أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نوال عايد الفاعوري - الكتابة .. نافذة الروح على الورق














المزيد.....

الكتابة .. نافذة الروح على الورق


نوال عايد الفاعوري
(Nawal Alfaouri)


الحوار المتمدن-العدد: 8754 - 2026 / 7 / 2 - 04:52
المحور: الادب والفن
    


ثمة لحظة غامضة في حياة الإنسان يكتشف فيها أن الكلمات ليست مجرد وسيلة للتعبير، بل ضرورة وجودية. عندها تتحول الكتابة من فعل عابر إلى حالة من الهوس الجميل والمؤلم في آن واحد. وربما لهذا تبدو الكتابة أكثر تعقيداً كلما ابتعدنا عنها فالكلمات، مثل الكائنات الحية، تغضب إذا هجرت، وتصبح أكثر عصياناً كلما طال الفراق.

الكتابة، في جوهرها، معركة صامتة. إنها ذلك التوتر الدائم بين طبيعتنا التي تخشى البوح، ورغبتنا العارمة في أن نفتح أبواب الروح على مصاريعها. نريد أن نسكب ما أثقل قلوبنا من ألم غضب حنين تمرد وخيبات، لكننا، حتى في أكثر لحظاتنا صدقاً، لا نكتب كل شيء. فالروح أكثر اتساعاً من أن تحتويها الكلمات، وأكثر هشاشة من أن تتعرى كاملة أمام الورق.

لذلك لا تمنح الكتابة السطور سوى جزء يسير مما نحمله في الداخل قدراً يكفي لنستمر، ولا يكفي ليفضح كل ما فينا. إنها تشبه فتح نافذة صغيرة في غرفة مكتظة بالأنفاس، يدخل منها بعض الضوء، ويتسرب منها بعض الاختناق.

ولعل السؤال الذي يرافق كل كاتب منذ اللحظة الأولى هو: لماذا نكتب؟

أنكتب لنتعافى من جرح ما؟ أم نهرب إلى عالم آخر نصنعه على مقاس أرواحنا؟ أم أننا نرسل عبر الكلمات استغاثة خافتة إلى شخص مجهول، يستطيع أن يقرأ ما بين السطور، وأن يسمع صمتنا قبل أن يسمع أصواتنا؟

ربما نكتب لكل ذلك معاً.

فالكتابة ليست ابنة اللحظة وحدها، بل هي مزيج غريب من الأزمنة كلها؛ شيء من ماض بعيد، وشيء من حاضر نعيشه، وظلال من مستقبل نتخيله أو نتمناه. وما نكتبه ليس أرواحنا وحدها، بل أيضاً أرواح الذين مروا بنا، وأحببناهم، وخسرناهم، وتأثرنا بهم. نحن نكتب أنفسنا، ونكتب الآخرين الذين استقروا في ذاكرتنا دون استئذان.

والكتابة، وإن بدت فعلاً فردياً، ليست عزلة كاملة. إنها محاولة دائمة للعثور على معنى، وعلى رفقة خفية في هذا العالم. إنها الجدار الذي نتكئ عليه عندما يخوننا الكلام، والنافذة التي نطل منها على أنفسنا حين تضيق بنا الحياة.

ومع ذلك، فهي ليست خلاصاً نهائياً. فالذين أدمنوا الحبر يعرفون أن الكتابة لا تداوي كل الجروح، بل تمنحها شكلاً يمكن احتماله. نكتب لنخفف ثقل الأشياء، ثم نكتشف أن شيئاً ما لا يزال يقيم في الأعماق. نعود إلى الورق مرة بعد أخرى، لأن ما يؤلمنا لم يغادر تماماً، ولأن الكلمات، مهما كانت عاجزة، تظل أكثر رحمة من الصمت.

لهذا تبدو الكتابة شبيهة بأسطورة سيزيف نرفع صخرة أرواحنا إلى قمة الورق، فتتدحرج من جديد إلى أعماقنا، فنعود لحملها مرة أخرى. ومع ذلك لا نتوقف، لأن الكتابة ليست وعداً بالنجاة، بل طريقةٌ نبيلة لمقاومة الغرق.

إنها الوطن المؤقت للروح، والملاذ الأخير حين يصبح العالم أكثر ضجيجاً من أن يفهمنا، وأكثر اتساعاً من أن يحتوينا. لذلك نظل نكتب، لا لأننا نملك ما نقوله دائماً، بل لأن ثمة أشياء في داخلنا لا تستطيع أن تعيش إلا إذا تحولت إلى حروف.



#نوال_عايد_الفاعوري (هاشتاغ)       Nawal_Alfaouri#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- فرساي الأخيرة: لا منتصر في الحرب ولا مهزوم في السلام.
- حيونة الانسان الكتاب الذي اعاد تعريف الانسانيه
- ثوره صامته في عباءة الامن والامان
- مادورو .. اجا دورو ..
- المرأة وفلسفة القهوة .. جديد الدكتور سمير محمد ايوب
- على حافة العيد
- على حافة ايلول
- في تلك المدينة… هل صار الجوع قدرًا… أم عجزنا هو من أطلق سراح ...
- على حافة السابع من تموز
- على حافة الغياب
- ان لم يكن لديك وجع.. تجاوز هذا النص!! بعد الرحيل ....
- أيها البحر .. شيءٌ أخير سأخبركَ إياه:


المزيد.....




- وفاة النجمة الأمريكية هايدن بانيتير عن عمر 36 عاما
- وفاة الممثلة هايدن بانتير نجمة مسلسلي -هيروز- و-ناشفيل- عن ع ...
- نجمة أمريكية تكشف عن تعرضها للمس الشيطاني وخضوعها لطرد الأرو ...
- مهرجان -متحف الإعلام- الأول في روسيا يبحث مستقبل التواصل بين ...
- أطروحة دكتوراة في الهند عن المرأة والمجتمع في روايات سناء ال ...
- -قراصنة الكاريبي-.. جزء جديد من جاك سبارو ليس قبطانا!؟
- عمّان.. فعاليات يوم الثقافة الروسي
- هوية مكسورة في وطن ممزق
- من فلسطين إلى العالم.. ديانا الشاعر تتولى تتويج أبطال العالم ...
- من الكتاب إلى الانتخاب.. طبيب شخص -وباء أمريكا السياسي- وترش ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نوال عايد الفاعوري - الكتابة .. نافذة الروح على الورق