أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - مجيد حسو مراد - سياسة الكيل بمكيالين: واشنطن والنفط الروسي بين العقوبة والاستثناء














المزيد.....

سياسة الكيل بمكيالين: واشنطن والنفط الروسي بين العقوبة والاستثناء


مجيد حسو مراد
کاتب و خبير في العلاقات الدولية

(Dr. Magied Hasso Murad)


الحوار المتمدن-العدد: 8854 - 2026 / 10 / 10 - 07:59
المحور: السياسة والعلاقات الدولية
    


لم تمضِ ثلاثة أسابيع على توقيع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قانون العقوبات الأشد على روسيا، حتى أعلن في التاسع من أكتوبر اتفاقًا مع الرئيس فلاديمير بوتين يفتح الباب أمام ثلاثة ملايين طن من الديزل الروسي نحو السوقين الأمريكية والعالمية، مع تعليق مؤقت للعقوبات المفروضة على هذا الوقود. هذه المفارقة ليست زلة سياسية عابرة، بل تكشف منطقًا أعمق في إدارة العقوبات الأمريكية، حيث تُفرض العقوبة على الآخرين بصرامة، ويُمنح الاستثناء حين تمسّ الكلفة الداخل الأمريكي. ومن هنا يصبح السؤال المشروع ليس عن جدوى العقوبات على روسيا، بل عن معيارها: من يدفع ثمنها، ومن يملك حق الإعفاء منها؟

لفهم القرار لا بد من العودة إلى سوق الديزل نفسه. فقد ارتفعت أسعاره بنحو سبعين في المئة منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وتجاوز سعر الغالون في الولايات المتحدة ست دولارات للمرة الأولى. والديزل ليس وقودًا عاديًا، فهو يحرّك الشاحنات والقطارات والآلات الزراعية، وارتفاعه ينتقل سريعًا إلى أسعار الغذاء والنقل. وفي الوقت ذاته أدت الضربات الأوكرانية على المصافي الروسية إلى تراجع الإنتاج، فحظرت موسكو تصدير الديزل لتأمين سوقها المحلية. أمام هذا الضيق في العرض، ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في الثالث من نوفمبر، تحوّل سعر الوقود إلى ملف انتخابي بامتياز، ولم يُخفِ ترامب ذلك حين قدّم الصفقة بوصفها خفضًا للأسعار لصالح المزارعين وسائقي الشاحنات.

غير أن المشكلة لا تكمن في رغبة واشنطن في خفض الأسعار، بل في الطريقة الانتقائية التي تُدار بها الاستثناءات. فقانون العقوبات الجديد يخوّل الرئيس فرض رسوم جمركية تصل إلى مئة في المئة على الدول التي تشتري الطاقة الروسية، وهو تهديد موجّه أساسًا إلى الهند والصين. وفي المقابل اضطرت دولة فقيرة مثل بنغلاديش إلى مفاوضات دبلوماسية للحصول على إعفاء محدود بستين يومًا لاستيراد الديزل الروسي، رغم حاجتها الملحّة إليه. أي أن الدول المستوردة تستأذن، بينما تمنح واشنطن الاستثناء لنفسها بقرار رئاسي. وقد تكرّر هذا النمط طوال العام، فمُنحت إعفاءات للنفط الروسي في مارس وأبريل رغم تعهد وزير الخزانة بعدم تمديدها، ثم انتهت في مايو، لتعود اليوم بصيغة أوسع.

ويتضح الكيل بمكيالين أكثر حين ننظر إلى توزيع الكلفة. فقبل أسبوع واحد من الصفقة، هددت الإدارة الأمريكية ألمانيا وفرنسا بحظر صادرات الديزل الأمريكي إن لم تسحبا من مخزوناتهما الاستراتيجية، وانتهى الأمر بإطلاق منسّق لمئة مليون برميل. وأوروبا هي نفسها التي حظرت الديزل الروسي على نفسها منذ عام 2023 التزامًا بالموقف الغربي. أما أوكرانيا فقد طولبت منها مرارًا بوقف ضرب المصافي الروسية، وهي ورقتها الاقتصادية الأقوى، دون أن يُطلب من موسكو بالمثل وقف استهداف منشآت الطاقة الأوكرانية. لذلك لم يكن مستغربًا أن يصف الرئيس زيلينسكي الاتفاق بأنه استثمار في حرب يجب إنهاؤها لا إطالة أمدها.

سياسيًا يحمل القرار دلالة أخطر من أثره الاقتصادي. فالعقوبات تفقد فعاليتها حين تتحول من أداة ضغط ثابتة إلى ورقة تفاوض قابلة للتعليق. وقد التقطت موسكو الرسالة سريعًا، فقدّم الكرملين المكالمة على أنها تعاون يخدم الاقتصاد العالمي، وأشار إلى أنها تناولت أيضًا أوكرانيا وإيران، ما يوحي بأن الديزل قد يكون مدخلًا لمقايضة أوسع. كما يُضعف القرار حجة واشنطن أمام الهند والصين حين تطالبهما بوقف الشراء، إذ يصعب إقناع الآخرين بالتزام لا يلتزم به صاحبه.

في المحصلة لا يمكن قراءة صفقة الديزل بمعزل عن سلسلة القرارات التي سبقتها. فكلفة الحرب على إيران وُزّعت على أطراف لم تشارك في قرارها: أوكرانيا طُلب منها التخلي عن أداتها العسكرية، وأوروبا طُلب منها استنزاف احتياطتها، والدول الفقيرة طُلب منها الاستئذان. وفي النهاية عادت إلى موسكو عائدات كانت العقوبات تهدف أصلًا إلى قطعها. ثم ما الضير من إيجاد مخرج مع إيران، ولو كان مؤقتًا، يهدّئ الأسواق العالمية ولو لحين؟ فمعالجة أصل الأزمة أقل كلفة من توزيع أعبائها على الحلفاء والخصوم معًا. إن نظام عقوبات يُطبَّق بصرامة على الضعفاء ويُعلَّق عند أول ضغط انتخابي داخلي يفقد شرعيته الأخلاقية قبل فعاليته الاقتصادية. والدرس الأهم للعالم العربي والدول النامية أن العقوبات الأمريكية ليست قانونًا دوليًا محايدًا، بل امتياز سيادي يُمنح ويُسحب وفق مصلحة من يملكه.



#د._مجيد_حسو_مراد (هاشتاغ)       Dr._Magied_Hasso_Murad#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من بروكسل إلى نيويورك: الكرد يبحثون عن مقعد في المنظمة الدول ...
- المنبر والشرعية: قراءة في أزمة النظام الأممي
- القضية الكردية من السلاح إلى الذوبان
- من يحتاج من أكثر؟ الخليج يعيد رسم علاقته الاقتصادية بألمانيا
- سنجار بين إلقاء سلاح الفصائل و الاعتراف الرمزي
- صعود اليمين المتطرف في ألمانيا: حين يتحوّل الهامش إلى مركز
- الربيع العربي: من كسر الخوف إلى الخوف من الفراغ
- المسيّرات فوق ألمانيا بين حرب هجينة فعلية وخوف مُسيَّس
- طهران ضعيفة، لا طهران ساقطة
- اتفاقية سنجار: أزمة التمثيل والعدالة الغائبة
- من إنهاء السلاح إلى صناعة السلام: تركيا والقضية الكردية أمام ...
- المسألة الكردية في تركيا: من منطق الاحتواء إلى منطق المصلحة
- اتفاقية مكة للدفاع المشترك: تحالف ردعي أم بذرة استقطاب إقليم ...
- سنجار: ماهي سر الذاكرة التي لا تُقفل ؟
- الذاكرة بلا أثر: لماذا يتكرر الخطأ الكردي ؟
- حين تتصدّع الحدود: الهجرة الجماعية وامتحان المشروع الأوروبي
- نجاح مكافحة الفساد وحده کفيل لاستعادة ثقة المواطن بالائتمان ...
- مشروع البصرة – حديثة – بانياس تجنب التبعية الترکية وتضع إقلي ...


المزيد.....




- -حان وقت دفع الإيجار-.. ممداني يعلق على انتقادات الأمريكيين ...
- رحلة حول العالم من دون طائرات.. ألماني يسعى للحد من بصمته ال ...
- الحرس الثوري يعلن اندلاع حريق في ناقلتي نفط وقاطرة بحرية في ...
- إحباط تهريب آلاف العناكب من بيرو إلى ألمانيا
- مدفيديف: خسارة ترامب لن تؤثر على روسيا
- السيد فيتو.. هل أصبح ترامب بلا سلطة؟
- انتخابات الكونغرس ستغير بوصلة واشنطن
- الديمقراطيون يضمنون أغلبية مجلس النواب بـ242 مقعدا مؤكدا
- غزة.. مقتل فلسطيني بضربة إسرائيلية
- إيران تسقط 55 مسيّرة أمريكية (Reaper) منذ بدء الحرب


المزيد.....

- النظام الإقليمي العربي المعاصر أمام تحديات الانكشاف والسقوط / محمد مراد
- افتتاحية مؤتمر المشترك الثقافي بين مصر والعراق: الذات الحضار ... / حاتم الجوهرى
- الجغرافيا السياسية لإدارة بايدن / مرزوق الحلالي
- أزمة الطاقة العالمية والحرب الأوكرانية.. دراسة في سياق الصرا ... / مجدى عبد الهادى
- الاداة الاقتصادية للولايات الامتحدة تجاه افريقيا في القرن ال ... / ياسر سعد السلوم
- التّعاون وضبط النفس  من أجلِ سياسةٍ أمنيّة ألمانيّة أوروبيّة ... / حامد فضل الله
- إثيوبيا انطلاقة جديدة: سيناريوات التنمية والمصالح الأجنبية / حامد فضل الله
- دور الاتحاد الأوروبي في تحقيق التعاون الدولي والإقليمي في ظل ... / بشار سلوت
- أثر العولمة على الاقتصاد في دول العالم الثالث / الاء ناصر باكير
- اطروحة جدلية التدخل والسيادة في عصر الامن المعولم / علاء هادي الحطاب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - مجيد حسو مراد - سياسة الكيل بمكيالين: واشنطن والنفط الروسي بين العقوبة والاستثناء