أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قراءات في عالم الكتب و المطبوعات - مهند طلال الاخرس - دلالة العنوان في رواية -صلاح الدين- لآندرو أوزموند















المزيد.....

دلالة العنوان في رواية -صلاح الدين- لآندرو أوزموند


مهند طلال الاخرس

الحوار المتمدن-العدد: 8875 - 2026 / 10 / 31 - 17:14
المحور: قراءات في عالم الكتب و المطبوعات
    


يُمثّل العنوان العتبة النصيّة الأولى، والمفتاح التأويلي الحاسم الذي يَلج من خلاله القارئ إلى عوالم النص الروائي. وفي رواية الكاتب البريطاني آندرو أوزموند "صلاح الدين" (Saladin!)، يتجاوز العنوان كونه مجرد لافتة تعريفية، ليتحول إلى أداة مواجهة سياسية، ومقاربة إسقاطية متعمدة تحمل الكثير من المعاني والدلالات الباطنة والظاهرة التي تستفز الوعي الوطني وتتطلب تفكيكاً نقدياً صارماً.

أولاً: المفارقة الرمزية والالتفاف على التاريخ

تكمن الدلالة الأولى والمركزية للعنوان في المفارقة الصادمة والوعرة بين الرمز التاريخي والواقع المعاصر المتخيّل في بطن الكاتب فصلاح الدين التاريخي ارتبط اسمه في الوجدان الجمعي العربي والإنساني بالفاتح الأيوبي، رمز التحرير العسكري الحاسم، وتطهير بيت المقدس، ودكّ حصون الغزاة عبر مواجهة تاريخية شاملة لا مساومة فيها. وصلاح الدين المعاصر (أنيس قبعين) يعيد أوزموند تدوير هذا الرمز ليمنحه لبطل روايته كـ "اسم حركي"؛ لكن المفاجأة تكمن في أن هذا "الصلاح الدين" الجديد ليس فاتحاً ولا محرراً، بل هو شخصية برجوازية معزولة سياسياً وشعبياً، يؤمن بقدرته على فرض "تسوية سلام مشرفة" وصناعة تعايش عبر صدمة تكتيكية تصنعها بندقية غربية مستأجرة.

هذا التناقض الصارخ يعكس رغبة الاستشراق الغربي في إعادة تدوير الرموز الكبرى وإفراغها من محتواها الكفاحي والوطني، ليتحول الرمز من دلالة "التحرير والعودة" إلى دلالة "التفاوض والتنازل الإقليمي" قبولاً بالأمر الواقع مرورا بخلق سرديات مزيفة تستهدف وعي الامة والمجتمع وضربها في مقتل.

ثانياً: دلالة "مبنى الألكتراز" ومقاطعة العنوان مع جغرافيا المحتل

الربط السري في الرواية بين الاسم الحركي للبطل (صلاح الدين) والهدف المستهدف (مبنى الألكتراز) يحمل إسقاطاً باطناً بالغ الخبث؛ فبينما كان صلاح الدين الأصيل يسعى لفتح القدس وتطهير معالمها، فإن "صلاح الدين المزيف" يندفع فجر يوم الاثنين لاقتحام مبنى قيد الإنشاء في القدس المحتلة عبر عملية متفق عليها "تواطء" نظيفة من الدماء مرافقة لاعلان سياسي يتضمن حلا للمشكلة بصفتها صراع بين فريقين متنازعين لهما نفس الحقوق والارث التاريخي .

وهذا المبنى او الهدف المتخيل والذي يختبيء خلف يافطة "مركز البريد والاتصالات" يخفي في باطنه خمس طبقات سرية محصنة تمثل قلب جهاز الأمن الداخلي الصهيوني (الشين بيت) كان بالامكان الاستشهاد باستهداف اي مكان موجود فعلا؛ لكن ارادة الكاتب ابتعدت عامدا متعمدا عن حتى محاولة خدش مظهر التفوق الاسرائيلي ولو معنويا في انحياز صارخ للنظرة الغربية القائمة على العنصرية ومحاباة الصهيونية ومنحها ميزة التفوق الدائم.

وإن تسمية الكاتب للمبنى بـ "الألكتراز" (تشبيهاً بأشهر السجون الأمريكية تحصيناً وانعزالاً) يتقاطع مع دلالة العنوان؛ ليقول الكاتب مواربةً إن "القدس" في العهد المعاصر قد أُغلقت وتحصنت أمنياً وعسكرياً بوجه أصحابها، وأن اقتحام هذا "الألكتراز" من قِبل "صلاح الدين المعاصر" لم يكن تكراراً للتاريخ، بل كان قفزة انتحارية في حقل ألغام أدت إلى مصرعه مضرجاً بدمائه في السراديب السفلية للمبنى.

ثالثاً: تسويق السردية الغربية عبر عتبة الرمز العربي

استخدام اسم "صلاح الدين" كعنوان بارز على متن طبعة الرواية الواقعة في 474 صفحة، هو فخ تجاري وسياسي يمارسه الوعي الاستعماري القديم (عاصمة الضباب والمؤامرات لندن)؛ حيث يُستغل شغف المتلقي العربي برموزه التاريخية لتمرير سردية سياسية مسمومة تروج لـ:
1. عقم النضال المنظم: إظهار الحاضنة الشعبية والبندقية المتمسكة بالثوابت في صورة "تطرف راديكالي أعمى" يشوه ويعيق مساعي "صلاح الدين المعتدل".
2. عقدة النقص الفكري: الإيحاء بأن الفلسطيني ـ حتى وإن امتلك الحلم والرغبة ـ عاجز عن الإدارة والتخطيط العسكري دون التبعية والارتهان لـ "الأستاذ الأبيض" وضابط الـ (SAS) المرتزق ستيفن روسكو.
3. مطلق الأمن الصهيوني: ينتهي مآل العنوان وصاحبه إلى السحق التام تحت أقدام الكولونيل "لوكتانوف"، ليمنح الكاتب الغربي صك التفوق التكتيكي للاحتلال، مرسخاً كاريكاتيراً روائياً يزعم أن الأمن الصهيوني مطلق، وأن منطق القوة هو الصائغ الوحيد لواقع الأرض والعباد.

إن دلالة العنوان في رواية آندرو أوزموند هي وثيقة إدانة أدبية واضحة للبروبوجندا الغربية في حقبة السبعينيات؛ محاولة ذكية لصناعة "فلسطيني مشوه" يساوم على جراحه وثوابته باسم السلام الرمزي الفاشل.

لكن القراءة الوطنية الواعية والملتزمة تفكك هذا الخبث الأدبي لتؤكد في الختام أن فلسطين لا تنتظر مخلصاً وهمياً يساوم على هويتها التاريخية، وأن دلالة "صلاح الدين الحقيقي" لا تزال حية ومحفوظة، لا تكتبها روايات التشويق البريطانية في غرف لندن، بل يكتبها سدنة الحكاية واصحاب التغريبة، الصامدون في خيام اللجوء وأزقة المخيمات، المنتمون لشعبهم وهويتهم والمنحازون لقضيتهم وهويتهم ، والممسكون بجمر القضية المدركون لدورهم في صفحات التاريخ دون وهم او كذب او تدليس ، أولئك الذين يدركون يقيناً بواقعية وطنية صرفة أن الطريق إلى القدس لا يمر عبر تسويات "فجر الاثنين" والبنادق والعمليات الماجورة والمتفق عليها مسبقا والمتماهية مع ارادة الاحتلال، بل عبر ثورة تحريرية مستمرة يؤدي كل جيل دوره فيها باقتدار ، ويسلم الراية والرواية لمن بعده خالية من الزيف والتشويش، وتستخدم فيها كل أساليب النضال المتاحة بوعي واقتدار، حسب ملائمة الظروف الذاتية والموضوعية لكل زمان ومرحلة، بهدف البقاء والديمومة اولا، وثانيا بهدف صون السردية الفلسطينية من العبث والتخريب والتخريف والتجريف، وصولا لمرحلة التحرير والعودة وإقامة الدولة العتيدة المستندة الى قوة الحق والتاريخ وفهم منقطع النظير لطبيعة الصراع والادوات الفاعلة فيه.

فنحن واياهم في صراع طويل ومرير ، ورغم امتلاكهم كل ادوات القهر والموت والنصر الاني المزيف ؛ الا اننا نجحنا في ان نبقى ضمن دورة التاريخ رغم محاولاتهم اليائسة والبائسة طردنا منه، وطمس وجودنا فيه؛ ونحن مع مجرى التاريخ، وسننتصر، طال الزمان ام قصر،....



#مهند_طلال_الاخرس (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- صلاح الدين ، آندرو أوزموند
- سيكولوجية العزاء: هيبة الغياب ومواسم الفقد المُرّ الى والدي ...
- الانتين
- الكفاح المسلح والبحث عن الدولة، يزيد صايغ
- سيكولوجية العزاء: هيبة الغياب ومواسم الفقد المُرّ ، الى والد ...
- عالمية الشاعر الفلسطيني محمود درويش
- كتاب من بيروت إلى القدس From Beirut to Jerusalem ، سوي تشاي ...
- المراة الفلسطينية المناضلة؛ الحاجة تودد عبدالهادي نموذجا
- تجارب ثورية ؛ الاعتماد على الذات
- خراريف شعبية ، تودد عبد الهادي
- كمال ناصر الاثار النثرية -مقالات ومذكرات-
- جيل المبادىء؛ محمد عيد عشاوي نموذجا
- دروس وتجارب ثورية، هل التجنح ظاهرة عامة في المجتمع ام صفة خا ...
- قراءة في رواية تحت ظل الخيمة بقلم: عثمان محمد الأخرس
- الجندي المجهول
- دليل الحرب الثورية ، كوامي نكروما
- كيف نجت الحكاية ؟
- الى خليل الوزير ابو جهاد في ذكراه 38
- صلاح الدين محمد ؛ حارس الذاكرة وسادن الارشيف
- شهيد السينما الفلسطينية الأول، هاني جوهرية


المزيد.....




- ترامب يحذر إيران من -ضربة قاصمة-، وطهران تتعهد -بحرب طويلة- ...
- مقتل 9 أشخاص إثر تحطم طائرة بولاية فلوريدا الأمريكية
- كارني وترمب يبحثان اتفاقا تجاريا جديدا بين كندا وأمريكا
- بوشكوف: صراع الليبراليين والمحافظين في بولندا يعكس معركة على ...
- فيليبو يتهم المفوضية الأوروبية بالتدخل في شؤون بولندا على خل ...
- ترامب يقر بأن الدستور الأمريكي يمنعه من الترشح لولاية رئاسية ...
- مصادر فلسطينية: 9 قتلى بنيران إسرائيلية في غزة بينهم 5 من أف ...
- بولندا.. إجراءات تأديبية مرتقبة بحق رئيس المحكمة الدستورية و ...
- ميندل: طموحات زيلينسكي منفصلة عن الواقع بشأن اعتماد بديل عن ...
- ترامب يتحدث عن خلافاته مع زوجته بشأن الرقص في الفعاليات العا ...


المزيد.....

- قراءة في العقل والثورة-3 / نايف سلوم
- قراءة في -العقل والثورة- -2 / نايف سلوم
- قراءة تفكيكية في رواية - ورقات من دفاتر ناظم العربي - لبشير ... / رياض الشرايطي
- نظرية التطور الاجتماعي نحو الفعل والحرية بين الوعي الحضاري و ... / زهير الخويلدي
- -فجر الفلسفة اليونانية قبل سقراط- استعراض نقدي للمقدمة-2 / نايف سلوم
- فلسفة البراكسيس عند أنطونيو غرامشي في مواجهة الاختزالية والا ... / زهير الخويلدي
- الكونية والعدالة وسياسة الهوية / زهير الخويلدي
- فصل من كتاب حرية التعبير... / عبدالرزاق دحنون
- الولايات المتحدة كدولة نامية: قراءة في كتاب -عصور الرأسمالية ... / محمود الصباغ
- تقديم وتلخيص كتاب: العالم المعرفي المتوقد / غازي الصوراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قراءات في عالم الكتب و المطبوعات - مهند طلال الاخرس - دلالة العنوان في رواية -صلاح الدين- لآندرو أوزموند