أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مجيد حسو مراد - صعود اليمين المتطرف في ألمانيا: حين يتحوّل الهامش إلى مركز















المزيد.....

صعود اليمين المتطرف في ألمانيا: حين يتحوّل الهامش إلى مركز


مجيد حسو مراد
کاتب و خبير في العلاقات الدوليە-;-

(Dr. Magied Hasso Murad)


الحوار المتمدن-العدد: 8821 - 2026 / 9 / 7 - 14:41
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ثمة لحظات في تاريخ الأمم يبدو فيها المشهد السياسي وكأنه يعيد ترتيب أوراقه القديمة على طاولة جديدة. هذا ما تعيشه ألمانيا اليوم، البلد الذي طالما قدّم نفسه للعالم بوصفه النموذج الأكثر حذراً من نزعات الماضي، والأشد التزاماً بجدران احترازية بناها بعناية طوال عقود كي لا يتكرر ما وقع فيه ذات قرن. فحزب «البديل من أجل ألمانيا»، الذي كان إلى عهد قريب يُنظر إليه كصوت هامشي يعبّر عن غضب موسمي في الأرياف الشرقية، بات اليوم يتصدّر المشهد في عدد متزايد من الولايات، وينافس على قيادة حكومات محلية كانت إلى الأمس القريب حكراً على الأحزاب التقليدية الكبرى.

لم يأتِ هذا الصعود من فراغ، ولا من خطاب عاطفي عابر. فقد بُني، في أحدث تجلياته شرقي البلاد، على برنامج واضح المعالم لا لبس فيه: إغلاق صارم للحدود أمام طالبي اللجوء، وتبنٍّ صريح لما يسمّونه «الهجرة العكسية»، وتشكيك متصاعد في جدوى الاتحاد الأوروبي ذاته، وتحفّظ لافت إزاء استمرار الدعم الغربي لأوكرانيا. وهذا المزيج، الذي كان إلى وقت قريب يُصنَّف خارج حدود النقاش السياسي المقبول، صار اليوم يجد آذاناً مصغية لدى شريحة واسعة من الناخبين، لا في الهامش وحده، بل في قلب النقاش العام.

والمفارقة أن الأثر الأعمق لهذا الصعود لا يظهر في صناديق الاقتراع بقدر ما يظهر في ما بعدها: في ذلك الجدار غير المكتوب الذي تعهدت الأحزاب الألمانية الكبرى منذ تأسيس الجمهورية بألا تتعاون معه، أياً كانت الحسابات. هذا الجدار، الذي كان حتى الأمس ثابتاً لا يُناقَش، صار اليوم موضوع جدل علني داخل تلك الأحزاب نفسها. فثمة من يرى في التمسك المطلق بالعزل وصفة لمزيد من العزلة، لا الحماية؛ إذ كلما ضاق الخناق السياسي على هذا التيار، ازداد قدرته على تصوير نفسه ضحية نظام يخشاه ولا يحاوره. وثمة، في المقابل، من يستحضر دروس فايمار، حين أدى رفض الأحزاب التقليدية التعاون فيما بينها إلى تمهيد الطريق أمام من كان الجميع يخشاه أصلاً. بين هذين الموقفين تتأرجح ألمانيا اليوم، دون أن تحسم أمرها بعد.

وما يزيد المشهد تعقيداً أن الأزمة لم تعد شأناً محلياً تحتويه حدود الولاية. فكل خسارة انتخابية يتكبدها حزب تقليدي في مدينة أو إقليم تتحول، خلال ساعات، إلى مادة خلاف بين شريكي الائتلاف الحاكم في برلين، إذ يطالب كل طرف الآخر بمراجعة سياساته، من ملف الطاقة إلى الهجرة، تحت وطأة الرقم الانتخابي الجديد. وهكذا يغدو المشهد المحلي رافعة ضغط دائمة على استقرار الحكم في العاصمة، في حلقة تتغذى من ذاتها كلما اقترب استحقاق جديد.

غير أن ما يجري في ألمانيا لا يمكن قراءته بمعزل عن سياقه القاري. فحزب «البديل» ليس ظاهرة معزولة، بل هو حلقة في نسيج أوسع يضم قوى مشابهة في فرنسا والمجر والنمسا وهولندا، وصعوده في برلين تحديداً يمنح ذلك المحور ثقلاً لم يكن متاحاً له من قبل. فألمانيا ليست دولة عضواً كسائر الدول في الاتحاد الأوروبي، بل هي عموده الفقري ومحرك اقتصاده، وأي تحوّل جوهري في بوصلتها السياسية يرتد صداه حتماً على معادلات القرار في بروكسل. والأشد حساسية في هذا كله هو الموقف من الحرب في أوكرانيا؛ فالتحفظ الذي يبديه هذا التيار تجاه استمرار الدعم لكييف، ونزوعه إلى استئناف علاقات الطاقة مع موسكو، يثيران قلقاً حقيقياً داخل حلف الأطلسي من احتمال أن يتصدع، يوماً ما، الإجماع الألماني الذي شكّل حتى الآن أحد أعمدة الموقف الغربي الموحد.

أما من يعيشون في ألمانيا من أبناء الجاليات المهاجرة، فإن قلقهم ليس وليد تصورات مسبقة أو قراءة متشائمة للمشهد، بل وليد نصوص برنامجية صريحة باتت متداولة على الملأ. فالخطاب لم يعد يقتصر على تشديد سياسات اللجوء، بل تجاوز ذلك إلى تصنيف فئة من المواطنين الألمان أنفسهم، ممن ينحدرون من أصول مهاجرة ولم «يندمجوا» وفق معايير هذا الخطاب، باعتبارهم جزءاً من المشكلة موضع المعالجة. وهو تصنيف حذّر منه حقوقيون ومختصون بالقانون الدستوري، إذ رأوا فيه انزلاقاً نحو منطق إثني لا يفرّق بين حامل الجنسية والمقيم الشرعي. ويضاف إلى هذا أن البرنامج نفسه يتضمن، على الصعيد الإجرائي، أدوات تتجاوز حدود السياسة التقليدية للهجرة: وحدات مخصصة للترحيل، وعمل إلزامي مفروض على طالبي اللجوء، وتجريم لأعمال المساعدة الإنسانية الموجهة لمن رُفضت طلباتهم. هذه ليست تكهنات صحفية، بل بنود واردة حرفياً في وثائق معلنة، وهو ما يفسّر أن القلق المتصاعد لدى هذه الجاليات ليس رد فعل عاطفياً، بل قراءة دقيقة لما هو مطروح فعلاً على الطاولة.

فماذا العمل إذن؟ الجواب الصادق هو أن لا أحد، في برلين أو بروكسل، يملك اليوم وصفة جاهزة. فالبعض يرى في التمسك بالعزل السياسي المطلق الضمانة الأخيرة لحماية النظام الديمقراطي من انزلاقات عرفتها القارة من قبل. والبعض الآخر يرى أن هذا العزل، إن لم يقترن بمعالجة جذرية لأسباب الاحتقان، من تفاوت التنمية بين شرق البلاد وغربها إلى كلفة التحول في سياسات الطاقة إلى الشعورالمتنامي بالتهميش أمام مركزية القرار الأوروبي، لن يفعل سوى تأجيل استحقاق لا بد آتٍ. وبين هذا وذاك، يبقى المشهد مفتوحاً، والجدل قائماً، دون أن يحسمه أحد بعد.
أما بالنسبة إلى من يعنيهم الأمر مباشرة، من أبناء الجاليات ومن يقيمون في تلك البلاد بعيداً عن أوطانهم الأصلية، فإن الطريق الأجدى، فيما يبدو، لا يكمن في انتظار سلبي لما ستؤول إليه الأمور، بل في مسارات ثلاثة تكمّل بعضها بعضاً: توثيق دقيق لما يُطرح من برامج تمهيداً للطعن فيها قانونياً حين يستدعي الأمر ذلك، ومشاركة فعلية في الحياة الانتخابية والمؤسسية بدل الاكتفاء بموقف المتفرج القلق، واستثمار حقيقي في الحضور المجتمعي المحلي، فهو أكثر ديمومة من انتظار قرارات مركزية قد تتأخر أو تتعثر. ويبقى أن نحو ثلثي بنود هذا البرنامج المتعلقة بالهجرة تصطدم، بحسب خبراء القانون الدستوري أنفسهم، بنصوص القانون الأساسي الألماني، وهذا وحده يمنح المعركة بعداً قضائياً موازياً لبعدها السياسي، لا يقل أهمية عن أي حراك آخر.

وفي النهاية، فإن ما تعيشه ألمانيا اليوم ليس أزمة عابرة يمكن اختزالها في نتيجة انتخابية هنا أو هناك، بل هو مؤشر على تحوّل أعمق في علاقة الناخب الأوروبي بمؤسساته التقليدية، تحوّل بدأ يتشكل منذ سنوات ولن ينتهي قريباً. والمفارقة أن المسار الذي ستختاره برلين في الأشهر المقبلة، بين تشدد في العزل وانفتاح على معالجة الأسباب، بين تماسك ائتلافي ومزيد من التصدع، لن يرسم فقط ملامح السياسة الداخلية لهذا البلد، بل سيحدد أيضاً موقع أوروبا كلها من قضايا الهجرة والأمن والعلاقة مع الشرق لسنوات قادمة. وهذا وحده كافٍ لأن يستحق هذا الملف متابعة لا تنقطع، بعين من يقرأ التاريخ وهو يُكتب، لا بعين من يكتفي برصد عناوينه.



#مجيد_حسو_مراد (هاشتاغ)       Dr._Magied_Hasso_Murad#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الربيع العربي: من كسر الخوف إلى الخوف من الفراغ
- المسيّرات فوق ألمانيا بين حرب هجينة فعلية وخوف مُسيَّس
- طهران ضعيفة، لا طهران ساقطة
- اتفاقية سنجار: أزمة التمثيل والعدالة الغائبة
- من إنهاء السلاح إلى صناعة السلام: تركيا والقضية الكردية أمام ...
- المسألة الكردية في تركيا: من منطق الاحتواء إلى منطق المصلحة
- اتفاقية مكة للدفاع المشترك: تحالف ردعي أم بذرة استقطاب إقليم ...
- سنجار: ماهي سر الذاكرة التي لا تُقفل ؟
- الذاكرة بلا أثر: لماذا يتكرر الخطأ الكردي ؟
- حين تتصدّع الحدود: الهجرة الجماعية وامتحان المشروع الأوروبي
- نجاح مكافحة الفساد وحده کفيل لاستعادة ثقة المواطن بالائتمان ...
- مشروع البصرة – حديثة – بانياس تجنب التبعية الترکية وتضع إقلي ...


المزيد.....




- مصر.. منشور في صفحة مدرسة يثير جدلًا بشأن ارتداء الطالبات ال ...
- في لبنان والضفة وغزة.. نتنياهو يربك ترامب
- وسط غضب إسرائيلي.. بريطانيا تتجه غداً لحظر التجارة مع المستو ...
- واشنطن تتحدث عن -تقدم جوهري- نحو محادثات ثلاثية.. وزيلينسكي: ...
- النمسا تبدأ بتطبيق حظر -غطاء الرأس الإسلامي- بالمدارس وسط طع ...
- مطار صدام .. خيال ام سلاح غامض ؟
- الاستخبارات الإيرانية تعلن تفكيك خلية إرهابية تابعة للموساد ...
- علامة في الوجه قد تكشف خطرا يهدد القلب والدماغ
- أوروبا.. نوايا الحرب ورغبة بمقعد تفاوضي
- الدوحة تكشف عن وساطة لصياغة اتفاق بين طهران وواشنطن يرضي الط ...


المزيد.....

- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مجيد حسو مراد - صعود اليمين المتطرف في ألمانيا: حين يتحوّل الهامش إلى مركز