أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نوال عايد الفاعوري - خليلة الشيطان… حين يصبح التبرير أكثر إغواءً من الخطيئة














المزيد.....

خليلة الشيطان… حين يصبح التبرير أكثر إغواءً من الخطيئة


نوال عايد الفاعوري
(Nawal Alfaouri)


الحوار المتمدن-العدد: 8755 - 2026 / 7 / 3 - 00:47
المحور: الادب والفن
    


ليست بعض الروايات مجرد حكايات تُقرأ ثم تُطوى صفحتها الأخيرة وينتهي أثرها، بل هي عوالم كاملة ندخلها ونخرج منها أشخاصًا آخرين. ورواية «خليلة الشيطان» واحدة من تلك الأعمال النادرة التي لا تكتفي بأن تحكي قصة، بل تتسلل إلى أكثر المناطق هشاشة في النفس الإنسانية، وتضع القارئ في مواجهة ذاته، عاريًا من يقيناته ومبرراته.
منذ عنوانها، تثير الرواية فضول القارئ وتمنح النص بعدًا رمزيًا كثيفًا. فـ«خليلة الشيطان» قد لا تكون امرأة بعينها، بقدر ما هي ذلك الصوت الخفي الذي يعرف نقاط ضعفنا جيدًا، ويهمس لنا بأن الخطوة الأولى ليست خطيئة، وأن كل انزلاق يمكن تبريره، وأن الإنسان قادر دائمًا على إنقاذ صورته أمام نفسه مهما فعل. غير أن المفارقة المؤلمة تكمن في أن الإنسان لا يُهزم عند لحظة السقوط، بل عند اللحظة التي يتوقف فيها عن الاعتراف بأنه سقط.
تطرح الرواية إشكالية إنسانية عميقة، إذ لا تجعل الصراع بين الخير والشر معركة خارجية تدور بين الإنسان والعالم، وإنما تنقله إلى داخل النفس البشرية نفسها. هناك، في تلك المنطقة المظلمة والملتبسة، تدور المعركة الحقيقية. والمرأة في الرواية لا تُقدَّم بوصفها جسدًا للإغواء، بل بوصفها مرآة تكشف هشاشة الرجل، وتربك الصورة المثالية التي رسمها عن نفسه، وتضعه أمام تناقضاته التي طالما تهرب من رؤيتها.
ولا ملل في حضرة الدهشة التي تقدحها عبارات الرواية المفعمة بالحياة، ولا في كهوف معانيها التي تنتظر قارئًا قادرًا على اكتشاف كنوزها. إنها رواية تستعيدك إليها كلما انتهيت من قراءتها؛ فتعود لتقرأ بعض فقراتها الآسرة، وتتذوق جملها، وتتحسس وقعها في قلبك، وتسمع صداها في عقلك، فتعتريك تلك الرعشة النادرة التي لا يوقظها إلا الأدب العظيم.
والرواية الحقيقية هي تلك التي لا تشعرك بالغربة بين شخصياتها. تشعر أنك واحد منهم؛ تحزن لحزنهم، وتفرح لفرحهم، وتضحك لضحكهم، وتتألم لآلامهم. ثم، حين تودعهم في نهاية رحلة القراءة، يهمسون في أذنك: لن نذهب بعيدًا… سنظل هنا، نعشش في ذاكرتك، وننضم إلى ذلك الفردوس السري الذي نسميه: جنة الكتب.
بعد قراءة «خليلة الشيطان» سيتغير فيك شيء ما. قد لا تستطيع تحديده بدقة، لكنه سيكون حاضرًا في نظرتك إلى نفسك وإلى الآخرين. وهذا الأثر العميق هو أحد أهم معايير النص الأدبي الكبير في نظريات التلقي الحديثة؛ أن يترك في قارئه شرخًا صغيرًا في اليقين، أو سؤالًا لا يكف عن العودة.
وإذا سُئلت: ما الرواية الوحيدة التي ترغبين في اصطحابها معك في رحلة إلى المريخ؟ فلن أتردد في اختيار «خليلة الشيطان». لا مبالغة في ذلك؛ فقد قرأتها بشغف، ودفعني تشويقها إلى خاتمتها، ثم أعادني من جديد إلى بدايتها في رحلة أخرى بين صفحاتها، كأن القراءة الأولى لم تكن سوى تمهيد لقراءة أعمق.
اقرؤوها وكأنها آخر رواية سيكتبها إنسان على أرض ستؤول إلى لا شيء مع آخر كلمة فيها. ثم أعيدوا قراءتها بالإيقاع ذاته؛ فلعل الأرض، وهي تصغي إلى قراءتكم، تكف عن عبثها وترنحها، وتستمر في الدوران.
أما السؤال الذي تطرحه الرواية: «فلمن تكون الغلبة؟» فالإجابة ليست للرغبة دائمًا، ولا للإيمان دائمًا، بل لذلك الجزء الذي نغذيه في داخلنا. فكثيرًا ما يسقط الإنسان ليس لأنه ضعيف فحسب، بل لأنه يمتلك قدرة مذهلة على اختراع المبررات. والتبرير هو الوجه الأكثر تهذيبًا للهزيمة؛ يمنح السقوط لغةً تبدو منطقية ومقبولة، ويمنح الخطأ ثوبًا من الحكمة الزائفة.
ولعل أجمل ما في خاتمة الرواية أنها لا تُصدر حكمًا أخلاقيًا جاهزًا، ولا تدين أحدًا، بل تترك القارئ واقفًا أمام مرآته الخاصة. فالسؤال الحقيقي ليس: هل كنت ستقاوم؟ بل: كم مرة أقنعت نفسك بأن ما فعلته لم يكن سقوطًا، بل خيارًا اضطررت إليه؟
وهنا تكمن عبقرية «خليلة الشيطان»؛ إنها لا تحكي عن سقوط الآخرين، بل تجعل كل قارئ يفتش بصمت عن شياطينه الصغيرة، وعن المرات التي منح فيها هزائمه أسماءً أخرى.



#نوال_عايد_الفاعوري (هاشتاغ)       Nawal_Alfaouri#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الكتابة .. نافذة الروح على الورق
- فرساي الأخيرة: لا منتصر في الحرب ولا مهزوم في السلام.
- حيونة الانسان الكتاب الذي اعاد تعريف الانسانيه
- ثوره صامته في عباءة الامن والامان
- مادورو .. اجا دورو ..
- المرأة وفلسفة القهوة .. جديد الدكتور سمير محمد ايوب
- على حافة العيد
- على حافة ايلول
- في تلك المدينة… هل صار الجوع قدرًا… أم عجزنا هو من أطلق سراح ...
- على حافة السابع من تموز
- على حافة الغياب
- ان لم يكن لديك وجع.. تجاوز هذا النص!! بعد الرحيل ....
- أيها البحر .. شيءٌ أخير سأخبركَ إياه:


المزيد.....




- وفد من المثقفين والمؤسسات الدينية والشخصيات السياسية والثقاف ...
- الحكم على الممثلة الفرنسية إيزابيل أدجاني بالسجن وغرامة مالي ...
- علاقة مثلية بين طالبة وعميدة جامعة متزوجة تتحول إلى مسرحية أ ...
- الاستقالة.. ثقافة لا هزيمة
- بيرو.. دليل على فشل الإسبان في محو ثقافة الأندلس
- قبل عرض فيلم -شمشون ودليلة-.. مي عمر تبارك لزملائها رغم المن ...
- سوريا.. تأجيل حفل الفنان الأردني الأخرس في دمشق حدادا على ضح ...
- -صقر وكناريا-.. فيلم يكسب بالكوميديا قبل الإثارة
- مجلس الشعب الأول في سوريا الجديدة.. خريطة التمثيل وقائمة الم ...
- تضاعف مبيعات ملحمة -الأوديسة- لهوميروس عالميا بالتزامن مع قر ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نوال عايد الفاعوري - خليلة الشيطان… حين يصبح التبرير أكثر إغواءً من الخطيئة