أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الهجرة , العنصرية , حقوق اللاجئين ,و الجاليات المهاجرة - حسن مدن - الرجل المنسي في تايتانيك














المزيد.....

الرجل المنسي في تايتانيك


حسن مدن

الحوار المتمدن-العدد: 8862 - 2026 / 10 / 18 - 19:46
المحور: الهجرة , العنصرية , حقوق اللاجئين ,و الجاليات المهاجرة
    


هو دأب السردية الغربية؛ حرص كاتبيها على جعل التاريخ و"الحقيقة" أبيضَين. وليس القصد بالبياض هنا النقاء والنزاهة، وإنما جعل التاريخ مكتوباً من المنظور النمطي للرجل الأبيض بشحنته الفائضة من الاستعلاء على ذوي البشرات السوداء والملونة، حيث ينظر إليهم بدونية؛ مجرّد هامش للمتن. الأبيض هو المتن ومن سواه هامش.

ينطبق هذا لا على الوقائع الحاسمة التي غيّرت وجه التاريخ الإنساني، إذ يرى الرجل الأبيض نفسه فاعلاً، وسواه في دائرة المفعول به المنقاد، طائعاً أم مكرهاً، لإرادة السيد الأبيض، وإنما يتصل حتى بتفاصيل يغلب عليها الطابع الإنساني، وهذا ما يستوقف في تقرير نشر أخيراً عن رجل أسود منسيٍّ في باخرة تايتانيك الشهيرة، التي غرقت بعد اصطدامها بجبل جليدي ليلة الرابع عشر من إبريل/ نيسان 1912، إذ توالت الروايات والشهادات والكتب والأفلام التي أعادت سرد الكارثة، ومع ذلك، ظلّت حكاية هذا الرجل مُغيبة، و لم تجد طريقها إلى الضوء إلا بعد أكثر من قرن.

اسم الرجل جوزيف فيليب ليميرسييه لاروش، الأسود الوحيد على متن السفينة في رحلتها الأولى، وربما كانت حكايته ستظلّ مغيبة لولا أنّ عالمة الاجتماع كارليت نوروود التي اكتشفت حكايته مصادفة خلال زيارة للمتحف البحري في ليفربول، فتحت نافذة على صفحة الرجل المغيبة. وقبل عامين، كتبت نوروود، المولودة في العاصمة الأميركية واشنطن، مسرحية تولت إخراجها أيضاً تتناول قصته.

وُلد لاروش في هايتي عام 1886، وينتمي من جهة النسب إلى عائلة جان جاك ديسالين، قائد استقلال هايتي وأول إمبراطور لها، وفي الخامسة عشرة من عمره غادر وطنه إلى فرنسا لمتابعة دراسته، قبل أن يتخصّص في الهندسة ويحصل على شهادته الجامعية في مسار تعليمي متميز لشاب أسود في مطلع القرن العشرين، لكنه لم يكن طريقاً سهلاً، ففي فرنسا التي وصل إليها عام 1901 كانت الأفكار العنصرية راسخة في المجتمع. واجه لاروش صعوبات في الحصول على عمل والاستمرار فيه، وتعرّض لإساءاتٍ عنصريةٍ متكرّرة. كأنّ حكايته، في جانبٍ منها، تستعيد ما حلّله فرانز فانون في كتابه "بشرة سوداء، أقنعة بيضاء"، حين تناول الأثر النفسي للاستعمار والعنصرية في الإنسان الأسود، الذي يجد نفسه مضطراً إلى مواجهة مجتمع لا يكتفي بالحكم عليه من خلال لون بشرته، بل يجعل هذا اللون معياراً لتحديد موقعه ومكانته، مهما امتلك من معرفة وكفاءة.

سيلتقي لاروش بجولييت لافارغ، امرأة بيضاء أحبته وتزوجته بدعم من عائلتها رغم الأحكام المسبقة والضغوط الاجتماعية. أنجب الزوجان ابنتين، سيمون ولويز، ولم يطق لاروش أن يكبر أطفاله في البيئة نفسها التي جعلت حياته المهنية محفوفة بالعقبات، لذلك بدأ التفكير في العودة إلى هايتي، حيث جذوره العائلية وروابطه الوثيقة بوالدته، وهكذا بدأت سلسلة من المصادفات التي ستقود الأسرة إلى "تايتانيك".

في ليلة الغرق، أيقظ لاروش زوجته، وجمعا بعض مقتنياتهما، ثم حملا طفلتيهما إلى سطح السفينة. نجحت جولييت، التي كانت حاملاً، وابنتاها في الصعود إلى أحد قوارب النجاة، وأنقذتهما سفينة "كارباثيا" في اليوم التالي. أما لاروش فلم يُعثر على جثمانه، ولم تتضح على وجه اليقين تفاصيل ساعاته الأخيرة. غاب الأب وبقيت سيرته بعيدة عن الاهتمام الذي نالته حكايات أخرى ارتبطت بالكارثة.

ترى نوروود، في حديث مع موقع "بي.بي. سي"، أنّ ثمة حيوات صنعتها المعرفة والطموح والعمل والحب، لكنها لم تحظ بالتوثيق والاهتمام، فالكوارث الكبرى تخفي داخلها حيوات لا تقل فرادة عن الحدث نفسه. وتضيف: "كثيرون يجهلون تاريخ السود، فبسبب نظام العبودية الذي كان قائماً على امتلاك البشر لم تُحفَظ السجلات، وتُسلط قصص مثل قصة لاروش الضوء على وجود شخصيات بارزة من السود تستحق أن تُروى... إنّها قصة تربطنا بماضينا".

بعد أكثر من مائة عام، يعود الرجل الذي لم يعد من المحيط، في المسرحية التي تحمل اسمه، ويفترض أنّها قدمت أمس، السبت، في المتحف البحري بمدينة ليفربول. عودة تذكّرنا بأّنّ الذاكرة ليست محايدة؛ فهي تختار ما تضيئه، وما تقصيه وتبقيه في العتمة.



#حسن_مدن (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- توجسات أصبحت واقعاً
- بصدد الأفكار التافهة
- التحليل النفسي للتاريخ
- ترامب عاشق اسمه
- عهد طه حسين للشباب
- مفاتيح الذاكرة وأقفالها
- نوتردام بين هوغو والبابا
- الذكاء الاصطناعي .. أهلاً أم وداعاً
- كتاب قرأناه ونسينا
- نسرين مالك وسؤال الفصل المستحيل
- لؤلؤة شتاينبك
- الوطن الحديقة
- من سقراط إلى الذكاء الاصطناعي
- ما قالته هدى الشعراوي
- الجامع بين هشام شرابي وإدوارد سعيد
- رسائل نتنياهو من جبل الشيخ
- ذراع تولستوي
- مفكرة الكاتب
- في ذكرى المناضل البحريني علي دويغر
- ما لم يفهمه العميد


المزيد.....




- روبيو: -محادثات- جرت لعقد لقاء يضم ترامب وبوتين وشي لإنهاء ح ...
- مصممة إماراتية تنقل التراث والحرفية اليدوية إلى أسبوع الموضة ...
- كايلي جينر ترتدي واحدة من أغلى حمالات الصدر في تاريخ -فيكتور ...
- -صدق المواقف في الشدائد أبلغ رد-.. قرقاش يعلق على لقاء محمد ...
- عراقجي يرد على نتنياهو بشأن الحرب: -نحن أيضاً لدينا حسابات ل ...
- إيران: قاليباف يوجه تهديدا جديدا لدول المنطقة بشأن شركات الذ ...
- يوم الحسم الكندي.. ألبرتا تصوّت على مسار الانفصال
- روبيو: ترامب مستعد لأي خطوات لإنهاء الصراع في أوكرانيا
- يوركتاون ومعاهدة باريس.. حين غيّرت فرنسا مصير أمريكا
- 10 مبادئ رئيسية.. نتنياهو يعرض تصورا جديدا للأمن القومي


المزيد.....

- الاقتصاد السياسي لمكافحة الهجرة / حميد كشكولي
- العلاقة البنيوية بين الرأسمالية والهجرة الدولية / هاشم نعمة
- من -المؤامرة اليهودية- إلى -المؤامرة الصهيونية / مرزوق الحلالي
- الحملة العنصرية ضد الأفارقة جنوب الصحراويين في تونس:خلفياتها ... / علي الجلولي
- السكان والسياسات الطبقية نظرية الهيمنة لغرامشي.. اقتراب من ق ... / رشيد غويلب
- المخاطر الجدية لقطعان اليمين المتطرف والنازية الجديدة في أور ... / كاظم حبيب
- الهجرة والثقافة والهوية: حالة مصر / أيمن زهري
- المرأة المسلمة في بلاد اللجوء؛ بين ثقافتي الشرق والغرب؟ / هوازن خداج
- حتما ستشرق الشمس / عيد الماجد
- تقدير أعداد المصريين في الخارج في تعداد 2017 / الجمعية المصرية لدراسات الهجرة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الهجرة , العنصرية , حقوق اللاجئين ,و الجاليات المهاجرة - حسن مدن - الرجل المنسي في تايتانيك