أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - مجيد حسو مراد - اتفاقية مكة للدفاع المشترك: تحالف ردعي أم بذرة استقطاب إقليمي؟















المزيد.....

اتفاقية مكة للدفاع المشترك: تحالف ردعي أم بذرة استقطاب إقليمي؟


مجيد حسو مراد
کاتب و خبير في العلاقات الدوليە-;-

(Dr. Magied Hasso Murad)


الحوار المتمدن-العدد: 8791 - 2026 / 8 / 8 - 14:56
المحور: السياسة والعلاقات الدولية
    


مقدمة:
في السابع من أغسطس 2026، وفي قصر الصفا بمكة المكرمة، وقّع كل من ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف، على وثيقة أطلق عليها اسم اتفاقية مكة للدفاع المشترك، تنص على أن أي هجوم مسلح يستهدف إحدى الدول الثلاث يُعدّ هجوماً على الجميع. الحدث، الذي وُصف في عدد من التغطيات الغربية بأنه أقرب إلى ناتو مصغّر، لم يكن وليد اللحظة، بل جاء بعد مفاوضات امتدت لأشهر، بل لسنوات بحسب بعض المصادر الرسمية، في وقت تشهد فيه المنطقة تصاعداً ملحوظاً في مظاهر عدم الاستقرار.
يطرح هذا التحالف الثلاثي، الذي يجمع بين ثقل مالي خليجي، وقاعدة صناعية دفاعية تركية متقدمة، وقوة نووية وبشرية باكستانية، أسئلة جوهرية تتجاوز البيان الرسمي المقتضب: هل نحن أمام إعادة تشكيل حقيقية لمنظومة الأمن الإقليمي بمعزل عن المظلة الأمريكية التقليدية؟ أم أمام محطة جديدة في مسار استقطاب مذهبي وجيوسياسي قديم يعود إلى عقود من التوظيف الانتهازي للانقسامات الإقليمية من قبل القوى الكبرى؟ هذا المقال يحاول مقاربة هذه الأسئلة بأدوات تحليلية محايدة، بعيداً عن الحسم المسبق، وقريباً من فحص الوقائع المتاحة ومقارنتها بالسوابق التاريخية المشابهة.

أولاً: البنية التكاملية للتحالف الثلاثي
يقوم التحالف على منطق تكاملي واضح المعالم. فتركيا تدخل الشراكة بصفتها عضواً في حلف الناتو وقوة صناعية دفاعية صاعدة، تنتج منظومات طائرات مسيّرة قتالية باتت رائجة في أكثر من ساحة نزاع، إلى جانب مقاتلتها الوطنية قيد التطوير ودباباتها المحلية. أما باكستان، فتحضر بثقلها العسكري البشري الهائل، وبكونها الدولة الإسلامية الوحيدة الحائزة على السلاح النووي، وبترسانة صواريخ باليستية وكروز متطورة نسبياً، فضلاً عن خبرة تشغيلية وتدريبية طويلة اكتسبتها من عقود من النزاعات الإقليمية. في المقابل، تجلب السعودية الثقل المالي والاقتصادي الذي يتيح تمويل وتوطين هذه القدرات، إلى جانب مكانتها الدينية والسياسية في العالم الإسلامي.
هذا التكامل الوظيفي حقيقي على المستوى التقني، لكنه لا يترجم بالضرورة إلى تجانس استراتيجي. فتركيا عضو معاهد رسمياً في الناتو، وباكستان شريك أمني متذبذب لواشنطن توترت علاقتها بها مراراً، بينما تحافظ السعودية على شراكة استراتيجية غير معاهدة مع الولايات المتحدة. هذا التفاوت في طبيعة الالتزامات الخارجية لكل طرف يظل أحد أهم نقاط الضعف البنيوية الكامنة في هذا التحالف، ويطرح سؤالاً جوهرياً حول قدرته على اتخاذ قرار موحد عند أول اختبار حقيقي.

ثانياً: فرضية "الحلف الطائفي" بين التوظيف السياسي والدليل التجريبي
يذهب بعض المحللين إلى اعتبار هذا التحالف حلقة جديدة في مسار طويل من توظيف القوى الكبرى للانقسامات المذهبية في المنطقة، بدءاً من دعم تيارات إسلامية سنية في حقب سابقة، مروراً بالاصطفاف الدولي في الحرب العراقية الإيرانية، وصولاً إلى موجات لاحقة من التنظيمات المسلحة ذات المرجعية السنية. هذه القراءة تستحق فحصاً نقدياً منهجياً، لا رفضاً ولا تسليماً كاملاً.
من ناحية، فإن التجانس المذهبي بين الدول الثلاث الموقّعة واقع لا يمكن إنكاره، وتصريح الرئيس التركي بأن الباب مفتوح أمام "الدول الشقيقة" للانضمام قابل للتأويل كإشارة ضمنية لتوسّع سني الطابع. من ناحية أخرى، فإن النص الرسمي للاتفاقية خالٍ تماماً من أي إشارة إلى إيران أو إلى بُعد مذهبي، وصياغته عامة تتحدث عن "ردع أي عدوان" دون تحديد مصدره. كما أن ربط هذه الاتفاقية بسلسلة أحداث تاريخية متباعدة زمنياً وسياقياً، تغيرت خلالها مواقف اللاعبين الدوليين أنفسهم أكثر من مرة، يتطلب سلسلة سببية طويلة يصعب إثباتها بالأدلة المتاحة. الأرجح تحليلياً أن الاتفاقية تعكس واقعاً جيوسياسياً قائماً أصلاً (التقارب بين موقعين ذوي أغلبية سنية) أكثر مما تُنشئ مشروعاً طائفياً مقصوداً بذاته؛ غير أن هذا لا يمنع أن تُقرأ إقليمياً، وبصرف النظر عن نواياها المعلنة، كخطوة تُخِلّ بميزان القوى مع إيران وحلفائها.
في السياق ذاته، يُلاحظ أن الخطاب الإقليمي السائد حول متلاك السلاح النووي المسموح للسنة والممنوع على الشيعة يتجاهل حقيقة أن باكستان نفسها واجهت عقوبات دولية صارمة عقب تجاربها النووية عام 1998، وأن معارضة برنامج إيران النووي دولياً ترتكز رسمياً على معايير الالتزام بمعاهدة حظر الانتشار النووي وسلوك الدولة، لا على معيار مذهبي معلن، حتى وإن بدت النتائج العملية لهذه المعايير غير متكافئة على أرض الواقع.

ثالثاً: لغز الغياب المصري
من أكثر عناصر هذا الحدث دلالة هو غياب مصر عن قائمة الموقّعين، رغم أنها شاركت في الأشهر السابقة في مسار رباعي مع الدول الثلاث بشأن ملفات إقليمية حساسة، وعلى رأسها التوتر الأمريكي الإيراني وأمن المنطقة. حتى لحظة كتابة هذه السطور، لم تصدر القاهرة أي تعليق رسمي على الاتفاقية، وهو صمت له دلالته الخاصة في القراءة الدبلوماسية.
الأسباب المرجّحة لهذا الغياب، وإن ظلت في حيز التحليل لا التأكيد الرسمي، تتصل بحساسية مصر التاريخية تجاه أي التزام دفاعي جماعي قد يُقحمها في مواجهة مباشرة مع إسرائيل أو إيران دون تحكم كامل بشروط هذا الالتزام، إضافة إلى تفضيلها البنيوي للتحالفات الثنائية المرنة على الالتزامات الجماعية الملزمة. كما لا يمكن إغفال إرث التوتر التاريخي بين القاهرة وأنقرة حول ملفي الإخوان المسلمين وسوريا، والذي قد يجعل من انضمام مصري مباشر خطوة سابقة لأوانها. بقاء الباب "مفتوحاً" بحسب التصريح التركي، دون تفاصيل، يُبقي هذا الملف مرشحاً للتطور، لا مغلقاً نهائياً.

رابعاً: تركيا بين التزامين متوازيين
يستحق موقع تركيا معالجة خاصة، بوصفها العضو الوحيد في هذا التحالف الذي يحمل في الوقت ذاته عضوية رسمية في حلف الناتو. من الناحية القانونية البحتة، فإن المادة الخامسة من ميثاق الناتو تُفعَّل حصراً في حال تعرضت الأراضي التركية نفسها لهجوم مسلح، وليس في حال دخلت تركيا نزاعاً بصفتها طرفاً فاعلاً بموجب التزام خارج إطار الحلف الأطلسي، كاتفاقية مكة. أضف إلى ذلك أن آلية تفعيل المادة الخامسة نفسها مرنة وغير تلقائية، إذ تترك لكل عضو تقدير طبيعة الإجراء الذي يراه ضرورياً. هذا يعني أن انخراط تركيا في نزاع تحت مظلة اتفاقية مكة لا يُلزم الناتو تلقائياً بالتدخل، وهو ما قد يضع أنقرة أمام معضلة ازدواج الولاء التحالفي عند أول اختبار فعلي، ويثير تساؤلات مشروعة حول موقعها المستقبلي داخل المنظومة الأطلسية.

خامساً: دروس من السوابق التاريخية
ليست هذه المحاولة الأولى لبناء إطار دفاعي إقليمي جماعي في العالم الإسلامي. فالتحالف الإسلامي العسكري لمكافحة الإرهاب الذي أُطلق بقيادة سعودية عام 2015، ومجلس التعاون الخليجي كإطار أمني جماعي أقدم، واجها صعوبات بنيوية متكررة حالت دون تحولهما إلى أداة ردع فعلية عند الأزمات الحقيقية، وأبرزها تفاوت الأولويات الوطنية بين الأعضاء، وغياب آلية قيادة وقرار موحدة، واعتماد بعض الأطراف على مظلات أمنية خارجية متنافسة. أزمة قطر عام 2017 كشفت هذه الهشاشة بوضوح داخل مجلس التعاون الخليجي نفسه.
مصير اتفاقية مكة، تجريبياً، سيتحدد بثلاثة معايير أساسية: مدى قدرتها على استحداث آلية قيادة وقرار موحدة تُختبر عند أزمة فعلية لا افتراضية؛ ومدى استقلالية قرارها الجماعي عن الضغوط الأمريكية التي قد تتباين بين الأعضاء أنفسهم؛ وقدرة الأطراف الثلاثة على احتواء خلافاتها الثنائية التاريخية، وعلى رأسها التوتر التركي السعودي المتقطع حول الملفين السوري والإخواني.

خلاصة:
اتفاقية مكة للدفاع المشترك تمثل، في جوهرها التقني، محاولة جادة لبناء منظومة ردع إقليمية تكاملية تجمع بين المال والصناعة الدفاعية والقوة النووية والبشرية، في سياق إقليمي يتسم بتراجع نسبي في الرغبة الأمريكية بالانخراط المباشر. غير أن هذا الجوهر التقني لا ينفصل عن سياق سياسي ومذهبي أوسع، يجعل من الصعب فصل الاتفاقية تماماً عن قراءات الاستقطاب الإقليمي، حتى وإن ظلت هذه القراءات في حيز التأويل السياسي أكثر منها في حيز الإثبات الوثائقي.

الأسئلة الحاسمة التي ستحدد مسار هذا التحالف لن تُجاب عليها البيانات الرسمية، بل الممارسة الفعلية عند أول أزمة إقليمية جدية: هل سيصمد التكامل الوظيفي بين الأعضاء الثلاثة أمام اختلاف مصالحهم الاستراتيجية؟ وهل ستنضم إليه دول سنية أخرى بما يُرسّخ قراءته كتكتل مذهبي، أم سيبقى محصوراً في إطاره الثلاثي الحالي كترتيب أمني براغماتي؟ وكيف ستُدار العلاقة المزدوجة لتركيا مع الناتو من جهة ومع هذا التحالف الجديد من جهة أخرى؟ الإجابات عن هذه الأسئلة لا تزال، في هذه المرحلة المبكرة، رهينة التطورات المقبلة أكثر منها نتاج تحليل مسبق حاسم، وهو ما يفرض على المراقب السياسي حذراً منهجياً في الحكم على مآلات هذا التحالف قبل أن يخضع لاختباره الأول على أرض الواقع.



#مجيد_حسو_مراد (هاشتاغ)       Dr._Magied_Hasso_Murad#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سنجار: ماهي سر الذاكرة التي لا تُقفل ؟
- الذاكرة بلا أثر: لماذا يتكرر الخطأ الكردي ؟
- حين تتصدّع الحدود: الهجرة الجماعية وامتحان المشروع الأوروبي
- نجاح مكافحة الفساد وحده کفيل لاستعادة ثقة المواطن بالائتمان ...
- مشروع البصرة – حديثة – بانياس تجنب التبعية الترکية وتضع إقلي ...


المزيد.....




- فيديو يُظهر مراهقاً متهماً بإطلاق النار في مدرسة بتايلاند وم ...
- بين -الكوتور- والحرفية.. العرائس الثريات يرسمْن مستقبل الموض ...
- -من دون ملابس-.. مطعم يُتيح لزبائنه تجربة تناول الطعام عراة ...
- تعليق إيراني جديد على اتفاق الدفاع المشترك بين السعودية وباك ...
- المبعوث الأممي: اليمن يواجه أكبر خطر لتجدد الصراع منذ هدنة 2 ...
- صحيفة ألمانية: مبادرة غربية لنقل الأصول الروسية المجمدة من - ...
- الحرس الثوري: إقرار الإعلام الأجنبي بهزيمة ترامب نتيجة لجهود ...
- قراء -ديلي ميل- يسخرون من تحذيرات أمريكية بشأن هجوم روسي محت ...
- مقتل عنصر من الجيش السوري وإصابة اثنين بهجوم في ريف دير الزو ...
- إعلام إيراني: اندلاع حريق في سفينة أخرى بمضيق هرمز


المزيد.....

- النظام الإقليمي العربي المعاصر أمام تحديات الانكشاف والسقوط / محمد مراد
- افتتاحية مؤتمر المشترك الثقافي بين مصر والعراق: الذات الحضار ... / حاتم الجوهرى
- الجغرافيا السياسية لإدارة بايدن / مرزوق الحلالي
- أزمة الطاقة العالمية والحرب الأوكرانية.. دراسة في سياق الصرا ... / مجدى عبد الهادى
- الاداة الاقتصادية للولايات الامتحدة تجاه افريقيا في القرن ال ... / ياسر سعد السلوم
- التّعاون وضبط النفس  من أجلِ سياسةٍ أمنيّة ألمانيّة أوروبيّة ... / حامد فضل الله
- إثيوبيا انطلاقة جديدة: سيناريوات التنمية والمصالح الأجنبية / حامد فضل الله
- دور الاتحاد الأوروبي في تحقيق التعاون الدولي والإقليمي في ظل ... / بشار سلوت
- أثر العولمة على الاقتصاد في دول العالم الثالث / الاء ناصر باكير
- اطروحة جدلية التدخل والسيادة في عصر الامن المعولم / علاء هادي الحطاب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - مجيد حسو مراد - اتفاقية مكة للدفاع المشترك: تحالف ردعي أم بذرة استقطاب إقليمي؟