محمد علي الطوزي
مترجم وقاص وروائي
الحوار المتمدن-العدد: 8874 - 2026 / 10 / 30 - 10:47
المحور:
الادب والفن
من وحي أغنية «Freezing Moon»، مايهم (Mayhem)، 1994.
-1-
أعمدة كثيرة، اللعنة، لماذا هناك أعمدة كثيرة في هذه الأرض؟ كل الأبنية تبدو كأنها تحاول طعن رأسي، واستخراج دماغي من محجري عيني. لا نظام، كل شيء يبدو كأنه حلم، مزيج هجين: شمس ساطعة تقوم بثقب جمجمتي بشعاعها الحارق. ثلاثة أمتار، أرض مسطحة ميتة، أربع أخرى، منازل تخنق بعضها البعض على التل. لماذا لا أرى نهاية هذه التلال والهضاب؟ لماذا لا شيء يبدو متماثلًا؟ بعض منازل محلية سمجة مشتتة، وأخرى غريبة متباينة بلا ذوق.
في حديقة يتوسطها كوخ حديدي، ذو قُبَّةٍ تشبه القصور الفارسية، وجدت فتاة تبدو متخلفة عقليًّا، بدينة، ذات جبهة سمينة، جالسة على العشب. ربما سيكون رجمها بحصى قمة الكوميديا. ربما، على الأقل، إذا وقفت خارج نطاق إدراكها الضيق، ورميتُ بكل قوتي قطعة حصاة، كشهاب على وجه إبليس، قبل أن أركض. لا تزال برهة قبل أن أغادر هذه المنطقة وأعود إلى المنزل. لا شيء سأخسره، فقط قليل من الركض والجهد. دم يسيل، صراخ عظيم، بينما ابتسامة تمزق وجهي. ينبض قلبي بشدة، ألهث مع شعور بشهوانية مبهمة، تُدَاخِلُنِي حماسة جنونية مشوبة بالندم، لماذا لم أقترب منها، وأجعل من الأمر أكثر صراحة؟ كان عليّ ضربها بدناءة قاسية. أكان عليّ، أيضًا، إقحام وجهها في العشب الجاف؟ لو انتظرت حضور منقذيها! تتملكني رغبة شبقة كلما توقعت مقدار الضرب الذي كنت سأتلقاه.
النتيجة كانت شعورًا بمجد متعاظم. الجميع في معهدي كانوا في تساؤل متواصل وارتياب دائم؛ كان هوسهم بمعرفة هوية ملقي الحجر موضوع كلّ حديث بين الطلاب: أسخرية كان أم حرصًا ساذجًا أم نفاقًا أخلاقيًّا؟ كانوا يتوعدون المجرم المفترض، وسط مواعظ تافهة، وأسئلة تحوم حول احتمالات معرفة هوية ذلك الطيف المجهول.
مع هذا، كنت متشبعًا برغبة واضحة بالضحك والفخر، كلما ذُكِرَ الموضوع بتقزز وكراهية. كنت أشاركهم حديثهم في صمت. فكرت أن أصرخ فيهم يومًا ما بأني الفاعل. سيكون اعترافي نهاية مفرغة، جافة، بلا لذة مستبطنة، بلا بطولة؛ يحول المجهول المريع إلى مجرد عقاب بسيط، ربما يبرر ضربي بشكل شبقي، أو حتى طردي من المدرسة الثانوية.
مع مرور الوقت، بدأت تدريجيًّا أمقت ذلك المسخ المجهول الذي كنت أكتم هياجه، وددت البوح بكل شيء. غدت الأحاديث المتكررة تسبب لي الملل. الغياب كان حيلتي الوحيدة: بدءًا من تحاشي بعض الحصص، إلى الغياب أيامًا كاملة، أو حتى أسابيع. كنت عالقًا في تنظيف حمامات محطة القطارات، أساعد أُمِّي. أتذكر أنها لم تظهر أي استغراب من تغيبي المتواصل عن الدراسة؛ تكتفي بالدعاء لي بحسن العاقبة.
-2-
إنني أدرك أن والدتي ستكون أكثر الملاجئ أمنًا، أكان برابط العادة أم بأثر جيني، ستقيدني بظلها الوارف، وتحتم عليّ، وفاءً للقيم السامية، أن أقف حاميها باعتباري الابن الوحيد. إلا أنني، مع ذلك، أمقتها، خصوصًا من ناحية تسببها في نسلي الدنيء والذي لم يخلف لي سوى وجود كارثي. نفس الصوت، نفس المحنة، نفس التأوهات النسائية التي تخنقني كل يوم. تلك الأرملة لا تكترث إلاّ بملازمتي كالعلقة، على أمل أن تصبح جزءًا لا يتجزأ مني، وتنهار كلما رفضت الانصياع لها. كتلة ثقيلة من الأعضاء، تجاعيد، ملابس قديمة. ورم سرطاني، كومة من البؤس العتيق، تثبتني في الأرضية الأسمنتية، تتوسل لأن أكون مجرد ابن بار يجر العربة وراءها، بعد أن ينال منها الخرف. لا أدري إذا كان أنينها المزعج ملازمًا لوجودها.
كل ما أعرفه عن والدي، أنه بعد يومين أو ثلاثة من ولادتي، قد سار مع الله، وتوارت جثته تحت طبقات التراب والحجر. لا أتذكر موضع ضريحه، أو حتى اسم المقبرة التي دُفِنَ في ثراها. فلم أكترث، حقًّا، لأنبش عظامه للبحث عن هويتي المستقبحة.
بأثر عمل والدتي المقزز اعتدت الفضيحة. أعايش، في صمت مؤلم، جدران حمامات محطة القطار بلونها البني الفاتح. أعايش روائح الفضلات البشرية الطاغية: إنها تملأ الممرّ بقذارة رائحة العرق والبول والبراز... تمتزج المياه النجسة فتتخذ شكل برك صفراء تحت المباول. تغطي الأبواب كتابات ورسوم مشوهة ساذجة؛ آثار حروق السجائر السوداء وبقع الدم الجافة تتوزع على الجدران بتحدٍّ صاخب. علب السجائر الفارغة، وبقايا زجاجات الخمر، تملأ كل زاوية.
ها هو العالم ينزف قاذوراته أمامي: قيء أبدي مصدره كل سِفْلَةِ المدينة. لماذا عليّ أن أكترث لهذا الوجود؟ أليس ذلك الجحر الرئيسي لكل هموم وحماقات السكارى والطفيليين؟ لا تزال والدتي منحنية، وهي تمسح البول المتسرب على الأرضية. لا أعرف سببًا لحضوري هنا؛ ربما أحضر هنا كي لا أتعفن في فراشي، أو ربما أجبرتني أُمِّي، على نحو ما، أن أقف أمام كل مأفون كحارس لهذا الفراغ الخبيث. ها أنذا أقف كعمود آخر، يحرس المراحيض المصفرة والبقايا المتعفنة. أكون زَبَانِيَةَ هذا الجحيم المنحط، مجرد صنم متآكل إلى جانب مدخل محطة القطارات. أشعر أن هناك شيئًا خارج إدراكي، شيئًا ما، يستمتع بمدى تهافتي المزمن أمام قدر يسخر مني.
-3-
حينما طالعت ذلك السافل، أول مرة، بدت وجنتاه مترهلتين كأنما الجلد يذوب من جمجمته؛ عيناه تتحركان ببطء، تتطلعان في الفضاء البعيد، معلقتين على شيء لا يُدْرَكُ. شفتاه الغليظتان تتدليان، في ارتعاش. ذهول يغلف دماغه الفارغ، بينما يمشي بجسده المتهالك بحركة مضطربة داخل ممر الحمام، يتمتم بعض الكلمات الغامضة المتحللة في بعثرة الآهات والأصوات المتآكلة، وهو يمسح رقبته الزرقاء بتثاقل. يضحك ببلاهة مستفزة. بين الحين والآخر تتملكه نوبات سعال شديدة تدمع معها عيناه.
بدأت الكلمات الحانقة تتراكم في حلقي، بينما أراقب ذلك الطفيلي يحوم عشوائيًّا داخل المرحاض، كأنما يعاين بوقاحة ملكيته الخاصة. أستطيع توقع صوت الصراخ والاحتجاج الأنثوي في كل مرة يضيع طريقه عبر ردهات الحمام؛ ذلك اللحن الخاطف اللامتجانس يتردد مرارا وتكرارا في داخلي.
اقتربت منه قليلًا، في غضب، محاولًا أن لا أجذب انتباهه. ثُمَّ، وبينما كان ينظر، على ما أعتقد، إلى طلاء الباب في شرود، دفعته على الأرض بلكمة من الخلف صوبتها إلى أذنه اليمنى. صوت غريب انبعث من حلقه أشبه بالصراخ الطفولي الحاد، بينما سقط في استسلام عند زاوية الغرفة. ركلته مجددًا، غالبًا على مستوى المعدة والصدر، فندت عنه صرخة كتومة مثل خنين الخنزير.
ترددت إشاعة منذ وجدوا الرجل مرميًّا على وجهه في أحد أركان الحمامات، تسيل من فمه بركة من سائل مقزز. طبعًا، نظرًا إلى تعدد الكدمات، ساد لغط بأن الرجل كان قد تعرض إلى السحل من قبل عدة أطراف. مكث في الإنعاش ثلاثة أيام قبل أن ينفق.
قيل في سطوة الأخبار المتناقلة بأنه كان مصابًا بالزهايمر، فَأَمِنْتُ من افتضاح أمري.
-4-
جلست في مقدمة السرير، أنتظر اقتحام أولئك اللوطيين، أبناء الدولة، بمشانقهم، لهذا الجحر المعلق في السماء. أولئك اللقطاء، ينتظرون الفرصة الأنسب ليَجُرُّونَنِي من رقبتي إلى عربتهم. يَجُرُّونَنِي مثل جيفة خنزير، يُعَلِّقُونَنِي خارج معقلهم، ضحية تتدلى لمتعة المارة الأخلاقيين. كل ليلة تراودني هذه الرؤية: كيف سيتم التضحية بي، وشنقي مثل أي قاطع طريق، على عمود إضاءة معدني. أدرك تمامًا أنني سأسقط، وأتعفن في قبر مصغر. لا شيء لي غير يدين قذرتين: خدمت مئات من الأوغاد، جمعت فضلاتهم وقاذوراتهم. أعرف أنني، عندما أمسح وجهي لآخر مرة قبل مماتي، لن أشم إلا رائحة بول وبراز جموع من همج المجهولين.
ها أنا، إِذَنْ، في الشقة الوسطى من مبنى بثلاثة طوابق متهالك، اقتحمته عُنْوَةً تحت ستار الليل، جعلته خبيئة لي من الأعين الفضولية، في شلل دائم داخل هذا التابوت الرطب. أتذكر عندما وقفت لأول مرة أمام باب هذه الشقة: باب عريض ذو لون بني داكن، يبرز مقبض الباب كَصُرَّةٍ منتفخة، قصديري الملمس. لم أكن واثقًا من صواب تدبري لهذا المكان، إلا أنه لم يكن لي من خيار بديل.
هياكل عملاقة متداعية لبناءات قديمة تشتتني، تملأ النافذة. أستطيع رؤية كلّ نافذة مكسورة على هذه العمارات الواقفة في قلق؛ أعمدة منتصبة تمتد إلى السماء دون أي سبب، ربما غير السخرية مني. أشهد على سطوحها لواقط أقمار صناعية صدئة تشوه انتظامها المزيف. أستطيع أن أسمع ضحكات سكانها الهمج، وهم يتجسسون عليّ من وراء الجدران، يدركون مدى حنقي تجاه هذا المشهد المتهالك.
كنت دائمًا أعتقد أن مصيري، بشكل عام، أن أحتضر على سرير خشبي، في أحد المنازل المهجورة. أو ربما كان سينتهي قدري متسكعًا بين الشحاذين تحت جسر مدخل المدينة، أتتبع الفتيات في الشوارع المجاورة، أزعق بالشتائم على الرصيف. وَلِمَ لَا؟ كنت سأعمد إلى طعن أحد ما، قد لا يكون عدوًا أو منافسًا، بل مجرّد شخص من بين آلاف الشخوص الهائمين المارّين أمامي. أولئك المتحدثون بتحذلق من حولي، المفكرون كخلية من الفطريات السامة، المترجلون يمنة ويسرى، دون قضيب أو خُصْيَةٍ: لا أمجادَ ولا معنى، مجرد كائن بشرج وفم. يُدَاخِلُنِي صراع ممضّ يتراكم، أخرج عن الاستقامة. أتطلع في صمت إلى القمر، أشعر ببرود يعمّ أطرافي.
#محمد_علي_الطوزي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟