أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مجيد حسو مراد - اتفاقية سنجار: أزمة التمثيل والعدالة الغائبة















المزيد.....


اتفاقية سنجار: أزمة التمثيل والعدالة الغائبة


مجيد حسو مراد
کاتب و خبير في العلاقات الدوليە-;-

(Dr. Magied Hasso Murad)


الحوار المتمدن-العدد: 8799 - 2026 / 8 / 16 - 19:11
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


مدخل:
حين تُصاغ التسوية بعيداً عن أصحاب القضية
ثمة اتفاقات تُبرم لإنهاء الأزمات وفتح الطريق أمام تسويات أكثر عدلاً واستقراراً، وثمة اتفاقات لا تفعل أكثر من إعادة ترتيب الأزمة ذاتها بلغة سياسية أكثر هدوءاً وأناقة. واتفاقية سنجار، الموقعة في التاسع من تشرين الأول/أكتوبر 2020 بين الحكومة الاتحادية العراقية وحكومة إقليم كردستان، بالتنسيق مع بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق، تثير منذ ولادتها سؤالاً أساسياً: هل جاءت بالفعل لمعالجة المأساة التي عاشها الإيزيديون، أم لإعادة تنظيم التوازنات السياسية والأمنية في منطقتهم من دون أن يكونوا طرفاً حقيقياً في صياغة مستقبلها؟
رحبت الأمم المتحدة بالاتفاق عند توقيعه ورأت فيه خطوة يمكن أن تساعد على عودة النازحين وتسريع الإعمار وتحسين الخدمات، لكنها عادت لاحقاً لتقر بأن التنفيذ تعثر، وأن منتقدي الاتفاق ظلوا يشددون على ضعف التشاور مع المجتمعات المحلية في سنجار.

جاء الاتفاق بعد ست سنوات من الإبادة الجماعية التي تعرض لها الإيزيديون على يد تنظيم داعش في آب/أغسطس 2014، وبعد أن تحولت سنجار من موطن لأهلها إلى ساحة تتقاطع فيها مصالح وقوى متعددة: الحكومة الاتحادية، وحكومة إقليم كردستان وقوات البيشمركة، وفصائل الحشد الشعبي، وحزب العمال الكردستاني والقوى المرتبطة به، فضلاً عن التدخل العسكري التركي المتكرر.

وكان الأولى، بعد كارثة بهذا الحجم، أن تبدأ أي تسوية من سؤال بسيط ولكنه حاسم: ماذا يريد أهل سنجار، وكيف يمكن ضمان ألا يتكرر ما حدث لهم؟
غير أن اتفاقية 2020 بدأت من مكان آخر. فقد تفاوضت بغداد وأربيل على الإدارة والأمن والإعمار، بينما بقي المجتمع الذي دفع الثمن الأكبر خارج موقع الشريك المتكافئ في صناعة القرار. ومن هنا تبدأ المشكلة الحقيقية في الاتفاق، وهي مشكلة لا تتعلق بتأخر التنفيذ فحسب، وإنما بالأساس السياسي والأخلاقي الذي قامت عليه التسوية نفسها.

اتفاق بثلاثة محاور... وغياب للمحور الأهم:
استندت اتفاقية سنجار إلى ثلاثة محاور رئيسية: الإدارة، والأمن، وإعادة الإعمار.
- إدارياً، نصت على اختيار قائممقام جديد للقضاء وفق معايير الاستقلالية والمهنية والنزاهة والمقبولية، وعلى معالجة المناصب الإدارية الأخرى من خلال لجنة مشتركة وبمراعاة البنية الاجتماعية للقضاء.
- وأمنياً، حددت الشرطة المحلية وجهاز الأمن الوطني وجهاز المخابرات باعتبارها الجهات الرسمية المسؤولة عن الأمن داخل القضاء، مع إخراج التشكيلات المسلحة الأخرى وإنهاء وجود حزب العمال الكردستاني والقوى التابعة له في سنجار ومحيطها. كما نصت على تعيين 2500 عنصر في قوات الأمن الداخلي، ألف منهم من السكان الموجودين في سنجار و1500 من نازحي القضاء الموجودين في المخيمات.
- أما في ملف الإعمار، فنص الاتفاق على تشكيل لجنة مشتركة بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان بالتنسيق مع محافظة نينوى لإعادة بناء القضاء وتهيئة الظروف اللازمة لعودة النازحين.

على الورق، تبدو هذه المحاور منطقية. فسنجار تحتاج إدارة مستقرة، وقوة أمنية رسمية، وإعماراً واسعاً يعيد الحياة إلى مدنها وقراها. لكن المشكلة ليست دائماً في العناوين، بل فيما يُترك خارجها.
فالاتفاق تحدث عن الإدارة، لكنه لم يمنح أصحاب الأرض دوراً تفاوضياً متكافئاً في تحديد شكلها. وتحدث عن الأمن، لكنه لم يعالج بصورة كافية أزمة الثقة بين الإيزيديين والقوى التي كانت مكلفة بحمايتهم عام 2014.
وتحدث عن الإعمار والعودة، لكنه أغفل ركناً لا يمكن أن تقوم عودة آمنة ومستدامة من دونه: وهو العدالة والمحاسبة.

وهذا الغياب ليس تفصيلاً ثانوياً، بل قد يكون أكبر عيوب الاتفاق كله.

أولاً: من يملك شرعية تقرير مستقبل سنجار؟
تكمن المفارقة الأولى في أن الطرفين اللذين تفاوضا على مستقبل سنجار بعد عام 2014 كانا جزءاً من المنظومة السياسية والأمنية القائمة حين وقعت الكارثة.
ففي الثالث من آب/أغسطس 2014، اجتاح تنظيم داعش سنجار وارتكب بحق الإيزيديين جرائم قتل جماعي وخطف واستعباد جنسي وتهجير قسري، وهي الجرائم التي وثقتها الأمم المتحدة باعتبارها إبادة جماعية. وتشير تقارير وشهادات موثقة إلى انسحاب قوات البيشمركة مع بداية الهجوم، في وقت وجد فيه السكان أنفسهم أمام خطر وجودي ومن دون الحماية التي كانوا يتوقعونها.
ولهذا فإن السؤال الذي لا يمكن تجاوزه هو: كيف يمكن للطرفين اللذين كانت لهما مسؤوليات سياسية وأمنية تجاه المنطقة أن يقررا، بعد ست سنوات، مستقبل إدارتها وأمنها من دون أن يجلس ممثلو الضحايا إلى الطاولة بصفتهم طرفاً كاملاً؟

ولا يمكن تبرير ذلك بعدم وجود تمثيل إيزيدي يمكن التعامل معه. فالإيزيديون كانوا ممثلين في مجلس النواب العراقي، وكانت هناك أحزاب وكيانات وشخصيات سياسية واجتماعية إيزيدية قادرة على المشاركة في التفاوض. وبالتالي، لم تكن المشكلة غياب من يمكن استشارته، وإنما أن الاتفاق اختار نموذجاً تفاوضياً ثنائياً بين بغداد وأربيل.
صحيح أن المجتمع الإيزيدي ليس كتلة سياسية واحدة، وأن داخله رؤى مختلفة تجاه بغداد وأربيل وحزب العمال الكردستاني والحشد الشعبي ومستقبل سنجار، لكن هذه التعددية لا تبرر استبعاده. على العكس، كان ينبغي أن تكون سبباً لإنشاء آلية تمثيل واسعة تسمح بإظهار هذه الآراء المختلفة داخل عملية التفاوض نفسها.
فالديمقراطية لا تعني البحث عن صوت إيزيدي واحد يتحدث نيابة عن الجميع، بل إعطاء المجتمع الإيزيدي مساحة حقيقية لتمثيل تعدديته ومصالحه داخل أي تسوية تمس مستقبله.

ثانياً: الأمن لا يُبنى بالأوامر وحدها، بل بالثقة يحمل الجانب الأمني من اتفاقية سنجار مفارقة أخرى. ففكرة أن تتولى قوات الدولة حماية المنطقة ليست في ذاتها موضع اعتراض. ومن الطبيعي، في دولة ذات سيادة، أن تكون الأجهزة الرسمية هي المسؤولة عن الأمن وحماية الحدود والسكان.
لكن سنجار ليست منطقة عادية يمكن التعامل معها وكأن عام 2014 لم يقع.

هناك ذاكرة جماعية لدى الإيزيديين تقول إن المؤسسات التي كان يفترض أن تحميهم لم تفعل ذلك في اللحظة التي احتاجوا فيها إلى الحماية. وفي المقابل، دخلت قوى مسلحة أخرى إلى المشهد وأسهم بعضها في قتال داعش وفتح ممرات أمام المحاصرين في جبل سنجار.
ومن هنا فإن مطالبة السكان بقبول إعادة ترتيب المشهد الأمني من دون معالجة هذه الذاكرة ومن دون بناء ضمانات جديدة لا تكفي لإنتاج الأمن، حتى لو كانت الترتيبات سليمة من الناحية الإدارية.

سؤال الأمن الجوهري:
السؤال الحقيقي ليس فقط، من يحمل السلاح في سنجار؟ بل: من يملك قرار استخدام هذه القوة؟ ومن يضمن بقاءها إذا تعرضت المنطقة لهجوم جديد؟ ومن يتحمل المسؤولية إذا صدر أمر آخر بالانسحاب في لحظة الخطر؟
إن تجنيد أبناء سنجار ضمن قوات رسمية يمكن أن يكون خطوة إيجابية، لكنه لا يكفي إذا ظل القرار الأمني بعيداً عن المجتمع المحلي ولم تقترن العملية بضمانات واضحة ومكتوبة تمنع تكرار الانهيار الذي وقع عام 2014.
كما أن إنهاء وجود القوى المسلحة غير الرسمية ينبغي ألا يتحول إلى عملية عسكرية جديدة تجعل الإيزيديين أنفسهم ميداناً لصراع بين الأطراف. لقد أظهرت التوترات والمواجهات التي شهدتها سنجار بعد الاتفاق مدى خطورة محاولة معالجة قضية بهذه الحساسية بمنطق القوة وحده.
لذلك فإن أي إعادة تنظيم أمني يجب أن تكون جزءاً من تسوية أشمل، تحدد بصورة لا لبس فيها مسؤوليات كل طرف، وتسلسل القيادة، وآليات التدخل في حالات الطوارئ، والضمانات التي تمنع الانسحاب الأحادي للقوات المكلفة بالحماية.

ثالثاً: لا عودة حقيقية إلى سنجار من دون عدالة
هنا نصل إلى ما أغفلته اتفاقية سنجار بصورة تكاد تكون كاملة: المساءلة عن أحداث عام 2014.
فلا يمكن أن تطلب من أسرة فقدت أبناءها، أو من امرأة تعرضت للسبي، أو من عائلة عاشت سنوات في النزوح، أن تعود إلى المكان نفسه لمجرد أن اتفاقاً سياسياً قرر تشكيل قوة أمنية جديدة أو تعيين قائممقام جديد.
فالخوف الذي يمنع الكثيرين من العودة ليس خوفاً من نقص الخدمات وحده، بل خوف من السؤال الذي ما زال بلا جواب: إذا تكرر الخطر، فهل سيتركون وحدهم مرة أخرى؟
ولا يمكن للدولة أن تجيب عن هذا السؤال بالوعود. الرد الأكثر إقناعاً هو أن تثبت، من خلال القضاء، أن التخلي عن السكان في لحظة الخطر لن يمر بلا تحقيق ولا محاسبة.
ولهذا ينبغي أن يكون أي تعديل لاتفاقية سنجار، أو أي اتفاق جديد يحل محلها، قائماً على ركن رابع مستقل هو العدالة والمساءلة.

ويبدأ ذلك بفتح تحقيق قضائي شامل ومستقل في كل ما جرى قبيل وأثناء سقوط سنجار في آب/أغسطس 2014، لا يقتصر على الجرائم التي ارتكبها تنظيم داعش، فهي جرائم واضحة وموثقة، بل يمتد أيضاً إلى أداء المؤسسات السياسية والعسكرية والأمنية التي كانت مسؤولة عن حماية المنطقة.
ويجب أن يحدد التحقيق، وفق الأدلة لا الاتهامات السياسية، من أصدر أوامر الانسحاب، وفي أي توقيت صدرت، وما الأساس العسكري أو السياسي الذي استندت إليه، وما إذا كانت هناك أوامر بترك مواقع الحماية قبل استنفاد إمكانات الدفاع، وما إذا مُنع المدنيون من الحصول على السلاح أو من الانسحاب في الوقت المناسب، ومن كان يمتلك المعلومات عن اقتراب داعش ولم يتخذ الإجراءات الضرورية لحماية السكان.
كما ينبغي التحقيق في مسؤولية القيادات السياسية والعسكرية والأمنية على مختلف المستويات، سواء في بغداد أو أربيل أو نينوى، وعدم حصر المسؤولية بالجنود أو الضباط الأدنى رتبة إذا أثبتت الأدلة أن قرارات الانسحاب أو الإهمال صدرت من مستويات أعلى.

المقصود هنا ليس إصدار أحكام سياسية مسبقة بحق أحد، ولا استخدام القضاء لتصفية الحسابات، بل العكس تماماً: نقل القضية من دائرة الاتهامات المتبادلة إلى دائرة الإثبات القضائي المستقل.
فمن تثبت براءته أمام القضاء تُصان سمعته، ومن تثبت مسؤوليته عن الإهمال الجسيم أو التقصير أو إصدار أوامر أدت إلى ترك السكان من دون حماية يجب أن يتحمل مسؤوليته القانونية، أياً كان منصبه أو انتماؤه السياسي أو العسكري.
ومن أجل ضمان استقلال هذه العملية، يمكن إنشاء محكمة أو هيئة قضائية اتحادية خاصة بقضايا سنجار بسنّ قانون اتحادي، تعمل ضمن منظومة السلطة القضائية العراقية وبقضاة مستقلين، وتُمنح الاختصاص بالنظر في المسؤوليات الجنائية والإدارية المرتبطة بانهيار منظومة الحماية عام 2014، إلى جانب الملفات المتصلة بالجرائم التي وقعت بحق السكان.

ويجب أن تكون هذه المحكمة محصنة من التدخل السياسي، وأن تخضع النصوص القانونية المنشئة لها للرقابة الدستورية التي تختص بها المحكمة الاتحادية العليا، مع ضمان طرق الطعن القضائي المقررة وفق بنية القضاء العراقي.
كما ينبغي أن تضم عملية التحقيق والاستماع القضائي شهادات الناجين والناجيات وأسر الضحايا والضباط والجنود والمسؤولين الذين كانوا في مواقع القرار يومها، مع حماية الشهود وحفظ الوثائق العسكرية والأوامر وسجلات الاتصالات التي يمكن أن تكشف تسلسل القرارات والمسؤوليات.

العدالة شرط للمصالحة: هذه ليست رغبة في الانتقام بل إنها شرط للمصالحة
فالمجتمع الذي لا يعرف لماذا تُرك لمصيره عام 2014، ومن اتخذ القرار، وما إذا كان أحد قد حوسب عليه، سيظل ينظر إلى أي قوة أمنية جديدة بعين الشك مهما تغير الزي أو اسم المؤسسة.
أما حين يرى أن الدولة حققت، وأن القضاء حاسب من تثبت مسؤوليته، وأن المؤسسة العسكرية نفسها استخلصت الدروس وغيرت قواعد عملها بحيث يصبح تكرار الانسحاب غير ممكن من دون مساءلة، فإن الثقة تبدأ بالعودة.
وحينها فقط يمكن مطالبة النازح بأن يعود إلى منزله وهو يشعر أن الدولة التي فشلت في حمايته مرة قد أصبحت دولة قادرة على حماية حقه ومحاسبة من يخذله.

رابعاً: إخراج حزب العمال الكردستاني والسؤال الذي بقي بلا جواب
تستند إحدى الحجج الأساسية المؤيدة لإنهاء وجود حزب العمال الكردستاني في سنجار إلى أن وجوده يجعل المنطقة ساحة للصراع بينه وبين تركيا ويعرضها للضربات الجوية التركية.
وهذه الحجة لا يمكن إنكار أساسها الواقعي؛ فقد تعرضت سنجار ومحيطها مراراً للاستهداف التركي في سياق العمليات ضد الحزب والقوى التي تعتبرها أنقرة مرتبطة به.
لكن ذلك لا يحل المعضلة الأساسية، فإن كان المطلوب إخراج الحزب، فمن يضمن حماية المنطقة بعد خروجه؟

لا تكفي الإجابة بأن الدولة ستتولى المسؤولية، لأن هذه الدولة نفسها كانت موجودة عام 2014، ولأن أزمة الإيزيديين ليست في غياب النصوص القانونية التي تقول إن الدولة مسؤولة عن حمايتهم، بل في التجربة التي أثبتت أن تلك الحماية قد تنهار عندما تصبح الحاجة إليها وجودية.
ولهذا فإن أي انسحاب ينبغي أن يقترن ببناء منظومة أمنية بديلة قبل حدوث الفراغ، لا بعده.
كما أن تجربة السنوات السابقة أظهرت أن وجود حزب العمال في سنجار لم يكن ثابتاً دائماً. فقد شهدت المنطقة إعلانات وتحركات باتجاه الانسحاب في مراحل مختلفة قبل اتفاق 2020، إلا أن غياب تسوية أمنية مستقرة وتواصل الصراع الإقليمي أعادا إنتاج حضوره ونفوذه.
المشكلة، إذاً، لا تختزل في وجود تنظيم معين، وإنما في الفراغ السياسي والأمني الذي يسمح للقوى المختلفة بالعودة كلما فشلت مؤسسات الدولة في بناء بديل يحظى بثقة السكان.

خامساً: السيادة لا يمكن أن تكون انتقائية
من نقاط الضعف الأخرى في اتفاقية سنجار أنها تعاملت بحزم مع وجود القوى المسلحة غير الرسمية داخل القضاء، لكنها لم تضع معالجة موازية للتدخل العسكري الخارجي.
فإذا كان إنهاء وجود أي قوة مسلحة خارج إطار الدولة ضرورة لحماية السيادة العراقية، فإن المنطق نفسه يقتضي أن تكون حماية المجال الجوي والأرض العراقية من العمليات العسكرية الخارجية جزءاً أصيلاً من أي ترتيبات أمنية لسنجار.
لا يمكن تعريف السيادة بطريقة تجعل وجود فصيل مسلح داخل الأراضي العراقية خرقاً يستوجب الإزالة، في حين يبقى قصف دولة أخرى للأرض ذاتها مسألة خارج الاتفاق.
وليس المقصود بذلك الدفاع عن حق حزب العمال الكردستاني في الوجود داخل سنجار إلى أجل غير مسمى، بل المطالبة بمعيار واحد للسيادة: لا سلاح خارج سلطة الدولة، ولا عمليات عسكرية لدولة أجنبية داخل الأراضي العراقية من دون سند قانوني وسيادي واضح.

وفي هذا السياق يبرز الدور التركي، تركيا تنظر إلى حزب العمال الكردستاني من زاوية أمنها القومي، ومن الطبيعي أن تتحرك دبلوماسياً لتحقيق مصالحها. لكن مصالح تركيا لا يمكن أن تصبح المرجعية التي يُبنى عليها مستقبل سنجار. فحين تُطالب أنقرة، عبر قنواتها الدبلوماسية ورعايتها الضمنية للاتفاق، بإخراج قوة قاتلت دفاعاً عن الأيزيديين، وقدمت عشرات الضحايا من اجلهم وفتحت الممرالأنساني الذي أدی الی انقاذ أرواح عشرات الاف من الأبرياء، فهنا يحقّ للأيزيديين أيضا التساؤل: أي مصداقية تحملها دولة لا تعترف أصلاً بمواطنيها الأيزيديين على أرضها؟ فتركيا التي شهدت وجوداً إيزيدياً تاريخياً يُقدَّر بعشرات الآلاف حتى ثمانينيات القرن الماضي، قبل أن تُفرغه موجات الهجرة القسرية إلى أوروبا، ما زالت حتى اليوم لا تدرج الديانة الأيزيدية ضمن الأديان المعترف بها رسمياً في سجلاتها المدنية، ولا تمنحها مكانة الأقلية الدينية المعترف بها بموجب الأطر القانونية التركية. فكيف يُنتظر من دولة تتنكّر لهوية مواطنيها الأيزيديين داخل حدودها أن تكون شريكاً أميناً في صون حقوق الأيزيديين خلف حدودها، في دولة جارة؟ إن من لا يعترف بالضحية في بيته، لا يُعقل أن يُؤتمن على الدفاع عنها في بيت جاره.
ومن هنا فإن أمن سنجار يجب ألا يكون نتيجة صفقة بين بغداد وأربيل وأنقرة، ولا بين أي ثلاث عواصم أخرى. المعيار الأول يجب أن يكون أمن سكان سنجار أنفسهم وسيادة العراق على أراضيه.

سادساً: تغيرت الظروف التي وُلد فيها اتفاق 2020
أحد الأسباب الإضافية التي تجعل مراجعة اتفاقية سنجار اليوم ضرورة سياسية هو أن البيئة الإقليمية التي أُبرمت فيها لم تعد هي نفسها.
ففي شباط/فبراير 2025 أطلق عبدالله أوجلان دعوته إلى حزب العمال الكردستاني لنزع السلاح وحل نفسه، وأعلن الحزب لاحقاً إنهاء كفاحه المسلح وحل بنيته التنظيمية، ودخل الملف الكردي ـ التركي مرحلة سياسية جديدة.
وفي 18 شباط/فبراير 2026 أقرت لجنة «التضامن الوطني والأخوة والديمقراطية» في البرلمان التركي تقريرها الذي وضع خريطة طريق لإجراءات قانونية وسياسية مرتبطة بنزع السلاح، بتأييد 47 عضواً مقابل عضوين وامتناع عضو واحد.

ثم جاء التحول الأكثر أهمية في العاشر من آب/أغسطس 2026، عندما أقر البرلمان التركي قانون «تعزيز التضامن الوطني والتماسك الاجتماعي» بأغلبية 468 صوتاً مقابل 88 وامتناع ستة نواب، واضعاً إطاراً قانونياً للتعامل مع نزع السلاح وإنهاء نشاط الحزب وإعادة دمج قطاعات من أعضائه، مع ربط بعض أحكام القانون بالتحقق الرسمي من اكتمال عملية نزع السلاح.
هذه التطورات تعني أن إحدى الفرضيات الأمنية الرئيسية التي بُني عليها اتفاق سنجار عام 2020 قد بدأت تتغير من أساسها.
فإذا كان وجود حزب العمال الكردستاني في سنجار يمثل أحد المبررات الرئيسية لإعادة هندسة الوضع الأمني في القضاء، فإن تحول الحزب نفسه ومسار نزع سلاحه يفرضان مراجعة الاتفاق، لا محاولة تطبيقه آلياً بعد ست سنوات وكأن شيئاً لم يتغير، بل إن اللحظة الحالية قد تشكل فرصة نادرة. فبدلاً من استخدام انتهاء الوجود المسلح للحزب ـ إذا اكتمل ـ للقول إن الطريق أصبح مفتوحاً لتنفيذ اتفاق 2020 كما هو، ينبغي استخدام هذا التحول لفتح ملف سنجار بكامله وإعادة صياغته على أسس جديدة.

نحو اتفاق جديد: أربعة أركان لا ثلاثة

إذا أُعيد فتح اتفاقية سنجار، سواء لتعديلها جذرياً أو لاستبدالها باتفاق جديد، فينبغي ألا تعاد الأخطاء ذاتها.
التسوية الجديدة يجب أن تقوم على أربعة أركان مترابطة:
1. إدارة شرعية يشارك الإيزيديون بصورة مباشرة ومؤثرة في تحديد شكلها واختيار مسؤوليها، مع احترام التنوع السياسي والاجتماعي داخل مجتمع سنجار.
2. أمن موثوق تتولاه مؤسسات الدولة مع مشاركة واسعة من أبناء المنطقة، ويقوم على سلسلة قيادة واضحة وضمانات تمنع تكرار الانسحاب أو ترك السكان في لحظة الخطر.
3. إعمار وعودة حقيقية لا تقتصر على البنى التحتية، بل تشمل البيوت والمدارس والمستشفيات وفرص العمل والتعويضات واستعادة الخدمات ومعالجة آثار النزوح.
4. وقبل كل شيء، عدالة ومحاسبة تكشف ما جرى عام 2014، وتحدد المسؤوليات، وتقدم كل من تثبت مسؤوليته ـ سواء بالتورط المباشر أو الإهمال الجسيم أو التقصير أو إصدار أوامر الانسحاب غير المبررة ـ إلى القضاء.

وهذه الأركان الأربعة لا يمكن فصل أحدها عن الآخر.
فالإعمار من دون أمن لن يعيد الناس. والأمن من دون ثقة لن يقنعهم بالعودة. والثقة من دون عدالة ستظل هشة. والعدالة من دون مشاركة الإيزيديين في تقرير مستقبلهم ستبقى ناقصة.

خاتمة: سنجار تحتاج عدالة قبل أن تحتاج اتفاقاً جديداً
لم تعد المشكلة في سنجار هي العثور على صياغة دبلوماسية جديدة ترضي بغداد وأربيل أو تحظى بترحيب إقليمي ودولي.
لقد جُربت الصياغات، ما تحتاجه سنجار هو استعادة العلاقة بين الإنسان الإيزيدي والدولة التي يفترض أنها تحميه. ولن تتحقق هذه العلاقة بإعادة تعيين قائممقام، ولا بتغيير أسماء الوحدات الأمنية، ولا بمجرد إخراج حزب أو فصيل من المنطقة. العودة الحقيقية تبدأ عندما يستطيع الإيزيدي أن يسأل الدولة: من تركني عام 2014؟ ولماذا؟ ومن حوسب؟ وما الذي تغير لكي لايحدث ذلك مرة أخرى؟
وإذا لم تستطع الدولة الإجابة عن هذه الأسئلة، فإن مطالبة الناس بالعودة ستظل مطالبة بالثقة من دون تقديم أسباب حقيقية للثقة.

لهذا، فإن المطلوب اليوم ليس الإسراع في تنفيذ اتفاقية سنجار لمجرد أنها موجودة منذ عام 2020، بل امتلاك الجرأة السياسية لمراجعة شرعيتها ومضمونها في ضوء ما حدث منذ توقيعها، وما تغير في العراق والمنطقة.
فإذا كان ممكناً إصلاحها جذرياً، ينبغي أن يتم ذلك بمشاركة الإيزيديين باعتبارهم طرفاً تفاوضياً أصيلاً. وإذا كان الخلل أعمق من أن يعالج بالتعديل، فالأجدى إلغاؤها وفتح مسار تفاوض جديد.
وفي الحالتين يجب أن يكون واضحاً منذ البداية أن لا اتفاق على سنجار من دون أهل سنجار، ولا مصالحة من دون حقيقة، ولا عودة آمنة من دون محاسبة.
فالقضية لم تعد فقط قضية من يحكم سنجار أو من يحمل السلاح فيها. إنها قضية ما إذا كان الإنسان الإيزيدي سيشعر، بعد كل ما جرى، بأن القانون والدولة يقفان هذه المرة إلى جانبه.
وأي اتفاق لا يجيب عن هذا السؤال، مهما كانت لغته جميلة ومهما وُصف بأنه «تاريخي»، سيظل ناقصاً. لأن سنجار لا تحتاج إلى اتفاق ينظم آثار الخذلان فحسب، بل إلى تسوية تضمن ألا يتكرر الخذلان مرة أخرى.



#مجيد_حسو_مراد (هاشتاغ)       Dr._Magied_Hasso_Murad#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من إنهاء السلاح إلى صناعة السلام: تركيا والقضية الكردية أمام ...
- المسألة الكردية في تركيا: من منطق الاحتواء إلى منطق المصلحة
- اتفاقية مكة للدفاع المشترك: تحالف ردعي أم بذرة استقطاب إقليم ...
- سنجار: ماهي سر الذاكرة التي لا تُقفل ؟
- الذاكرة بلا أثر: لماذا يتكرر الخطأ الكردي ؟
- حين تتصدّع الحدود: الهجرة الجماعية وامتحان المشروع الأوروبي
- نجاح مكافحة الفساد وحده کفيل لاستعادة ثقة المواطن بالائتمان ...
- مشروع البصرة – حديثة – بانياس تجنب التبعية الترکية وتضع إقلي ...


المزيد.....




- قتل طفلا في الخامسة وأحرق جثته.. الدرك الجزائري ينشر صورة ال ...
- الولايات المتحدة ترفع سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب و ...
- استطلاع: أكثر من نصف الإسرائيليين يخشون الإفصاح عن جنسيتهم ف ...
- تصعيد جديد في البحر الأحمر.. -الحوثيون- يعلنون استهداف ناقلة ...
- -حدث أمر لا يُصدّق-.. نتنياهو يتهم إيران بمحاولة اغتيال أحد ...
- بعد قرابة 5 عقود.. واشنطن ترفع سوريا من قائمة الدول الراعية ...
- إسرائيل تمنع نائبين سويديين في البرلمان الأوروبي من زيارة ال ...
- أرمينيا تستعد لتقديم طلب الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.. ومو ...
- الولايات المتحدة تجهز حملة تستهدف حوالي 200 ألف شخص
- موسكو تتهم لندن بالانخراط في حرب أوكرانيا


المزيد.....

- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مجيد حسو مراد - اتفاقية سنجار: أزمة التمثيل والعدالة الغائبة