أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نوال عايد الفاعوري - أحتاج إلى أمّ لا تشبه أمّي














المزيد.....

أحتاج إلى أمّ لا تشبه أمّي


نوال عايد الفاعوري
(Nawal Alfaouri)


الحوار المتمدن-العدد: 8867 - 2026 / 10 / 23 - 04:52
المحور: الادب والفن
    


في ذلك اليوم، كانت متعبة، ضائقة الصدر، تشعر بأن كل شيء أثقل من قدرتها على الاحتمال. لم يكن ضيقها حزنًا عابرًا، بل ذلك الثقل الذي يجعل اليوم يمر ببطء، كأنه يجر نفسه جرا
قالت لي، وصوتها ثقيل، كأنها تحمل اليوم كله على كتف واحدة:
"أمي قاسية جدًا، حازمة جدًا، لا تعرف كيف تربت على كتف، ولا كيف تحتوي انكسارًا بكلمة حانية"
ربما كانت تحب بطريقتها، لكن بعض الحب، مهما كان صادقًا، لا يشبه الحنان الذي نحتاج إليه حين تثقل الحياة على قلوبنا
صمتت قليلًا، ثم قالت بصوت بدا كأنه يخرج من مكان بعيد في روحها:
ـ احزري شو نفسي؟
قلت لها: ـ شو؟
قالت: ـ بتعرفي هذول الأيام التقال؟ اللي بتكوني بحاجة فيهم لأم؟
أنا بدي أم!
مش أمي اللي عندي، أنا بحاجة لأم ثانية.
بتعرفي هاي الأم اللي بنسمع عنها بالحكايات، واللي بنشوفها بالمسلسلات؟
الأم اللي بتطبطب، اللي بتعرف إنك تعبانة من عيونك، وبتفهم إن في شي بيوجعك من نبرة صوتك
الأم اللي بتعمل لك شوربة لما تمرضي، واللي ما بتخافي تغلطي قدامها، ولا بتضطري تبرري لها حزنك، ولا تخبي ضعفك عنها
الأم اللي بتحسي معها إنك مهما تعبتي ومهما أخطأتي لسه إلك مكان آمن بقلبها
ثم سكتت لحظة وأضافت:
ـ نفسي بهاي الأم، خصوصًا في الأيام الثقيلة.
أربكتني كلماتها، ليس لأنها قالت شيئًا غريبًا، بل لأنها قالت شيئًا نخجل أحيانًا من الاعتراف به، حتى لأنفسنا
هناك أيام تكون ثقيلة جدًا، إلى درجة أن القوة لا تنفع فيها. لا ينفع فيها أن تكوني شاطرة، أو مرتبة، أو قوية، أو قادرة على تحمل المسؤولية.
أيام لا تحتاجين فيها إلى من يقول لكِ: "شدي حالك" ، بل إلى من يقول لكِ: "تعالي ارتاحي" .
في بعض الأيام، نحن لا نحتاج إلى أمّ تربي، بل إلى أمّ تلمّ شتاتنا.
لا نحتاج إلى أمّ تحاسب، بل إلى أمّ تطمئن.
لا نحتاج إلى أمّ تعلمنا كيف نكون على صواب، بل إلى أمّ تحبنا حتى حين نخطئ.
نحتاج إلى تلك النسخة من الأمهات التي لا تشبه إلا الحنان تلك التي لا تعرف منطقًا سوى المحبة الخالصة غير المشروطة.
التي لا تقول: "أنا قلت لك" بل تقول: "كل مرّ سيمرّ".
التي لا تقول: "بتستاهلي" ، بل تقول: "لا تخافي، أنا معك" .
التي إذا خذلك أحد، لا تلومك، بل تقول لكِ: "هو الخسران، مش إنتِ" .
التي تعيد إليكِ صورتك الجميلة عن نفسك حين تكرهينها، وتذكرك بقيمتك حين تنسينها.
هذه هي الأم التي نحتاج إليها في هذا الزمن الصعب.
كم من إنسان يكبر وهو يحمل في داخله جوعًا قديمًا إلى الحنان؟
وكم من قلب يتعلم الصلابة مبكرًا، لأنه لم يجد من يسمح له بأن يكون هشّا دون خوف؟
نحن لا نحتاج إلى الأم في طفولتنا وحدها فهناك أعمار كاملة نعيشها ونحن بحاجة إلى تلك اليد التي تمسح عن أرواحنا غبار الأيام، وإلى ذلك الصوت الذي يقول لنا إننا، رغم قسوة العالم، لسنا مضطرين إلى مواجهة كل شيء وحدنا.
نحتاج إلى أمّ تعيد إلينا ثقتنا بأنفسنا حين تتبعثر، وتمنحنا الطمأنينة دون أن تطلب مقابلًا، وتحبنا دون أن تجعل الحب مكافأة على الطاعة، أو امتيازًا نحصل عليه حين نكون كما تريد لنا أن نكون.
ولعل أكثر ما يؤلم في الحكاية ليس قسوة الأم وحدها، بل اضطرار الابنة إلى أن تبحث في خيالها عن أمّ أخرى أمّ تتمناها وتفتقدها، وتستدعي صورتها كلما ضاقت بها الحياة.
فليس كل أمّ تعرف كيف تمنح الحنان، وليس كل حب يجيد الوصول إلى القلب.
قد تحبنا أمهاتنا بصدق، لكننا نظل محتاجين إلى أشياء لم نتلقها، وإلى كلمات لم تقل، وإلى أحضان كان ينبغي أن تكون ملاذًا، فإذا بنا نتعلم كيف نواجه العالم من دونها.
وهنا تكمن المأساة الصغيرة التي لا يراها أحد: أن يكبر الإنسان وهو يعرف كيف يواجه الحياة، لكنه لا يعرف أين يذهب حين يعجز عن مواجهتها.
تخيلي أن تقول لك ابنتكِ في يوم أثقلته الخيبات:
"أنا اليوم متضايقة كثير... محتاجة لأم، بس مش أمي. محتاجة لأم ما بتشبه أمي" .
أي وجع يمكن أن تختصره هذه الجملة؟
إنها ليست بالضرورة جملة كراهية، ولا حكمًا نهائيًا على أمّ ربما بذلت كل ما تعرفه من حب إنها في جوهرها اعتراف بالحاجة وصرخة قلب لم يجد في المكان الذي يفترض أن يكون الأكثر أمانًا ما يحتاج إليه من طمأنينة.
لذلك نحن بحاجة إلى أن نتعلم الحنان لا أن نفترض أنه يأتي بالفطرة
وأن نتعلم الإصغاء إلى أبنائنا وألا نكتفي بتوفير احتياجاتهم المادية.
فالأطفال لا يحتاجون فقط إلى من يطعمهم ويحميهم ويعلمهم الصواب
إنهم يحتاجون أيضًا إلى من يحتمل أخطاءهم، ويحتضن خوفهم، ويمنحهم الحق في أن يحزنوا دون أن يشعروا بالذنب.
فالأمومة ليست سلطة تمارس، ولا أوامر تطاع، ولا خوفًا يفرض لضبط السلوك.
الأمومة في أعمق معانيها، أن يكون قلبك مكانًا يستطيع أبناؤك العودة إليه حين تضيق بهم الأمكنة كلها.
واسألي نفسك:
في الأيام الثقيلة لابنتك، هل ستكونين أنتِ الأم التي تبحث عنها، أم ستضطر إلى البحث عنكِ في حكايات المسلسلات؟



#نوال_عايد_الفاعوري (هاشتاغ)       Nawal_Alfaouri#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين يتحوّل الاسم إلى معركة سياسية، ويصبح الكابوس سيناتورًا!
- بعدك على بالي... حين تعيدنا التفاصيل إلى الغياب
- هل جربت أن ترتدي حذاء غيرك؟!
- دليل إرشادي لحياة زوجية بلا كتالوج تنمية زوجية (1)
- ثمانون عاما من العمر... ووحدة واحدة
- لا تقولي ابدا إنك خائفة... لكن احذري من وطن يهزم الحلم
- رفرفة في غزة... وإعصار في واشنطن
- حين يضيق الشاطئ... وتتسع الحدود
- مزرعة الحيوان... حين تلد الثورة استبدادًا جديدًا
- حين يصبح التأقلم خسارة للذات
- العبودية المختارة... حين يصنع العبد سيده
- حين يعانق القلب .. قبل الذراعين
- ترانيم السابع من تموز الجديد «تجلّيات الطمأنينة»
- خليلة الشيطان… حين يصبح التبرير أكثر إغواءً من الخطيئة
- الكتابة .. نافذة الروح على الورق
- فرساي الأخيرة: لا منتصر في الحرب ولا مهزوم في السلام.
- حيونة الانسان الكتاب الذي اعاد تعريف الانسانيه
- ثوره صامته في عباءة الامن والامان
- مادورو .. اجا دورو ..
- المرأة وفلسفة القهوة .. جديد الدكتور سمير محمد ايوب


المزيد.....




- حوار مع الأديبة الشاعرة والمترجمة تغريد بومرعي
- توتر أمني في الحسكة عقب محاولة ملثمين فض احتجاجات طلابية تطا ...
- تحولات تاريخية في خريطة التمثيل السياسي الأمريكي وصعود لافت ...
- السيسي يستقبل بطلة -تحدي القراءة العربي- ويمنحها نوط الامتيا ...
- إيمري بيلوز أوغلو يتولى القيادة الفنية لفناربخشه قبيل مواجهة ...
- اللوفر يعرض 300 صورة تكشف خفاياه ومحطات من تاريخه
- -وجوه الفيوم-.. آثار من التاريخ المصري تنبض بالحياة في معرض ...
- سوابق تاريخية في الانتخابات النصفية الأميركية تحولات تاريخي ...
- ما هي قصة فيلم the odyssey: رحلة أوديسيوس في عمل نولان
- مهرجان دهوك السينمائي.. تظاهرة مميزة في إقليم كردستان


المزيد.....

- الدومري لا يطفئ عينيه / د. خالد زغريت
- رواية صرخات وهمسات- محمد الفقي / محمد الفقي
- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نوال عايد الفاعوري - أحتاج إلى أمّ لا تشبه أمّي