|
|
جدلية العلاقة السايكولوجية السياسية بين الأنتماء الوطني والعداء لأمريكا والغرب مع أشارة للحالة العراقية
عامر صالح
(Amer Salih)
الحوار المتمدن-العدد: 8876 - 2026 / 11 / 1 - 00:48
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
تُعد العلاقة بين الانتماء الوطني والعداء للقوى الخارجية من الموضوعات المهمة في علم النفس السياسي، لأنها تكشف عن الكيفية التي تتشكل بها مواقف الأفراد والجماعات تجاه الدول الأخرى، وكيف تتداخل مشاعر الوطنية والكرامة والاستقلال مع الذاكرة التاريخية والمصالح السياسية والانتماءات الأيديولوجية.
وفي المجتمعات التي عانت من الحروب والتدخلات الخارجية، كما هو الحال في العراق، قد يصبح الموقف من الولايات المتحدة والغرب جزءًا من تعريف الفرد لوطنيته وهويته السياسية. وقد يرى بعض المواطنين أن رفض السياسات الأمريكية والغربية تعبير عن الدفاع عن الاستقلال الوطني، بينما يذهب آخرون إلى موقف أكثر شمولًا، يختزل الغرب كله في صورة عدو دائم.
لكن هل يعني حب الوطن بالضرورة العداء لأمريكا والغرب؟ وهل يمكن للإنسان أن يكون وطنيًا مخلصًا، وينتقد السياسات الأمريكية بشدة، من دون أن يحمل كراهية للشعب الأمريكي أو للشعوب الأوروبية؟
إن الإجابة عن هذين السؤالين تقتضي التمييز بين الوطنية بوصفها التزامًا باستقلال الوطن وكرامة مواطنيه، وبين التحيز الأيديولوجي الذي قد يجعل الموقف من دولة أو شعب موقفًا مسبقًا، لا يتغير حتى عندما تتغير الوقائع.
متى تكون مقاومة أمريكا تعبيراً عن الوطنية؟:
يمكن أن تكون كذلك عندما يكون الهدف:
الدفاع عن استقلال البلد وسيادته ورفض التدخل في قراره السياسي.
مقاومة الاحتلال أو الهيمنة الخارجية وفق القانون الدولي. حماية مصالح المواطنين وحقوقهم وحرياتهم.
المطالبة بعلاقات دولية متكافئة لا تجعل بلدًا تابعاً لقوة أجنبية.
في هذه الحالات، يمكن فهم مقاومة السياسة الأمريكية بوصفها تعبيراً عن الوطنية، إذا كانت الوسائل والأهداف منسجمة مع استقلال البلد وحقوق شعبه.
لكن ينبغي الانتباه إلى أن الوطنية تُقاس بالأهداف والممارسات والنتائج، لا بمجرد هوية الخصم الذي نحاربه.
متى تتحول معاداة أمريكا إلى غطاء سياسي؟
يمكن أن يرفع شخص أو حزب شعار مقاومة أمريكا، لكنه في الوقت نفسه قد:
يمارس الفساد ويستغل موارد الدولة لمصالحه الخاصة.
يقمع المواطنين ويصادر حقهم في الاعتراض.
يفرض إرادته على المجتمع بقوة السلاح.
يستبدل التبعية لقوة أجنبية بالتبعية لقوة أجنبية أخرى.
يستخدم العداء الخارجي لتجنب محاسبة المواطنين له عن إخفاقاته الداخلية.
في هذه الحالات، يصبح من الضروري التمييز بين خطاب المقاومة وبين الممارسة الفعلية للسيادة الوطنية. فرفع شعار مناهضة الهيمنة لا يثبت وحده أن صاحبه يعمل لمصلحة الشعب.
من منظور علم النفس السياسي، يمكن أن يتحول العداء لدولة أجنبية إلى جزء من هوية الجماعة السياسية. وقد يصبح الولاء للجماعة مرتبطاً بمقدار عدائها للخصم، حتى إن غابت المحاسبة عن سلوك قيادتها. وتبحث دراسات الهوية الوطنية في كيفية تأثير الشعور بالتهديد في المواقف تجاه الجماعات الأخرى وفي تصورات الوطنية والقومية.
وهنا تظهر ثلاث ظواهر مهمة:
التماهي مع الخصم: يصبح تعريف الذات السياسية قائماً على رفض أمريكا أكثر من قيامه على مشروع وطني واضح.
الاحتكار الرمزي للوطنية: يدّعي طرف أنه الوطني الوحيد، ويصف مخالفيه بالخيانة أو العمالة.
التعويض عن الإخفاق الداخلي: يُستخدم الصراع الخارجي أحياناً لصرف الانتباه عن الفساد أو الفشل في تقديم الخدمات أو حماية الحقوق.
هذه احتمالات تحليلية وليست أحكاماً تنطبق تلقائياً على كل من يعارض الولايات المتحدة.
أن وصف أي شخص أو جماعة بأنهم "وطنيون" لمجرد أنهم حاربوا الولايات المتحدة هو تبسيط مخل للأمور، فمفهوم "الوطنية" مرتبط بالولاء للوطن والشعب والدفاع عن مصالحه العليا، وليس فقط بعداء قوة أجنبية معينة.
ويمكن تفكيك هذه المسألة عبر عدة اعتبارات أساسية:
. اختلاف الدوافع والأهداف
دوافع وطنية حقيقية: قد يحارب طرف ما الولايات المتحدة (أو أي قوة أجنبية أخرى) دفاعاً عن سيادة وطنه، واستقلاله، وضد احتلال عسكري مباشر، ومثل هؤلاء يُنظر إليهم غالباً في أدبيات شعوبهم كوطنيين ومقاومين (مثل حركات التحرر الوطني التاريخية ضد التدخلات الخارجية).
دوافع أيديولوجية أو مذهبية: كثير ممن حاربوا أمريكا لم يكونوا يقاتلون من أجل "الوطن" أو الدولة الوطنية، بل من أجل أيديولوجيات أممية (عابرة للحدود) أو أجندات طائفية ومذهبية، أو تأسيس كيانات تلغي المفهوم الحديث للدولة الوطنية بالأساس (مثل التنظيمات المتطرفة والجماعات الإرهابية العابرة للحدود).
. العداء لأمريكا لا يمنع الاستبداد الداخلي
الكثير من الأنظمة، الميليشيات، أو الأفراد الذين اتخذوا شعار "مقاومة أمريكا" أو محاربتها، مارسوا في الوقت نفسه أبشع أنواع القمع، والاستبداد، وانتهاك حقوق شعوبهم، ونهب ثروات أوطانهم. فالوطنية الحقيقية تعني بناء الوطن وحماية المواطن وكرامته، لا استخدام العداء الخارجى غطاءً لقمع الداخل واستعباده.
. العمالة والتقاطع مع مصالح خارجية أخرى
بعض الأطراف التي رفعت شعارات معادية للولايات المتحدة كانت في الوقت ذاته مرتبطة بقوى إقليمية أو دولية أخرى، وتنفذ أجندات تلك القوى على حساب أوطانها ومصالح شعوبها. إذن، هو صراع محاور وليس دفاعاً نقياً عن الوطن.
تشكل ثنائية "الانتماء الوطني" و"العداء لأمريكا والغرب" ظاهرة معقدة ومتعددة الأبعاد في علم النفس السياسي والاجتماعي. ولا يمكن فهم هذه الظاهرة بمعزل عن السياقات التاريخية، والاستعمارية، والسياسية التي شكلت الوعي الجماعي في العديد من مجتمعات العالم، وخاصة في العالم العربي والإسلامي ودول الجنوب العالمي.
يعتمد هذا التحليل على تفكيك هذه الظاهرة عبر ركائز نفسية واجتماعية وسياسية رئيسية:
. سيكولوجيا الانتماء الوطني
الانتماء الوطني ليس مجرد رابط جغرافي أو إداري، بل هو حاجة نفسية عميقة تتصل بهوية الفرد وتقديره لذاته:
نظرية الهوية الأجتماعية: وفقاً لعالم النفس هنري تاجفل، يستمد الأفراد جزءاً أساسياً من تقديرهم لذاتهم من خلال الانتماء إلى جماعات معينة (الجماعة الداخلية ). الوطن هو أكبر هذه الجماعات رمزياً، والانتماء إليه يمنح الفرد شعوراً بالأمان، والاستمرارية، والمعنى في مواجهة تقلبات الحياة.
التعويض النفسي والتماسك الاجتماعي: في المجتمعات التي تعاني من أزمات اقتصادية، أو سياسية، أو تهميش، يرتفع الشعور بالانتماء الوطني كآلية دفاعية نفسية. يلتف الأفراد حول الهوية الوطنية كدرع واقٍ يحمي الكرامة الفردية والجماعية في وجه الإحباطات والشعور بالعجز.
مفهوم "الوطنية" مقابل "الشوفينية": يفرق علم النفس بين الوطنية الإيجابية (الارتباط العاطفي بالوطن والرغبة في تطويره واحترام الآخرين) والشوفينية (التعصب الأعمى واعتبار الوطن أسمى مطلقاً مع احتقار الأمم الأخرى). غالباً ما يتم استثمار الانتماء الوطني وتوجيهه سياسياً لتعبئة الجماهير.
. جذور وسيكولوجيا العداء لأمريكا والغرب
العداء للغرب ليس وليد الصدفة، بل هو استجابة سيكولوجية وتاريخية لتراكمات طويلة من التفاعلات غير المتكافئة:
إرث الاستعمار والهيمنة التاريخية: ترك الاستعمار الغربي جروحاً نرجسية عميقة في الوعي الجمعي لشعوب العالم النامي. هذا الإرث يغذّي شعوراً مستمراً بالظلم التاريخي وفقدان السيادة.
السياسات الخارجية المزدوجة (المظلومية السياسية): لا ينبع العداء لأمريكا والغرب من "كراهية للثقافة" أو "رفض للحداثة" بقدر ما ينبع من السلوك السياسي الخارجي؛ مثل الدعم المطلق لأنظمة الاستبداد، والانحياز السافر في قضايا جوهرية (كالقضية الفلسطينية)، والتدخلات العسكرية المدمرة (مثل غزو العراق وأفغانستان وايران). هذه السياسات تولد شعوراً عارماً بالقهر الجمعي.
نظرية التهديد المتصور: يرى الأفراد في الهيمنة الثقافية والإعلامية الغربية (العولمة الثقافية) تهديداً وجودياً لهويتهم وقيمهم التقليدية والدينية. هذا التهديد يفعّل آليات الدفاع الجماعي، حيث يُنظر إلى الغرب كقوة غازية تستهدف طمس الخصوصية الثقافية.
. التقاطع النفسي: كيف يعزز العداء للغرب الانتماء الوطني؟
ترتبط هاتان الظاهرتان ببعضهما البعض ديناميكياً في عقلية الفرد والجماعة:
آلية "العدو الخارجي" وتوحيد الصفوف: من أبسط قواعد علم النفس الاجتماعي أن وجود "عدو خارجي" أو تهديد مشترك هو أسرع وأقوى طريقة لتوحيد الجماعة الداخلية (الانصهار الوطني). يتم توجيه الغضب والإحباط الداخلي نحو الخارج (أمريكا أو الغرب) لتخفيف التناقضات الداخلية والصراعات الطبقية أو الطائفية داخل الوطن.
إسقاط المسؤولية: أحياناً، يُستخدم العداء للغرب كآلية لتفسير الفشل الداخلي (سواء في التنمية، أو الديمقراطية، أو الاقتصاد). يُنسب كل تخلف أو أزمة إلى "المؤامرات الخارجية" والتدخلات الغربية، مما يحمي النرجسية الوطنية من الاعتراف بالإخفاقات الذاتية، ولكن على حساب تعطيل الإصلاح الحقيقي.
استعادة الكرامة المهدورة: في بيئات يشعر فيها المواطن بالعجز والضعف أمام نظامه السياسي أو ظروفه المعيشية، يتحول "العداء للغرب" إلى متنفس نفسي يمنح الوهم بالقوة والقدرة على المواجهة، ويعيد صياغة الضعيف في دور "البطل المقاوم".
سيكولوجيا العداء لأمريكا والغرب هي موضوع معقد يتداخل فيه علم النفس الاجتماعي، التاريخ، والسياسة. لا ينبع هذا العداء من مجرد "كراهية عفوية"، بل يتشكل عبر آليات نفسية ودوافع جماعية وفردية تغذيها عوامل بنيوية وتاريخية.
يمكن تفكيك العوامل النفسية والسيكولوجية المغذية لهذا العداء إلى عدة محاور رئيسية: صدمة الهوية وجرح الكرامة الجماعية عقدة النقص والدونية القهرية: يرى علم النفس الاجتماعي أن الهيمنة التكنولوجية والاقتصادية والعسكرية للغرب تخلق أحياناً شعوراً بالدونية لدى الشعوب الأخرى. هذا الشعور يتحول لاحقاً إلى آلية دفاعية تتمثل في "العداء" للحفاظ على تماسك الذات.
الجرح النرجسي الجماعي: تمتلك العديد من الحضارات (كالحضارة الإسلامية أو الصينية أو الروسية) تاريخاً مجيداً. عندما تصطدم هذه الذاكرة التاريخية بواقع الهيمنة الغربية الحالية، ينشأ إحباط نفسي عميق يُترجم إلى عداء للغرب كمسؤول عن "إفشال" أو "إضعاف" هذه الأمم. الآليات النفسية الجماعية : الإسقاط النفسي: تميل بعض المجتمعات أو الأنظمة السياسية إلى إسقاط إخفاقاتها الداخلية (الاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية) على "عدو خارجي" جاهز دائماً، وهو أمريكا أو الغرب. يعمل الغرب هنا كـ "مشجب" أو كبش فداء لتبرير الأزمات المحلية.
التهديد الثقافي والوجودي: يُنظر إلى العولمة والقيم الغربية (مثل الفردانية، والتحرر الاجتماعي) على أنها تهديد مباشر للهوية المحلية، والدين، والتقاليد. هذا الخوف من "الذوبان الثقافي" يولد رد فعل دفاعي عنيف وعنيف نفسياً لحماية الحدود الثقافية للمجتمع. الإدراك المعرفي والذاكرة التاريخية الانحياز التأكيدي: يتم تصفية كل التصرفات السياسية الأمريكية والغربية عبر عدسة "النية السيئة المسبقة". أي فعل غربي – حتى لو كان إنسانياً – يُفسر نفسياً على أنه مؤامرة مبطنة أو محاولة للاستغلال.
عقدة المؤامرة: يسهل الفكر التآمري تفسير الأحداث المعقدة عبر إرجاع كل الشرور إلى فاعل واحد قوي ومتحكم (أمريكا والغرب)، مما يمنح الفرد شعوراً زائفاً بالفهم والسيطرة النفسية وسط عالم مضطرب.
الذاكرة الصدمية: تلعب تجارب الاستعمار القديم، والتدخلات العسكرية الحديثة (مثل غزو العراق، التدخل في أفغانستان، ودعم الاحتلال الإسرائيلي) دوراً حاسماً في صياغة عقلية الضحية. هذه الصدمات المتوارثة تجعل العداء للغرب يبدو كأنه "دفاع مشروع عن النفس". سيكولوجيا الازدواجية : من الظواهر النفسية المثيرة للاهتمام في هذا السياق هي علاقة الحب والكره تجاه الغرب: يظهر هذا في اندفاع الأفراد لاستهلاك المنتجات الغربية، ومحاولة الهجرة إلى أمريكا وأوروبا، واستخدام التكنولوجيا الغربية.
في الوقت نفسه، يتم التعبير عن عداء شديد لمنظومة القيم الغربية وسياستها. هذا التناقض الوجداني يخلق حالة من "التنافر المعرفي" يحاول الأفراد حلها عبر زيادة حدة الخطاب المعادي سياسياً للتعويض عن التبعية الاقتصادية أو التكنولوجية.
المؤشرات النفسية للوطنية الوطنية ليست مجرد شعور بالفخر بالوطن؛ إنها أيضاً طريقة في التفكير والتصرف تجاه الدولة والمجتمع والمواطنين. الانتماء الإيجابي إلى الوطن يشعر الفرد بالارتباط ببلده وشعبه وتاريخه، ويحرص على مصالحه العامة، من دون أن يشترط أن يكون وطنه متفوقاً على سائر الشعوب. الاستقلال في الحكم على الدول يقيّم سياسات أمريكا وإيران وسائر الدول وفق أفعالها ومصالح بلده، لا وفق هويتها أو موقعها في معسكره السياسي. ويرفض التدخل الخارجي أياً كان مصدره. تقبّل النقد الذاتي يستطيع الاعتراف بأخطاء بلده أو حكومته أو حزبه، ويرى أن كشف الخلل ومحاولة إصلاحه قد يكونان من مظاهر الوفاء للوطن، لا خيانة له. احترام القانون والمؤسسات يدعم خضوع السلطة للقانون والمساءلة، واحتكار الدولة الشرعي للسلاح، والمساواة بين المواطنين، بدلاً من جعل الولاء لحزب أو فصيل بديلاً عن المواطنة. المسؤولية تجاه المواطنين يربط الوطنية بحماية كرامة الناس وحقوقهم وتحسين حياتهم، لا بمجرد الشعارات أو المواقف الحماسية أو الاستعداد للصراع.
6. القدرة على الاختلاف دون تخوين يتقبل تعدد الآراء والمواقف السياسية، ولا يعتبر كل من يتفاوض مع أمريكا أو يتعاون معها عميلاً، كما لا يعتبر كل من يعارضها وطنياً بالضرورة. وتدعم الأدبيات التمييز بين الوطنية البنّاءة، التي تجمع حب الوطن والاستعداد لنقده وإصلاحه، والوطنية العمياء التي تجعل الولاء غير المشروط والتوجس من الخارج معيارين للانتماء.
تكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في العراق، حيث تتداخل قضايا السيادة الوطنية مع علاقات البلاد بالولايات المتحدة وإيران والدول العربية والقوى الدولية الأخرى.
فمن غير المنطقي أن يُقاس الانتماء الوطني العراقي بمقدار العداء لأمريكا وحدها، أو أن يُختزل الدفاع عن الاستقلال في رفض دولة بعينها، مع تجاهل أشكال النفوذ والتدخل الصادرة عن جهات أخرى.
المعيار الأكثر اتساقًا هو الموقف من مبدأ السيادة نفسه: هل نرفض التدخل الخارجي لأنه ينتقص من استقلال العراق، أم نرفضه فقط عندما يصدر عن دولة لا نتفق معها أيديولوجيًا؟
إن الموقف الوطني المتماسك ينبغي أن يخضع جميع القوى الخارجية لمعيار واحد، مع مراعاة اختلاف أدوارها وأفعالها والوقائع المتعلقة بكل حالة.
كما ينبغي أن يربط الاستقلال الخارجي ببناء دولة قادرة على حماية مصالح مواطنيها، ومكافحة الفساد، وتطوير مؤسساتها، وضمان الحقوق والحريات. فالدولة التي تضعف مؤسساتها الداخلية تصبح أكثر عرضة للضغوط الخارجية، مهما ارتفعت شعارات السيادة والاستقلال.
ومن هنا، فإن الدفاع عن العراق لا يتحقق بمجرد رفع شعارات مناهضة أمريكا أو الغرب، بل ببناء مؤسسات وطنية مستقلة، وتعزيز المساءلة الديمقراطية، وتطوير الاقتصاد والتعليم، وتمكين المواطنين من المشاركة في اتخاذ القرار.
نحو وطنية نقدية وإنسانية: إن المطلوب ليس التخلي عن الذاكرة التاريخية أو تجاهل التجارب المؤلمة، ولا تبرير السياسات الغربية التي تستحق النقد، وإنما تحويل التجربة التاريخية إلى مصدر للوعي السياسي، لا إلى أساس لكراهية دائمة. وتقوم الوطنية النقدية على مجموعة من المبادئ:
الدفاع عن سيادة الوطن وحقه في تقرير مصيره.
نقد السياسات الخارجية استنادًا إلى الأدلة، لا إلى الصور النمطية.
رفض التدخل والهيمنة من أي جهة، وفق معيار متسق.
التمييز بين الحكومات والشعوب، وبين القرارات السياسية والثقافات الإنسانية.
الاعتراف بالأخطاء الداخلية وعدم استخدام العدو الخارجي لتبريرها.
قبول التعاون الدولي عندما يخدم المصالح الوطنية ويحترم الاستقلال المتبادل.
وهذه المبادئ لا تتطلب من الإنسان أن يكون محايدًا تجاه الظلم أو أن يتخلى عن مواقفه الأخلاقية، بل تساعده على التعبير عن تلك المواقف بوضوح وعدالة واتساق.
تكشف سيكولوجيا الانتماء الوطني والعداء لأمريكا والغرب عن علاقة معقدة بين الهوية والذاكرة التاريخية والشعور بالتهديد والخطاب السياسي.
فقد يكون رفض السياسات الأمريكية والغربية تعبيرًا مشروعًا عن الدفاع عن السيادة الوطنية، وقد يتحول في بعض الحالات إلى تحيز أيديولوجي يجعل العداء غاية في ذاته. ولا يمكن التمييز بين الحالتين من خلال الشعارات وحدها، بل من خلال طبيعة الحجج، ومدى اعتمادها على الوقائع، واتساق المعايير التي تستخدمها.
وفي الحالة العراقية، تبرز الحاجة إلى وطنية مستقلة لا تقبل الهيمنة الأمريكية أو الغربية، ولا تستبدل بها تبعية لقوة خارجية أخرى. وطنية تجعل مصلحة العراق وكرامة مواطنيه وحقهم في تقرير مصيرهم معيارًا أساسيًا للعلاقات الدولية.
فحب الوطن لا يحتاج إلى كراهية الشعوب الأخرى، والدفاع عن السيادة لا يتطلب العداء الدائم للغرب، كما أن الانفتاح على العالم لا يعني التنازل عن الاستقلال.
إن الوطنية الأكثر نضجًا هي التي تجمع بين الاعتزاز بالهوية والقدرة على النقد، وبين الدفاع عن المصالح الوطنية واحترام الشعوب الأخرى، وبين الذاكرة التاريخية والعقل النقدي. وهي وطنية لا تقيس إخلاص المواطن بعدد الأعداء الذين يعلنهم، بل بقدر ما يسهم في حماية استقلال بلده وكرامة مواطنيه وبناء مستقبله.
#عامر_صالح (هاشتاغ)
Amer_Salih#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الأبعاد السيكولوجية والأجتماعية لأحياء ذكرى احتجاجات تشرين 2
...
-
الأحتجاجات في أوربا: الاسباب والتداعيات وسيكولوجيا الإسقاط ا
...
-
في علم النفس السياسي: الديمقراطية وجدلية العلاقة بين اليسار
...
-
التداعيات السايكولوجية السياسية والأجتماعية الأقتصادية لأضطر
...
-
اليسار العراقي بين صفحات التاريخ وسيكولوجيا النقد والانتقاد
...
-
في السيكولوجيا الأجتماعية والسياسية لعسكرة المجتمع وضرورة نز
...
-
في الحرب على ايران والأشكالية السيكولوجية السياسية للدور الأ
...
-
رؤية سيكولوجية- سياسية للحرب الدائرة بين امريكا وايران وصعوب
...
-
في سيكولوجيا الهجوم على الشيوعية واليسار ومخاطر ذلك على المج
...
-
سيكولوجيا ثورة 14 تموز 1958 بين الأسئلة التاريخية والدروس ال
...
-
محاربة الفساد المالي والإداري والسياسي بين صولة فجر الخضراء
...
-
سيكولوجيا الفساد الأداري والمالي والأخلاقي في العراق وخصوصية
...
-
سيكولوجيا التاريخي والسياسي والأجتماعي في أحياء الحزب الشيوع
...
-
في سيكولوجيا اللهاث وراء المناصب والسمعة المزيفة في العراق
-
رئيس الوزراء العراقي وصعوبة تحديد المصطلحات
-
في اللواكة وشر البلية ما يضحك
-
في تكليف رئيس وزراء للعراق
-
الموقف السيكولوجي والسياسي من النظام والدولة في الصراعات الد
...
-
ترامب وسيكولوجيا الكذب الأسود
-
الطبيعة السايكولوجية لترامب والحوار مع أيران
المزيد.....
-
بعد اتهامات لإثيوبيا.. بيان مصري بشأن هجمات بطائرات مُسيرة ف
...
-
رضائي يكشف سبب عدم رده على رسالة نائب ترامب ويشير إلى تحول م
...
-
ترامب يتحدث عن ملايين الأصوات غير القانونية في كاليفورنيا بع
...
-
-ساعة الصفر-.. إيران توسع بنك أهدافها في المنطقة تحسبا لحرب
...
-
-مجلس السلام- في غزة برئاسة ترامب يطلب من إيطاليا تقديم دعم
...
-
فرنسا.. احتجاز أكثر من 560 شخصا خلال احتجاجات واسعة ضد غلاء
...
-
بعد اتهامات لإثيوبيا.. مصر تدعو لوقف تدفق السلاح من دول جوار
...
-
الشرطة البريطانية تعتقل 139 شخصا في احتجاج أمام السفارة الأم
...
-
رئيس غرفة صناعة الأخشاب: إلغاء شرط الـ3 سنوات يمنح المستثمري
...
-
واشنطن تنفي ضلوعها المباشر في فرار بولسونارو من البرازيل
المزيد.....
-
من هيجل إلى ماركس - جدلية الفكر ومستقبل الماركسية
/ غازي الصوراني
-
التطوع الرقمى
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
العمل التطوعى نماذج وتطبيقات
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
الطبيعة والتقليد
/ عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
-
علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون
/ عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
-
بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده
/ علي مجيد
-
البساطة
/ عبدالجليل الكناني
-
أحمد رباص
/ كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
-
الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج
/ احسان طالب
المزيد.....
|