أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - مجيد حسو مراد - من يحتاج من أكثر؟ الخليج يعيد رسم علاقته الاقتصادية بألمانيا














المزيد.....

من يحتاج من أكثر؟ الخليج يعيد رسم علاقته الاقتصادية بألمانيا


مجيد حسو مراد
کاتب و خبير في العلاقات الدولية

(Dr. Magied Hasso Murad)


الحوار المتمدن-العدد: 8827 - 2026 / 9 / 13 - 21:06
المحور: الادارة و الاقتصاد
    


في العاشر من سبتمبر الماضي، وقف الشيخ محمد بن زايد آل نهيان في برلين، وأعلن عن حزمة استثمارات إماراتية جديدة في ألمانيا بقيمة أربعين مليار يورو، لترتفع بذلك محفظة أبوظبي في الاقتصاد الألماني إلى نحو أربعة وسبعين مليار يورو. رقم كبير بما يكفي ليتصدر عناوين الصحف، لكنه في الحقيقة أصغر من أن يُفهم بمعزل عن سياق أوسع يستحق أن نتوقف عنده بهدوء، بعيداً عن لغة الأرقام الجافة التي تُغرق القارئ العادي وتُبعده عن جوهر القصة.

فالقصة، في أساسها، ليست عن كرم إماراتي ولا عن ضائقة ألمانية، بل عن دولتين تحتاج كل منهما الأخرى، وإن بدرجات مختلفة وبأدوات مختلفة تماماً. ألمانيا، أكبر اقتصاد في أوروبا، تخرج بصعوبة من ثلاث سنوات عجاف لم تشهد فيها نمواً يُذكر، وهي الدولة الوحيدة بين أعضاء مجموعة السبع الصناعية التي بقيت على هذا الحال منذ 2022. صحيح أن مؤشرات الأشهر الأخيرة أظهرت بارقة أمل، وأن الثقة بدأت تعود إلى المستهلكين والمصانع، لكن هذا التعافي الهش يحتاج وقوداً حقيقياً: رأس مال يضخ في الصناعة والتكنولوجيا، وطاقة تُبقي المصانع تعمل بعد أن فقدت برلين مصدرها الرئيسي للغاز حين تراجعت الإمدادات الروسية.

وهنا بالضبط يدخل الخليج، لكن كل دولة منه تحمل مفتاحاً مختلفاً. الإمارات تلعب بورقة المال السائل والاستعراض السياسي معاً؛ فحزمتها الجديدة لا تأتي كصفقة تجارية عادية، بل كإعلان مدروس التوقيت، يرافقه بناء مجلس استثماري مشترك، وحفل استقبال رسمي رفيع، في وقت تتصاعد فيه انتقادات دولية لدور أبوظبي المزعوم في دعم أطراف الحرب بالسودان. منظمات حقوقية دولية، وحتى مؤسسة بحثية ألمانية رسمية، طالبت الحكومة الألمانية بمواجهة هذا الملف علناً خلال الزيارة، لكن ذلك لم يحدث، ولم يُعقد حتى مؤتمر صحفي مشترك بين المستشار الألماني وضيفه. المال، في لحظات كهذه، يشتري أكثر من مجرد عائد استثماري؛ إنه يشتري صمتاً مريحاً، أو على الأقل تأجيلاً للمواجهة.

أما قطر، فتسلك طريقاً أكثر هدوءاً وأقل ضجيجاً، لكنه ربما أعمق أثراً على المدى الطويل. فمنذ عام 2022 وقّعت الدوحة مع شركة أمريكية عقداً يمتد خمسة عشر عاماً لتزويد ألمانيا بالغاز الطبيعي المسال، عقد بدأ تنفيذه فعلياً هذا العام، ليجعل قطر شريان طاقة لا غنى عنه لأكبر سوق غاز في أوروبا. هذا النوع من النفوذ لا يُقاس بحجم الاستثمار المعلن في مؤتمر صحفي، بل بحقيقة أن مصانع ألمانية بأكملها قد تتوقف لو انقطع هذا الإمداد. وإلى جانب الغاز، يملك جهاز قطر للاستثمار حصصاً تاريخية في عمالقة الصناعة الألمانية أنفسهم، مثل فولكس فاجن وبورشه ودويتشه بنك، وهي حصص بُنيت بصبر على مدى سنوات طويلة، لا في زيارة واحدة صاخبة.

والسعودية، رغم ثقلها الاقتصادي الهائل ونموها اللافت في جذب الاستثمارات عالمياً، ما تزال بعيدة نسبياً عن هذا المشهد الألماني تحديداً؛ فاستثماراتها المباشرة هناك ضئيلة مقارنة بجارتيها الخليجيتين، ربما لأن اهتمامها منصرف أكثر إلى مشاريعها الداخلية الضخمة، أو لأن علاقتها مع أوروبا لا تزال تحمل حساسية سياسية لم تُطوَ صفحتها بعد.

والمفارقة التي يغفل عنها كثيرون حين يتحدثون عن "استثمارات الخليج الضخمة في ألمانيا" هي أن الميزان التجاري التقليدي بين الطرفين لا يميل إطلاقاً لصالح الخليج، بل العكس تماماً. فالإمارات، على سبيل المثال، تستورد من ألمانيا أضعافاً مضاعفة مما تصدّره إليها؛ السيارات والآلات والمعدات الألمانية تغرق السوق الإماراتية، بينما الصادرات الإماراتية غير النفطية إلى ألمانيا تبقى متواضعة جداً بالمقارنة. بمعنى آخر، ألمانيا تربح في التجارة التقليدية بوضوح لا لبس فيه، لكنها تحتاج إلى ما لا تستطيع التجارة وحدها أن توفره: رأس مال يعيد تنشيط اقتصادها، وطاقة تضمن استمرار عجلتها الصناعية.

هذا بالضبط ما يجعل العلاقة أعقد من أن تُختزل في عنوان واحد. فألمانيا ليست ضحية، وليست في موقع الطالب الوحيد؛ هي شريك قوي تجارياً يحتاج، في هذه اللحظة بالذات، أوراقاً لا يملكها بنفس القدر: المال السيادي الخليجي، والغاز القطري. والخليج، من جانبه، ليس مجرد مصدر ثروة يبحث عن مكان يستثمر فيه فائضه؛ هو أيضاً طرف يوظف هذه الثروة، بوعي أو من دونه، لشراء موقع سياسي ودبلوماسي يصعب الحصول عليه بالوسائل التقليدية وحدها.

وربما يكمن الدرس الأهم هنا في أن قوة أي طرف في هذه العلاقة لا تُقاس بميزانه التجاري وحده، بل بما يملكه من أوراق موازية، مالية كانت أم طاقوية أم سياسية. وهذا، في نهاية المطاف، هو ما يفسر لماذا يستطيع بلد كالإمارات أن يفتح أبواب برلين على مصراعيها في اللحظة نفسها التي تتصاعد فيها التساؤلات حول سجله في ملفات إنسانية شائكة كالسودان؛ فالمصلحة، حين تكون كبيرة بما يكفي، غالباً ما تتقدم على المبدأ، في برلين كما في أي عاصمة أخرى.



#د._مجيد_حسو_مراد (هاشتاغ)       Dr._Magied_Hasso_Murad#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سنجار بين إلقاء سلاح الفصائل و الاعتراف الرمزي
- صعود اليمين المتطرف في ألمانيا: حين يتحوّل الهامش إلى مركز
- الربيع العربي: من كسر الخوف إلى الخوف من الفراغ
- المسيّرات فوق ألمانيا بين حرب هجينة فعلية وخوف مُسيَّس
- طهران ضعيفة، لا طهران ساقطة
- اتفاقية سنجار: أزمة التمثيل والعدالة الغائبة
- من إنهاء السلاح إلى صناعة السلام: تركيا والقضية الكردية أمام ...
- المسألة الكردية في تركيا: من منطق الاحتواء إلى منطق المصلحة
- اتفاقية مكة للدفاع المشترك: تحالف ردعي أم بذرة استقطاب إقليم ...
- سنجار: ماهي سر الذاكرة التي لا تُقفل ؟
- الذاكرة بلا أثر: لماذا يتكرر الخطأ الكردي ؟
- حين تتصدّع الحدود: الهجرة الجماعية وامتحان المشروع الأوروبي
- نجاح مكافحة الفساد وحده کفيل لاستعادة ثقة المواطن بالائتمان ...
- مشروع البصرة – حديثة – بانياس تجنب التبعية الترکية وتضع إقلي ...


المزيد.....




- الارتباط الاقتصادي بين ألمانيا والصين .. ضرورة أم مخاطرة؟
- تداولات البورصات الخليجية بلغت 618 مليار دولار في 2025
- مصر والهند تستهدفان رفع تبادلهما التجاري إلى 12 مليار دولار ...
- من ملعب الغولف.. ترامب يعلن اعتزامه إعفاء الويسكي الإيرلندي ...
- تجارة الإمارات غير النفطية مع دول بريكس تتجاوز 312 مليار دول ...
- إنتاج المصافي في سلطنة عُمان يسجل أكثر من 129 مليون برميل في ...
- سوريا توقع اتفاقية لإنشاء كابل بحري مع قبرص بسعة تصل إلى 370 ...
- توقف خط أنابيب شرق-غرب السعودي يهدد إمدادات النفط العالمية
- سمكتك الذهبية الأليفة قد تتحول إلى -وحش- يدمر البحيرات
- مسيّرات الغرب في قبضة معادن الصين


المزيد.....

- الاقتصاد السوري: من احتكار الدولة إلى احتكار النخب تحولات هي ... / سالان مصطفى
- دولة المستثمرين ورجال الأعمال في مصر / إلهامي الميرغني
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / د. جاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد المصري في نصف قرن.. منذ ثورة يوليو حتى نهاية الألفي ... / مجدى عبد الهادى
- الاقتصاد الإفريقي في سياق التنافس الدولي.. الواقع والآفاق / مجدى عبد الهادى
- الإشكالات التكوينية في برامج صندوق النقد المصرية.. قراءة اقت ... / مجدى عبد الهادى
- ثمن الاستبداد.. في الاقتصاد السياسي لانهيار الجنيه المصري / مجدى عبد الهادى
- تنمية الوعى الاقتصادى لطلاب مدارس التعليم الثانوى الفنى بمصر ... / محمد امين حسن عثمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - مجيد حسو مراد - من يحتاج من أكثر؟ الخليج يعيد رسم علاقته الاقتصادية بألمانيا