أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - مجيد حسو مراد - ألمانيا بين المدفع والمصنع: هل ينهار نموذج التصدير تحت ثقل التسلّح والديون؟














المزيد.....

ألمانيا بين المدفع والمصنع: هل ينهار نموذج التصدير تحت ثقل التسلّح والديون؟


مجيد حسو مراد
کاتب و خبير في العلاقات الدولية

(Dr. Magied Hasso Murad)


الحوار المتمدن-العدد: 8871 - 2026 / 10 / 27 - 13:41
المحور: الادارة و الاقتصاد
    


لم يكن إعلان شركة أودي عن بناء أول مصنع لها في الولايات المتحدة مجرد قرار تجاري عابر، بل جاء أشبه بجرس إنذار يُقرع في برلين في توقيت بالغ الحساسية. فالشركة التي ارتبط اسمها بالصناعة الألمانية الرفيعة اختارت أن تضخّ أكثر من أربعة مليارات دولار في ولاية جورجيا، وأن تُعلن ذلك على منصة انتخابية للرئيس الأمريكي نفسه، في الوقت الذي تستعد فيه الحكومة الألمانية لميزانية تتجاوز فيها الاستدانة الجديدة مئتي مليار يورو، ولا يُتوقع فيها للنمو أن يتخطى تسعة أعشار الواحد بالمئة. هنا يبرز سؤال لم يعد ممكناً تأجيله: هل ما زال النموذج الاقتصادي الألماني القائم على التصدير قادراً على حمل عبء التسلّح والديون معاً، في عالم باتت فيه الرسوم الجمركية أداة لنقل المصانع لا لحماية الأسواق فحسب؟

قام هذا النموذج لعقود على معادلة بسيطة في ظاهرها: طاقة رخيصة تأتي من الشرق، ومظلة أمنية توفرها الولايات المتحدة، وأسواق مفتوحة في الصين وأمريكا تستوعب السيارات والآلات الألمانية. وقد سمحت هذه المعادلة لألمانيا بأن تنفق القليل على جيشها وأن تحافظ على انضباط مالي صارم جعلها مثالاً يُحتذى في أوروبا. غير أن السنوات الأخيرة فكّكت أركان هذه المعادلة واحداً تلو الآخر. فالحرب في أوكرانيا أنهت عصر الغاز الروسي الرخيص ورفعت كلفة الإنتاج الصناعي، وعودة ترامب إلى البيت الأبيض زعزعت الثقة بالمظلة الأمريكية، فيما تحولت الصين من سوق مفتوحة إلى منافس شرس في الصناعات ذاتها التي طالما تفوقت فيها ألمانيا.

ولا بد هنا من التوقف عند سؤال يطرحه كثيرون: هل كان بوسع ألمانيا أن تتجنب هذا المصير لو التزمت الحياد إزاء الحرب؟ يرى أنصار هذا الرأي أن برلين كانت ستحتفظ بطاقتها الرخيصة وتتجنب أعباء التسلح، بل وتتحول إلى وسيط بين موسكو والغرب. لكن هذه القراءة تغفل أن الاعتماد على الغاز الروسي كان بحد ذاته نقطة الضعف التي استُخدمت للضغط، وأن ألمانيا بحكم عضويتها في الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو لم تكن تملك ترف الحياد دون ثمن سياسي باهظ. والأهم أن أزمات النموذج الألماني، من تأخر صناعة السيارات في التحول الكهربائي إلى ترهل البنية التحتية، كانت قائمة قبل الحرب، وإن كانت الحرب قد عجّلت بانكشافها.

المفارقة الكبرى اليوم أن ألمانيا تستدين لبناء جيش تقول إنها بحاجة ماسة إليه لأنها لم تعد واثقة من الحماية الأمريكية، بينما تستخدم واشنطن نفسها الرسوم الجمركية لاجتذاب المصانع الألمانية. فميزانية الدفاع الأساسية تقترب من مئة وعشرة مليارات يورو، ويرتفع الإنفاق العسكري الإجمالي إلى نحو مئة وخمسين ملياراً، أي ثلاثة أضعاف ما كان عليه قبل سنوات قليلة. وفي المقابل تتضاعف فوائد الدين لتقترب من ثمانين مليار يورو بحلول نهاية العقد. وهذه الديون لا يمكن خدمتها إلا من اقتصاد ينمو وقاعدة ضريبية تتسع، فإذا انتقلت المصانع والاستثمارات والوظائف إلى الخارج، ضاقت القاعدة التي يُفترض أن تسدد الفاتورة.

ومن الإنصاف القول إن قرار أودي يمكن تبريره تجارياً، فالشركة خسرت أكثر من مليار يورو بسبب الرسوم في عام واحد، ولا تملك مصنعاً أمريكياً كمنافسيها، والبقاء في السوق الأمريكية قد يحمي في النهاية وظائف البحث والتطوير داخل ألمانيا. لكن ما هو منطقي على مستوى الشركة الواحدة قد يكون مقلقاً على مستوى الاقتصاد الوطني، إذ يكشف أن الرسوم الجمركية نجحت فيما عجزت عنه الحوافز والإغراءات، وأن الحليف الأمني قادر على أن يكون منافساً صناعياً لا يرحم.

إن ما تواجهه ألمانيا ليس أزمة عابرة في الميزانية، بل لحظة إعادة تعريف لدورها في العالم. فالنموذج الذي جمع بين القوة الاقتصادية والتواضع العسكري لم يعد قابلاً للاستمرار، والبديل لم يتبلور بعد. وإذا لم تنجح برلين في تحويل إنفاقها الهائل إلى محرك للنمو والابتكار داخل حدودها، وفي بناء موقف أوروبي موحد يتعامل مع الرسوم الأمريكية بندّية، فقد تجد نفسها أمام معادلة قاسية: جيش أقوى يحرس اقتصاداً أضعف، وديون تتراكم على أجيال لن تجد المصانع التي كان يُفترض أن تسددها.



#د._مجيد_حسو_مراد (هاشتاغ)       Dr._Magied_Hasso_Murad#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الإسلام السياسي والقومية الكردية: التفاوض والتنافس
- سياسة الكيل بمكيالين: واشنطن والنفط الروسي بين العقوبة والاس ...
- من بروكسل إلى نيويورك: الكرد يبحثون عن مقعد في المنظمة الدول ...
- المنبر والشرعية: قراءة في أزمة النظام الأممي
- القضية الكردية من السلاح إلى الذوبان
- من يحتاج من أكثر؟ الخليج يعيد رسم علاقته الاقتصادية بألمانيا
- سنجار بين إلقاء سلاح الفصائل و الاعتراف الرمزي
- صعود اليمين المتطرف في ألمانيا: حين يتحوّل الهامش إلى مركز
- الربيع العربي: من كسر الخوف إلى الخوف من الفراغ
- المسيّرات فوق ألمانيا بين حرب هجينة فعلية وخوف مُسيَّس
- طهران ضعيفة، لا طهران ساقطة
- اتفاقية سنجار: أزمة التمثيل والعدالة الغائبة
- من إنهاء السلاح إلى صناعة السلام: تركيا والقضية الكردية أمام ...
- المسألة الكردية في تركيا: من منطق الاحتواء إلى منطق المصلحة
- اتفاقية مكة للدفاع المشترك: تحالف ردعي أم بذرة استقطاب إقليم ...
- سنجار: ماهي سر الذاكرة التي لا تُقفل ؟
- الذاكرة بلا أثر: لماذا يتكرر الخطأ الكردي ؟
- حين تتصدّع الحدود: الهجرة الجماعية وامتحان المشروع الأوروبي
- نجاح مكافحة الفساد وحده کفيل لاستعادة ثقة المواطن بالائتمان ...
- مشروع البصرة – حديثة – بانياس تجنب التبعية الترکية وتضع إقلي ...


المزيد.....




- فنزويلا: محاولات استبعاد روسيا من نظام إمدادات الغاز العالمي ...
- المزروعي يدعو إلى حوار بين منتجي ومستهلكي الغاز لضمان الوارد ...
- منتدى الدول المصدرة للغاز يشكل فريق عمل لمواجهة اللوائح الكر ...
- منتدى الدول المصدرة للغاز يعرب عن قلقه من -الكربون الأوروبي- ...
- بوتين: روسيا رائدة عالمية في القطاع النووي
- إسرائيل والصين.. نهاية شهر العسل؟ أدت انتقادات الصين للعملي ...
- تركيا تخطط لعمليات استحواذ كبرى لرفع إنتاجها من النفط والغاز ...
- المنفي: ليبيا جسر بين ضفتي المتوسط ومساهم في أمن الطاقة الإق ...
- أول تعليق من هاري كين بعد تتويجه بالكرة الذهبية
- بوتين يشيد بالتعاون الروسي المصري في مجال الطاقة


المزيد.....

- الاقتصاد السوري: من احتكار الدولة إلى احتكار النخب تحولات هي ... / سالان مصطفى
- دولة المستثمرين ورجال الأعمال في مصر / إلهامي الميرغني
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / د. جاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد المصري في نصف قرن.. منذ ثورة يوليو حتى نهاية الألفي ... / مجدى عبد الهادى
- الاقتصاد الإفريقي في سياق التنافس الدولي.. الواقع والآفاق / مجدى عبد الهادى
- الإشكالات التكوينية في برامج صندوق النقد المصرية.. قراءة اقت ... / مجدى عبد الهادى
- ثمن الاستبداد.. في الاقتصاد السياسي لانهيار الجنيه المصري / مجدى عبد الهادى
- تنمية الوعى الاقتصادى لطلاب مدارس التعليم الثانوى الفنى بمصر ... / محمد امين حسن عثمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - مجيد حسو مراد - ألمانيا بين المدفع والمصنع: هل ينهار نموذج التصدير تحت ثقل التسلّح والديون؟