أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مجيد حسو مراد - الربيع العربي: من كسر الخوف إلى الخوف من الفراغ















المزيد.....

الربيع العربي: من كسر الخوف إلى الخوف من الفراغ


مجيد حسو مراد
کاتب و خبير في العلاقات الدوليە-;-

(Dr. Magied Hasso Murad)


الحوار المتمدن-العدد: 8815 - 2026 / 9 / 1 - 09:25
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


بعد أكثر من خمسة عشر عاماً على اندلاع الربيع العربي، لم يعد ممكناً النظر إليه بالعين نفسها التي نُظر بها إليه في لحظته الأولى. فقد بدا آنذاك وكأنه انكسار تاريخي لحاجز الخوف، واستعادة مفاجئة للمجال العام من أنظمة حكمت طويلاً خارج أي تجديد حقيقي لشرعيتها. غير أن ما بدا في البداية طريقاً إلى الحرية والكرامة كشف لاحقاً أن إسقاط الحاكم شيء، وبناء دولة قادرة على الاستمرار بعده شيء آخر أكثر صعوبة وتعقيداً.

لم تكن أسباب الانفجار غامضة. تراكمت أزمة المشاركة السياسية، والبطالة، والفساد، والمحسوبية، والتفاوت الاجتماعي، واتسعت الهوة بين مجتمعات شابة أكثر تعليماً واتصالاً بالعالم وبين أنظمة بقيت مغلقة أمام التداول والمساءلة. وكانت الكرامة، في تقديري، هي المفهوم الذي جمع هذه الأسباب كلها. فالمواطن لم يحتج على الفقر وحده، بل على الإهانة؛ ولم يعترض على غياب العمل فقط، بل على شعوره بأن صوته لا قيمة له، وأن مستقبله قد تحدده الواسطة أو القرب من السلطة أكثر مما تحدده الكفاءة.

لكن اللحظة الثورية حملت في داخلها مفارقتها الكبرى. فقد كان الاتفاق على إسقاط النظام أسهل بكثير من الاتفاق على النظام الذي ينبغي أن يحل محله. وفي عدد من الدول، كانت الأنظمة نفسها قد أمضت عقوداً في إضعاف القوى التي كان يمكن أن تدير الانتقال: أحزاب حقيقية، نقابات مستقلة، مجتمع مدني قوي، قضاء موثوق، ومؤسسات تمتلك قدراً من الاستقلال عن رأس السلطة. ولذلك، عندما اهتزت القمة، ظهر حجم الفراغ الذي كان يخفيه الاستقرار الظاهري.

هذا ما يجعل القول إن الربيع العربي فشل لأن الشعوب لم تكن مهيأة للديمقراطية تبسيطاً لا يصمد أمام التحليل، تماماً كما أن تفسير كل ما جرى باعتباره مؤامرة خارجية مُحكمة لا يفسر أسباب خروج ملايين الناس أصلاً. كانت دوافع الاحتجاج داخلية وحقيقية، لكن ضعف الدولة سمح لقوى إقليمية ودولية بأن تدخل على خط الصراع وتعيد توجيهه وفق مصالحها. وهكذا تحولت بعض الانتفاضات من نزاع بين مجتمع وسلطة إلى صراعات على الدولة نفسها، ولم تعد النتائج في يد الذين بدأوا الاحتجاج.

المشكلة أن الناس الذين خرجوا إلى الشوارع لم يكونوا يختارون بين الاستبداد والحرب الأهلية، ولا بين غياب الحرية وانهيار الدولة. كانوا يقارنون بين واقع مرفوض ومستقبل يتصورونه أفضل. لم يختر أحد الميليشيات، ولا انهيار الاقتصاد، ولا النزوح، ولا تفكك مؤسسات الدولة. وهذه نقطة ضرورية لفهم ما ظهر لاحقاً من خيبة وندم؛ فمحاكمة قرار اتُخذ عام 2011 بما نعرفه اليوم من نتائج هي نوع من القراءة بأثر رجعي، لا وصف دقيق لما كان يراه الناس في لحظتهم التاريخية.

إن ما يُسمى أحياناً بـ«الحنين إلى الاستبداد» لا يعني دائماً الحنين إلى الحاكم نفسه. قد يكون حنيناً إلى الدولة، أو إلى النظام اليومي للحياة، أو إلى الشعور بأن هناك سلطة واحدة مسؤولة عن الشارع والحدود والعملة والمؤسسات. المواطن قد يرفض القمع الذي عاشه، لكنه في الوقت نفسه يقارن بين دولة ظالمة كانت قائمة ودولة ضعيفة أو غائبة جاءت بعدها، فيبدو الماضي أقل سوءاً مما كان يبدو عليه وهو حاضر.

وهذه المفارقة لا تبرئ الأنظمة السابقة، لكنها تضع القوى التي تطالب بالتغيير أمام مسؤولية لا تقل أهمية عن مشروعية مطلبها. فالسياسة لا تُقاس بالنوايا فقط، والثورة لا تُعفى من السؤال عن اليوم التالي. من يريد إسقاط نظام عليه أن يفكر أيضاً في الجيش، والقضاء، والإدارة، والاقتصاد، وحقوق الأقليات، واحتكار السلاح، وفي كيفية منع المنتصر الجديد من إعادة إنتاج الاستبداد تحت اسم مختلف.

وهنا أرى أن أحد أخطر أخطاء التجربة كان الخلط بين النظام والدولة. فمؤسسات الجيش والقضاء والإدارة والتعليم والصحة ليست ملكاً للحاكم حتى عندما تكون خاضعة له. وإذا تحول إسقاط النظام إلى هدم مؤسسات الدولة نفسها، فإن الفراغ الذي ينشأ لا تملؤه الديمقراطية تلقائياً، بل غالباً ما تملؤه القوى الأكثر تنظيماً أو تسليحاً أو دعماً من الخارج.

لهذا لا أرى أن الدرس المستخلص من الربيع العربي هو أن الاستبداد أفضل من الثورة، كما لا أرى أن الحرية وحدها تكفي لبناء وطن. القضية أعمق من هذه الثنائية.

الوطن، في فهمي، لا يُختزل في الأرض الموروثة أو الدم أو العرق أو التاريخ المشترك. هذه العناصر قد تصنع هوية، لكنها لا تكفي لتأسيس شرعية سياسية دائمة. الوطن هو البقعة الجغرافية التي تؤمّن للإنسان الخبز والأمان والحرية.

والخبز ليس مجرد الغذاء، بل شروط العيش الكريم والعمل والتعليم والعلاج. والأمان ليس مجرد غياب الحرب، بل أن تحمي الدولة الإنسان من الفوضى ومن تعسفها هي أيضاً. أما الحرية فهي أن يكون الفرد مواطناً لا تابعاً، يمتلك حق التعبير والاختيار والمشاركة والاعتراض.

ومن هذه الزاوية يمكن فهم المأساة الأساسية للربيع العربي. ففي عدد من الدول، كان الناس يملكون قدراً من الخبز والأمان، لكنهم افتقدوا الحرية. خرجوا لكي يستكملوا المعادلة، لا لكي يهدموها. أرادوا الحرية من دون أن يخسروا الدولة، والكرامة من دون أن يخسروا الأمن، والمشاركة من دون أن يخسروا شروط الحياة. لكن بعض التجارب انتهت إلى خسارة العناصر الثلاثة معاً: لم تأت الحرية، وفُقد الأمان، وتراجع الخبز.

هنا تحديداً يبدأ الندم.

ليس ندماً على المطالبة بالكرامة في حد ذاتها، بل على مسار انتهى إلى نتيجة لم تكن مقصودة. وليس تبرئة للاستبداد، بل اعترافاً بأن البديل السيئ يستطيع، بأثر رجعي، أن يجعل الماضي القاسي يبدو أقل قسوة.

ومع ذلك، فإن أخطر ما يمكن أن نستخلصه من هذه التجربة هو اعتبار الفوضى دليلاً على أن الشعوب لا تستحق الحرية، أو أن الاستقرار لا يتحقق إلا بالقمع. فهذا الاستنتاج يعيد إنتاج الأسباب نفسها التي قادت إلى الانفجار. الاستقرار القائم على الخوف يستطيع أن يؤجل الأزمة، لكنه لا يحلها، كما أن الثورة التي لا تبني المؤسسات قد تنتهي إلى تدمير الشروط التي ثارت من أجل تحسينها.

بعد خمسة عشر عاماً، ربما لم يعد السؤال المهم هو: هل نجح الربيع العربي أم فشل؟

الأهم هو ما كشفه.

لقد كشف أن النظام يمكن أن يبدو قوياً فيما تكون الدولة ضعيفة، وأن الشعوب تستطيع إسقاط الحاكم من دون أن تكون مؤسسات البديل جاهزة، وأن الحرية إذا قامت على أنقاض الدولة قد تفقد مضمونها، كما أن الأمن إذا قام على إلغاء الإنسان لا يصنع وطناً مهما طال عمره.

ولهذا تبقى الخلاصة، في تقديري، بسيطة رغم كل تعقيد التجربة:

لا خبز مقابل الحرية، ولا أمان مقابل الكرامة، ولا حرية بلا دولة.

الوطن الحقيقي هو المكان الذي لا يُجبر فيه الإنسان على التضحية بإحدى هذه القيم لكي يحصل على الأخرى.

وهذا ربما يكون السؤال الذي تركه الربيع العربي مفتوحاً حتى اليوم: ليس كيف يسقط النظام، بل كيف تُبنى دولة لا تجعل مواطنيها، بعد الثورة أو قبلها، مضطرين إلى الاختيار بين الخبز والأمان والحرية.



#مجيد_حسو_مراد (هاشتاغ)       Dr._Magied_Hasso_Murad#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المسيّرات فوق ألمانيا بين حرب هجينة فعلية وخوف مُسيَّس
- طهران ضعيفة، لا طهران ساقطة
- اتفاقية سنجار: أزمة التمثيل والعدالة الغائبة
- من إنهاء السلاح إلى صناعة السلام: تركيا والقضية الكردية أمام ...
- المسألة الكردية في تركيا: من منطق الاحتواء إلى منطق المصلحة
- اتفاقية مكة للدفاع المشترك: تحالف ردعي أم بذرة استقطاب إقليم ...
- سنجار: ماهي سر الذاكرة التي لا تُقفل ؟
- الذاكرة بلا أثر: لماذا يتكرر الخطأ الكردي ؟
- حين تتصدّع الحدود: الهجرة الجماعية وامتحان المشروع الأوروبي
- نجاح مكافحة الفساد وحده کفيل لاستعادة ثقة المواطن بالائتمان ...
- مشروع البصرة – حديثة – بانياس تجنب التبعية الترکية وتضع إقلي ...


المزيد.....




- مستوطنون إسرائيليون يحاصرون منزلًا فلسطينيًا قبل مهاجمته
- أول سيارة باكستانية ذاتية القيادة تقود صاحبها إلى الشرطة! (ف ...
- بوتين: الشعب الروسي متضامن مع الشعب الإيراني في نضاله من أجل ...
- أزمة مياه تضرب إسرائيل.. 5 محطات تحلية تتوقف وظاهرة غامضة تع ...
- ترامب يلوّح بتغيير موقف واشنطن من جزر فوكلاند.. هل تتصدع الع ...
- -كان هناك في ساعة مبكرة-.. سارة نتنياهو تهاجم يائير غولان وت ...
- ترامب يتعهد بأن تستحوذ الولايات المتحدة على كل نفط فنزويلا م ...
- تحالف يتجاوز السلاح.. تقرير يكشف تعاوناً عسكرياً متنامياً بي ...
- مهمة فاشلة… لكن بلا عواقب
- المساعدات الاجتماعية في ألمانيا .. ما جديدها وكيف ستطبق؟


المزيد.....

- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مجيد حسو مراد - الربيع العربي: من كسر الخوف إلى الخوف من الفراغ