحم فرح الابنة، ليعود طلال حاضراً في شهقة فرحنا وغصة وجعنا على حد سواء.
في غمرة هذا العبء والتدفق اللوجستي القاسي، تنفتح في وعيي حكاية قديمة ولدت معي منذ الصغر؛ حكاية حبكة غريبة عجيبة صاغها القدر مبكراً وكأنه يمهد الأرض لهذا اليوم. فمنذ نعومة أظفاري، والجميع في الحي والأقارب، والرفاق في الشبيبة، يلقبونني وينادونني باسم "أبو طلال". لم أكن حينها أباً، ولم يكن "طلال" قد وُلِد بعد، لكن النداء كان يستبق السنوات.
واليوم، وأنا أقف في منتصف الدار بعد غياب عمودها، ألتفت حولي فأرى "طلال الكبير" قد غاب بجسده، وأرى نفسي قد صرت حارس إرثه وحامل لواء كنيته. لقد نادوني "أبو طلال" صغيراً لتكتمل الدائرة كبيراً، فأصبح أنا الأب الحاضن لاسم الأب الغائب، وتلتقي البداية بالنهاية في وراثة مقدسة للمسؤولية والجاه. تبقى الذكريات شواهد حية لا تموت؛ فكل لبنة رُصّت في هذه الجدران، وكل شجرة أطلقت أوراقها في الفناء، وكل حركة أو خطوة تمشي وتكبر في جنبات هذا البيت، تهمس باسم من بنى وسقى، ومن أطعم وعلم، ومن حمى وستر.
تلك هي سنة الحياة التي لا تبديل لها؛ لقد قدم والدي طلال كل ما تملكه روح الأب من تضحية ومحبة، ومضى مطمئناً إلى حيث سنمضي نحن يوماً ما، مستسلماً لمشيئة القدير، تاركاً لنا أثمن ما يملكه الراحلون: أسماءنا التي تفخر بأنها تحمل اسمه، وعتبات دارٍ لا زالت تتعطر بذكراه، ودعاءً خالصاً يرتفع من سويداء قلوبنا لينير قبره إلى يوم الدين.
#مهند_طلال_الاخرس (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
عالمية الشاعر الفلسطيني محمود درويش
-
كتاب من بيروت إلى القدس From Beirut to Jerusalem ، سوي تشاي
...
-
المراة الفلسطينية المناضلة؛ الحاجة تودد عبدالهادي نموذجا
-
تجارب ثورية ؛ الاعتماد على الذات
-
خراريف شعبية ، تودد عبد الهادي
-
كمال ناصر الاثار النثرية -مقالات ومذكرات-
-
جيل المبادىء؛ محمد عيد عشاوي نموذجا
-
دروس وتجارب ثورية، هل التجنح ظاهرة عامة في المجتمع ام صفة خا
...
-
قراءة في رواية تحت ظل الخيمة بقلم: عثمان محمد الأخرس
-
الجندي المجهول
-
دليل الحرب الثورية ، كوامي نكروما
-
كيف نجت الحكاية ؟
-
الى خليل الوزير ابو جهاد في ذكراه 38
-
صلاح الدين محمد ؛ حارس الذاكرة وسادن الارشيف
-
شهيد السينما الفلسطينية الأول، هاني جوهرية
-
سمات شخصية البطل في الرواية الفلسطينية المقاومة؛ شخصية خالد
...
-
دلالات العنوان في رواية زمن الشيطنة لـ شفيق التلولي
-
زمن الشيطنة، شفيق التلولي
-
قبل النسيان ، صلاح الموسى
-
سماء غزة من زجاج ، اسامة الفرا
المزيد.....
-
استطلاعات رأي: حزب جديد موال للحكومة في كازاخستان يفوز بالأغ
...
-
زيلينسكي يعترف بأنه حاول خداع ترامب ولكن الأخير كشفه
-
مقتل طفلين وإصابة 7 آخرين في هجوم بطائرة مسيرة أوكرانية على
...
-
عقوبات أمريكية مرتقبة على إيران ولقاء سوري إسرائيلي في الأرد
...
-
-أكره الديمقراطيين لكنني أحب عبدول-.. غزة تعيد الناخبين إلى
...
-
سوريا وإسرائيل.. لقاء مباشر لخفض التوتر
-
بعد رواج لافت.. إيقاف مؤقت لمجموعة -شكاوى أهالي قاع الهامور-
...
-
إسرائيل تفضل سيناريو رفح في مرتفعات علي الطاهر اللبنانية.. م
...
-
من أين لك كل هذا؟.. إعلامي مصري يطالب بكشف مصادر الثراء الفا
...
-
سلوتسكي: سياسة زيلينسكي وبوروشينكو سبب الانقسام في أوكرانيا
...
المزيد.....
-
مذكرات وذكريات مهندس عراقي في السويد
/ المهندس صباح يوسف ابراهيم
-
مذكرات وذكريات مهندس عراقي في السويد
/ مذكرات وذكريات مهندس في العراق
-
الدنمارك، نسير معاً، كل بمفرده
/ حكمة اقبال
-
رسالة الى اخي المعدوم
/ صادق العلي
-
كراسات شيوعية (مذكرات شيوعى ناجٍ من الفاشية.أسباب هزيمة البر
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
أعلام شيوعية فلسطينية(جبرا نقولا)استراتيجية تروتسكية لفلسطين
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
كتاب طمى الاتبراوى محطات في دروب الحياة
/ تاج السر عثمان
-
سيرة القيد والقلم
/ نبهان خريشة
-
سيرة الضوء... صفحات من حياة الشيخ خطاب صالح الضامن
/ خطاب عمران الضامن
-
على أطلال جيلنا - وأيام كانت معهم
/ سعيد العليمى
المزيد.....
|