أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الهجرة , العنصرية , حقوق اللاجئين ,و الجاليات المهاجرة - كمال يلدو - الدنمارك... نسير معًا، كلٌّ بمفرده















المزيد.....

الدنمارك... نسير معًا، كلٌّ بمفرده


كمال يلدو

الحوار المتمدن-العدد: 8876 - 2026 / 11 / 1 - 00:47
المحور: الهجرة , العنصرية , حقوق اللاجئين ,و الجاليات المهاجرة
    


حكمة إقبال يروي تجربة المنفى ويقرأ المجتمع الدنماركي بعين عراقية
ليس من السهل على الإنسان أن يغادر وطنه مكرهًا، تاركًا وراءه الأهل والأصدقاء وذكريات الطفولة والشباب، ليبدأ حياة جديدة في بلد لا يعرف لغته ولا تقاليده، وتختلف ثقافته ونظرته إلى الحياة عما ألفه طوال سنوات عمره. والأصعب من ذلك أن يعيد بناء ذاته، وأن يجد لنفسه مكانًا في مجتمع جديد، دون أن يفقد صلته بجذوره وهويته الأولى.
هذه التجربة الإنسانية، بكل ما تحمله من تحديات واكتشافات، تشكل أحد المداخل الأساسية لقراءة كتاب «الدنمارك... نسير معًا، كلٌّ بمفرده» للكاتب العراقي حكمة إقبال، الصادر عن دار ميزر للنشر في كانون الأول 2025.
فالكتاب ليس دليلًا سياحيًا للتعريف بالدنمارك، ولا دراسة أكاديمية في نظامها السياسي والاجتماعي، بل شهادة شخصية لإنسان عاش أكثر من ثلاثة عقود في هذا البلد، وانتقل خلالها من موقع اللاجئ القادم من العراق إلى مواطن فاعل في الحياة الثقافية والاجتماعية.
من العراق إلى الدنمارك... رحلة لم تكن اختيارًا
تبدأ حكاية حكمة إقبال من العراق، حيث انخرط في النشاط السياسي وعاش سنوات من المواجهة مع النظام الدكتاتوري السابق. ويشير في كتابه إلى أنه اضطر إلى مغادرة العراق للمرة الأولى عام 1979، إثر الحملة الأمنية على تنظيمات الحزب الشيوعي العراقي، ليعيش فترة مع المقاومة الفلسطينية في بيروت، قبل أن يعود إلى كردستان العراق للمشاركة في العمل المعارض.
أما مغادرته الثانية فكانت في أواخر عام 1988، في أعقاب عمليات الأنفال التي استهدفت الشعب الكردي ومعارضي النظام.
وفي الرابع عشر من آذار عام 1992 وصل إلى الدنمارك، ليبدأ فصلًا جديدًا في حياته، لم يكن يعرف إلى أين سيقوده.
كانت البداية، كما هي الحال مع كثير من اللاجئين، محفوفة بالغربة والقلق وصعوبات التأقلم، لكن السنوات اللاحقة فتحت أمامه آفاقًا جديدة للعمل والتعلم والمشاركة في الحياة العامة.
وبعد ثمانية وعشرين عامًا من العمل، تقاعد في عام 2023، ليجد متسعًا من الوقت لتوثيق تجربته وما راكمه من مشاهدات وخبرات.
الديمقراطية... من الشعارات إلى الممارسة
يحتل موضوع الديمقراطية مساحة مهمة من الكتاب، وربما يمثل أحد أكثر محاوره إثارة للتأمل، خصوصًا بالنسبة إلى القارئ العراقي الذي عاش تجارب سياسية واجتماعية مختلفة تمامًا.
فالمؤلف لا يتناول الديمقراطية باعتبارها نظامًا انتخابيًا فحسب، بل بوصفها ثقافة يومية، تبدأ من احترام القانون والرأي الآخر، وتمر بالمساواة أمام المؤسسات، وتنتهي بحق المواطن في مساءلة المسؤولين ومراقبة أدائهم.
ويتوقف عند الحياة البرلمانية، والانتخابات، وطبيعة العلاقات بين الأحزاب السياسية، وكيف يمكن للخصوم أن يختلفوا بشدة داخل البرلمان، ثم يتعاملوا خارج قاعاته باحترام متبادل.
ومن الموضوعات اللافتة التي يتناولها ما يسميه «ثقافة الاستقالة»، حيث تصبح المسؤولية السياسية والأخلاقية جزءًا من ممارسة العمل العام، وليس مجرد امتياز يمنحه المنصب لصاحبه.
ولعل هذه المشاهد تدفع القارئ العراقي إلى المقارنة، دون أن يفرض الكاتب عليه استنتاجًا محددًا، بين تجربتين مختلفتين في طبيعة المؤسسات والممارسة السياسية والعلاقة بين الحاكم والمواطن.
الاندماج... دون التفريط بالهوية
من أكثر القضايا التي تستحق التوقف عندها في الكتاب موضوع اندماج المهاجرين واللاجئين في المجتمع الدنماركي.
وهنا لا يكتفي المؤلف بالمراقبة من الخارج، بل يستند إلى تجربته الشخصية في العمل وسيطًا ثقافيًا، ومشاركته في مشاريع اجتماعية وتربوية وثقافية هدفت إلى تعزيز التفاهم بين المهاجرين والمؤسسات والمجتمع المحلي.
ويطرح الكتاب، بصورة مباشرة وغير مباشرة، سؤالًا مهمًا: هل يعني الاندماج أن يتخلى الإنسان عن هويته الأصلية وثقافته ولغته، أم أن بإمكانه أن يصبح جزءًا فاعلًا من المجتمع الجديد، مع احتفاظه بجذوره وذاكرته؟
إنها قضية تشغل أجيالًا من العراقيين الذين توزعت بهم المنافي، وبخاصة أبناء الجيل الثاني، الذين نشأوا في مجتمعات تختلف عن المجتمعات التي جاء منها آباؤهم.
ومن خلال الحديث عن المقهى الثقافي، والوساطة الثقافية، والمشاريع الاجتماعية، يقدم المؤلف نماذج من الجهود المبذولة لتقريب المسافات بين الثقافات المختلفة، وتجاوز سوء الفهم والأحكام المسبقة.
المجتمع الدنماركي... الإنسان والخدمات والحريات
يتسع الكتاب ليشمل جوانب عديدة من الحياة اليومية في الدنمارك، بدءًا من التعليم والرعاية الصحية، مرورًا بمكانة المرأة والحريات الفردية، وصولًا إلى الثقافة والرياضة والبيئة والمناخ.
ويولي المؤلف اهتمامًا خاصًا بفكرة دولة الرفاه الاجتماعي، وما تقدمه المؤسسات من خدمات للمواطنين والمقيمين، وما يرتبط بذلك من مسؤوليات فردية وجماعية.
كما يتناول قضايا قد تبدو حساسة أو مثيرة للجدل في بعض المجتمعات العربية، ومنها حرية التعبير، والعلاقة بين الدين والدولة، وحقوق الأقليات، والمثلية الجنسية.
ويتوقف عند أزمة الرسوم الكاريكاتيرية المتعلقة بالنبي محمد عام 2005، وما أثارته من نقاشات حادة حول حرية التعبير واحترام المعتقدات الدينية.
واللافت أن المؤلف، من خلال تجربته، يركز على أهمية الحوار والاحتكام إلى القانون والوسائل السلمية عند معالجة الخلافات، بدلًا من تحويل الاختلافات الثقافية والدينية إلى مواجهات مفتوحة.
ومع ذلك، فهو لا يقدم المجتمع الدنماركي باعتباره مجتمعًا مثاليًا خاليًا من المشكلات؛ إذ يخصص فصلًا للسلبيات، ويتوقف عند التحديات والتناقضات التي لاحظها خلال سنوات إقامته.
كتاب يحمل ذاكرة صاحبه
يكتسب الكتاب بُعدًا إنسانيًا إضافيًا حين نتعرف إلى الدافع الذي شجع مؤلفه على تدوين تجربته.
ففي مقدمته، يروي حكمة إقبال أنه أخبر أحد أصدقائه برغبته في أن يُحرق جثمانه بعد وفاته، ويُنثر رماده قرب البحر، فسأله صديقه إن كان لا يرغب في ترك شيء يتذكره به أبناؤه وأصدقاؤه.
ومن ذلك السؤال ولدت فكرة الكتاب.
وهكذا تحولت الرغبة في ترك أثر شخصي إلى مشروع توثيقي يجمع بين السيرة الذاتية والمشاهدات الاجتماعية والتأملات السياسية والثقافية.
ومن الجميل أيضًا أن المؤلف لم يتعامل مع الكتاب بوصفه مشروعًا تجاريًا، بل أعلن أنه ليس للبيع، ودعا الراغبين في الحصول على نسخة منه إلى تقديم تبرع لمنظمة أطباء بلا حدود.
وقد تصدرت الكتاب مقدمتان؛ الأولى بقلم البرلمانية الدنماركية يلدز أكدوكان، والثانية بقلم الكاتب والناقد العراقي هاشم مطر، تناولتا جوانب من شخصية المؤلف ونشاطه وطبيعة تجربته.
تجربة تستحق القراءة
ما يمنح كتاب «الدنمارك... نسير معًا، كلٌّ بمفرده» أهميته ليس المعلومات التي يقدمها عن بلد أوروبي فحسب، وإنما زاوية النظر التي يعتمدها الكاتب، فهو عراقي عاش تجربة القمع السياسي والمنفى، ثم وجد نفسه في مجتمع مختلف في قوانينه ومؤسساته وثقافته.
ولذلك تحمل صفحاته، إلى جانب الوقائع والمشاهدات، دعوة غير مباشرة إلى التفكير في معنى المواطنة، وحدود الحرية، ومسؤولية الفرد تجاه المجتمع.
وقد لا يتفق القارئ مع جميع استنتاجات المؤلف أو آرائه، لكن ذلك لا ينتقص من قيمة التجربة، بل يفتح المجال لحوار أوسع حول ما يمكن أن نتعلمه من المجتمعات الأخرى.
في النهاية، يبدو عنوان الكتاب نفسه خلاصة فلسفية لهذه الرحلة الطويلة: «نسير معًا، كلٌّ بمفرده»، فالبشر، مهما اختلفت أصولهم ولغاتهم ومعتقداتهم، يتشاركون الحياة في مجتمع واحد، لكن لكل منهم تجربته الخاصة، وحريته الفردية، ومساره الذي يختاره.
لقد غادر حكمة إقبال العراق قبل عقود، لكنه ظل يحمل ذاكرته العراقية معه، وهو يراقب مجتمعًا جديدًا ويتعلم منه ويشارك في حياته.
ومن خلال هذا الكتاب، لا يقدم لنا صورة عن الدنمارك وحدها، بل يدعونا، نحن العراقيين، إلى أن ننظر مجددًا في علاقتنا بالإنسان والوطن والدولة، وأن نتساءل: كيف يمكن أن نبني مجتمعًا يتسع للجميع، ويحترم اختلافاتهم، دون أن يفقدوا حقهم في السير معًا، كلٌّ بطريقته الخاصة؟
تشرين ثان / ٢٠٢٦



#كمال_يلدو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سركون بولص... شاعر حمل العراق في حقيبة المنفى في الذكرى التا ...
- قراءة في رواية «أسرار عائلية» د. علي بداي
- عكَد النصارى في بغداد... عكَد بلا نصارى
- رواية - دار قابيل- لناهض الهندي. حين يتحول الوطن إلى زنزانة ...
- قراءة في كتاب ( فاشية التخلف ...البعث العربي نموذجاً) ، تألي ...
- مجداً مكللاً بالغار لذكرى الشهيد والمربي عامر شاكر رستم الأع ...
- المجد والخلود للشهيد نصير عبدالله المأمون علاء الدين البياتي
- مجدا ً للشهيد سعدون علاء الدين البياتي
- في مدينة ديترويت بولاية مشكان الامريكية
- ثلاثة شهداء وأسير حرب من عائلة بصرية واحدة، ثمرة إرهاب وحروب ...
- ودود عز الدين شاكر ( أبو رستم)، الشهيد الذي قاتل لآخر رصاصة
- الشهيد عبد الوهاب، في طريقه إلى المشنقة وهو نصف عارٍ يهتف بو ...
- ثلاثة شهداء شيوعيين من عائلة واحدة ، وسام الاجرام في صدر الب ...
- مجداً للشهيدة سحر عبد المجيد المبارك وعاراً للقتلة البعثيين
- الشهيدة سحر عبد المجيد المبارك، مجداً لكِ
- مجداً لذكرى الشهيد منقذ عبد المجيد المبارك
- معرض -جماعة بغداد للفن الحديث- في مدينة نيويورك الامريكية
- الأمسية الثقافية لمؤسسة الجالية الكلدانية في مدينة ديترويت - ...
- احتفالية توقيع الديوان الجديد للشاعرة دنيا ميخائيل -ألواح : ...
- معرض بيت نهرين الثالث للفنون / مدينة وورن في ضواحي ولاية مشك ...


المزيد.....




- بعد اتهامات لإثيوبيا.. بيان مصري بشأن هجمات بطائرات مُسيرة ف ...
- رضائي يكشف سبب عدم رده على رسالة نائب ترامب ويشير إلى تحول م ...
- ترامب يتحدث عن ملايين الأصوات غير القانونية في كاليفورنيا بع ...
- -ساعة الصفر-.. إيران توسع بنك أهدافها في المنطقة تحسبا لحرب ...
- -مجلس السلام- في غزة برئاسة ترامب يطلب من إيطاليا تقديم دعم ...
- فرنسا.. احتجاز أكثر من 560 شخصا خلال احتجاجات واسعة ضد غلاء ...
- بعد اتهامات لإثيوبيا.. مصر تدعو لوقف تدفق السلاح من دول جوار ...
- الشرطة البريطانية تعتقل 139 شخصا في احتجاج أمام السفارة الأم ...
- رئيس غرفة صناعة الأخشاب: إلغاء شرط الـ3 سنوات يمنح المستثمري ...
- واشنطن تنفي ضلوعها المباشر في فرار بولسونارو من البرازيل


المزيد.....

- الاقتصاد السياسي لمكافحة الهجرة / حميد كشكولي
- العلاقة البنيوية بين الرأسمالية والهجرة الدولية / هاشم نعمة
- من -المؤامرة اليهودية- إلى -المؤامرة الصهيونية / مرزوق الحلالي
- الحملة العنصرية ضد الأفارقة جنوب الصحراويين في تونس:خلفياتها ... / علي الجلولي
- السكان والسياسات الطبقية نظرية الهيمنة لغرامشي.. اقتراب من ق ... / رشيد غويلب
- المخاطر الجدية لقطعان اليمين المتطرف والنازية الجديدة في أور ... / كاظم حبيب
- الهجرة والثقافة والهوية: حالة مصر / أيمن زهري
- المرأة المسلمة في بلاد اللجوء؛ بين ثقافتي الشرق والغرب؟ / هوازن خداج
- حتما ستشرق الشمس / عيد الماجد
- تقدير أعداد المصريين في الخارج في تعداد 2017 / الجمعية المصرية لدراسات الهجرة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الهجرة , العنصرية , حقوق اللاجئين ,و الجاليات المهاجرة - كمال يلدو - الدنمارك... نسير معًا، كلٌّ بمفرده