أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حسن مدن - شبابنا وشبابهم بين الاحتجاج والتغيير














المزيد.....

شبابنا وشبابهم بين الاحتجاج والتغيير


حسن مدن

الحوار المتمدن-العدد: 8869 - 2026 / 10 / 25 - 09:38
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لا يمكن عدم ملاحظة أنّ قطاعات واسعة من الشباب العربي الذين ملؤوا، قبل عقد ونصف العقد، الساحات والشوارع، مطالبين بالتغيير والحياة الكريمة، يبتعدون اليوم عن الأحزاب والتنظيمات السياسية، ولا يُبدون حماسة تُذكر للمشاركة في الحياة العامة، لكن ما تشهده فرنسا وبلدان أوروبية أخرى من احتجاجات طلابية وشبابية تجعل هذه المفارقة أقلّ التباساً، لما تكشفه من فجوة تتّسع بين تطلعات الأجيال الجديدة والواقع الذي تعيشه، على اختلاف الظروف السياسية والاجتماعية بين أوروبا وعالمنا العربي.

أظهرت الانتفاضات العربية أنّ الشباب يمتلكون طاقة هائلة على الاحتجاج ورفض الأوضاع القائمة، وأنهم قادرون، في ظروف معينة، على تحريك مجتمعاتٍ بدت زمناً طويلاً وكأنها استسلمت للركود. وتكشف الاحتجاجات الشبابية والطلابية في أوروبا اليوم أن التقدّم الاقتصادي والمؤسسات الديمقراطية لا يكفيان وحدهما لاحتواء الغضب الاجتماعي أو ضمان ثقة الأجيال الجديدة بالمستقبل. غير أنّ القدرة على الاحتجاج لا تعني، بالضرورة، امتلاك الأدوات التي تتيح تحويله إلى مشروع تغيير مستدام، فبين الأمرين مسافة واسعة، تتصل بطبيعة الأنظمة السياسية، وبقدرة المؤسسات على الاستجابة للمطالب، وبطبيعة التكوين الذي أُعدّت به الأجيال الجديدة والبيئة الاجتماعية والسياسية التي وجدت نفسها تتحرّك داخلها.

لا نستطيع لوم الشباب العرب وحدهم على انكفائهم أو عزوفهم، مثلما لا يمكن تفسير الاحتجاجات الأوروبية مجرّد تعبير عن نزق شبابي أو رفض عابر للواقع، فقد اصطدمت أحلام كثيرين من الشباب العرب بحواجز أقوى من قدرتهم على تجاوزها، وشاهدوا كيف يمكن لتضحيات كبيرة أن تنتهي إلى نتائج مناقضة كليّاً لما أرادوه. وفي المقابل، يجد شباب أوروبيون أنفسهم أمام ضغوط اقتصادية واجتماعية تتصل بارتفاع تكاليف المعيشة، وصعوبة الحصول على السكن، والقلق على فرص العمل، والخشية من تراجع المكتسبات الاجتماعية، وحين تتكرّر الخيبات في الحالتين، يتحوّل الإحباط إلى شك في قدرة المشاركة على تغيير موازين القوى القائمة.

لا يكفي هذا التفسير وحده، على وجاهته، لفهم الظاهرة؛ فالعزوف عن السياسة ليس مجرّد رد فعل على إخفاق تجربة بعينها، بل هو حصيلة تراكمات تتصل بضعف الحياة السياسية نفسها، وبغياب المؤسّسات القادرة على استيعاب طاقات الشباب وتحويلها إلى عمل منظّم. وإذا كانت قطاعات من الشباب العربي قد وجدت نفسها أمام أحزاب ضعيفة أو محاصرة، ومؤسّسات تضيق فيها مساحات المشاركة، فإن الاحتجاجات الأوروبية تكشف، من جانب آخر، أن وجود الأحزاب والنقابات والانتخابات لا يعني، بالضرورة، أن الشباب يشعرون بأن صوتهم مسموع أو أن مصالحهم ممثلة على نحو كافٍ، لذلك يصبح الشارع مساحة لاستعادة الصوت، لكنه قد يتحوّل أيضاً إلى مساحة للاحتجاج المتكرّر الذي لا يجد طريقه إلى تغيير ملموس.

ولا ينفصل هذا عن التكوين التربوي والثقافي الذي يتلقاه الشباب، فالتعليم الذي ينشغل بتلقين المعلومات وتأهيل المتعلمين لدخول سوق العمل، من دون أن يمنحهم مساحة كافية للتفكير النقدي والحوار والاختلاف، لا يساعد على إعداد مواطن يمتلك أدوات فهم الشأن العام والتأثير فيه. وتبرز الجامعات في فرنسا وغيرها من البلدان الأوروبية فضاءات للاحتجاج والنقاش حول قضايا تتجاوز حدود التعليم، في حين تراجعت في بلدان عربية كثيرة الأدوار الثقافية والنقاشية للجامعات، وضعفت المساحات التي كانت تتيح للطلبة الاحتكاك بالأفكار والتيارات المختلفة. ومع هذا، وجود تقاليد جامعية أوسع في العمل النقابي والاحتجاجي لا يعفي المجتمعات الأوروبية من التساؤل عن مدى قدرة مؤسّساتها التعليمية على إعداد الشباب لمواجهة عالم تتزايد فيه الضغوط الاقتصادية وتتراجع فيه ضمانات الاستقرار.

لا يعني هذا أنّ الأجيال السابقة كانت أفضل بالضرورة، أو أنّ الشباب اليوم يفتقرون إلى الوعي والرغبة في التغيير. المسألة أعقد من المقارنة بين جيلين، أو بين شباب يعيشون في مجتمعاتٍ مختلفة، فالعمل السياسي يحتاج إلى ما هو أبعد من الحماسة الأولية: إلى وضوح في الأهداف، وقدرة على قراءة الواقع، وصبر على النتائج المؤجلة، واستعداد لمراجعة الوسائل حين يتبين قصورها، وهذه خصال لا تنشأ تلقائياً، بل تتكوّن عبر التجربة والتعلم والممارسة، في بيئة تسمح بالخطأ والتصحيح وتراكم الخبرة، لا في فضاء يعاقب المبادرة أو يحاصرها.



#حسن_مدن (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الرجل المنسي في تايتانيك
- توجسات أصبحت واقعاً
- بصدد الأفكار التافهة
- التحليل النفسي للتاريخ
- ترامب عاشق اسمه
- عهد طه حسين للشباب
- مفاتيح الذاكرة وأقفالها
- نوتردام بين هوغو والبابا
- الذكاء الاصطناعي .. أهلاً أم وداعاً
- كتاب قرأناه ونسينا
- نسرين مالك وسؤال الفصل المستحيل
- لؤلؤة شتاينبك
- الوطن الحديقة
- من سقراط إلى الذكاء الاصطناعي
- ما قالته هدى الشعراوي
- الجامع بين هشام شرابي وإدوارد سعيد
- رسائل نتنياهو من جبل الشيخ
- ذراع تولستوي
- مفكرة الكاتب
- في ذكرى المناضل البحريني علي دويغر


المزيد.....




- أوباما يخاطب عبدالرحمن السيد بعد هجمات ترامب عليه بسبب اسمه ...
- السيسي يرد على من يراهن بقبول مصر فرض الأمر الواقع أو التفري ...
- بيسكوف: روسيا سترحب بترشيح أوروبا مبعوثا للتفاوض حول أوكراني ...
- حقبة جديدة من التهديدات الإرهابية في بريطانيا
- لقطات توثق أعمال التخريب والاشتباكات في شوارع برشلونة مساء أ ...
- التحالف يعلن اعتراض صاروخ ثان أطلقه الحوثيون باتجاه السعودية ...
- الأحد الحاسم.. البرازيل تصوت بين خبرة لولا ووعود بولسونارو ا ...
- ألمانيا تعلن مشاركتها بأول مناورة عسكرية لـ-تحالف الراغبين- ...
- بلغاريا تنتخب رئيسها.. وإيوتوفا في الصدارة
- الخليل تحت الحصار.. يوم ثان من الغاز والاقتحامات قبل الانتخا ...


المزيد.....

- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حسن مدن - شبابنا وشبابهم بين الاحتجاج والتغيير