أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نوال عايد الفاعوري - أيها البحر .. شيءٌ أخير سأخبركَ إياه:














المزيد.....

أيها البحر .. شيءٌ أخير سأخبركَ إياه:


نوال عايد الفاعوري
(Nawal Alfaouri)


الحوار المتمدن-العدد: 6914 - 2021 / 5 / 31 - 14:52
المحور: الادب والفن
    


البحر لم يعُد كما كان، تغيّر، كبقية البشر، لم يعد بخير، مثلي، إلا من الله، غير أنّه من عبيده ليس كذلك؛ لم يعد دافئاً، جميلاً، يُغري العاشقين بالسير على أرصفة الحياة التي يمنحهم إياها رملُه، ومنذ آخر مرة تقاتلنا فيها سوياً أدركتُ أنه غدار أكثر مما أتخيل.

لم يعد البحر "متوسطاً" أيضاً يا أمي، كل المناطق الرمادية تلاشت واندثرت، هذا الكون يُتقن المراوغة، يعلمُ تماماً كيف يُمكنه أن يمنحنا الحبّ الزائف، الضحك المؤقت، والبكاء الدائم، ونحنُ رغم ألاعيبه ما زلنا نصدّقه، وما زال يعرفُ كيف يرانا بلونين: الأبيض والأسود، فقط.

أعلمُ ذلك يا أمي، وأكثر، لكني حين أخاطب البحر، فأنا أريد أن أنفض عن صدريَ كلّ هذا الغبار الذي رتّبه الزمن بشكل أنيق، كما يبدو للناس. قالت الجدّات قديماً: كذبٌ مرتب، أفضل من صدقٍ مبعثر؛ وأنا أفشل في ترتيب صدقي كل مرة. يهزّ العالم رأسه مصدّقاً/موافقاً للكاذبين المُتقنةِ أحاديثُهم، ويخونُ الصادقين، الذين من فرط طيبتهم، يفشلون في الحديث بشكل جيد. وكلما أراني في المرآة، أدرِكُ لماذا لا يسألني الناس "ما بكِ"، إنها الجروح المرتّبة التي صنعها العالم في قلبي، فبدت مكياجاً لا أكثر.

ما زلتُ كلما صافحتُ البحر، لا أعرف سبب غدرِه، وأسئَلُه كل مرةٍ عن سرّ أخذه للطيبين، للصغار، للجاهلين بقوانينه، لللاهثين خلف الحياة، للحاملين همومهم في شنطة سفر، ومركب تهريب، للسارقين الحبّ من قلبِ هذا العالم البغيض؛ وكلما سألتُه، لا يجيب، يرمي لي بمزيد من الألغاز، مع الجُثثِ التي حنّطها السمك، وخانها الملح!
إنه، كالعالم، يمنح اللونين الأبيض والأسود، يُشبه برميل بارودٍ يجثو على سطحه بعض الكريمة البيضاء، يبدو دافئاً، هادئاً، وادعاً، يحمل رسائل المشتاقين، ويُوصلهم بالأشياء المجهولة التي يبحثون عنها، مخزنُ أسرار المحبّين، وقِبلة قُبلاتهم المسروقة، وقُبلة الموت الأخيرة للذاهبين إلى الحياة، وبعد أن تتعرف عليه جيداً، تُدرك لاحقاً أن زُرقتَه الوحيدة التي تمنحهُ الدفء قد اكتسبها من السّماء بطريقة الخداع التي يتقنها، وأنه في الليل يُشبه مقطوعات الرعب الأزلية، وأنّ الأساطير التي نسجها الشعراء عنه محض خيال، لا أكثر. لا شيء جديد، كل الأمرِ أنني خُدعت، كما خدعني الآخرون من قبل.

أحادثكِ يا أمي، والحديث معكِ حياة؛ وكلما غمرتُ نفسي في الماء أتذكر أن الاستسلام للغرق هو إحدى وسائل النجاة، وأن الحياة على كبرها فهي أصغر من شهقة غريق، ونفَسِ ميّت. لا أتحدث كثيراً مع الغرباء، هكذا علّمتني، وحين أكبر سأدرك أن كل هذا العالم غريب، وأن صدركِ فقط هو الوطن، وأني سأموت يا أمي وفي صدري كلام.

سأغسلُ وجهي بكِ، لن أصدقكَ، وسأعتبر أن يدكَ الممدودة إليّ ليست إلا يدَ الحرب، أو يد الغرق، وفي كلا الحالتين لن أنجو منكَ. أنا أحاول فقط أن أغتسلَ منكَ .. فيك، وأن أنتصر عليك، ولو مؤقتاً.
.
.
الكلاب المُقيّدة، تنظر للكلاب الأخرى على أنها "ضالة".



#نوال_عايد_الفاعوري (هاشتاغ)       Nawal_Alfaouri#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295





- من مفاتيح البيوت إلى هاتف أبي عمار.. متحف يحفظ تفاصيل فلسطين ...
- بعد سنوات من الغياب.. عادل إمام يعود إلى الواجهة بفيلم يوثق ...
- فنان سعودي يعلق على تضامن مصر مع المملكة برسالة مؤثرة
- -الدَّرّاس-.. كيف يصنع السجناء في المغرب لغتهم السرية للعيش ...
- اكتشاف أقدم حطام سفينة في العالم قبالة سواحل تركيا
- أبل تكشف ملامح iOS 27.2 بتعديلات جوهرية في الرسائل والمنزل و ...
- باراماونت تبدأ إنتاج فيلم «ريد رايزينغ» بإخراج فرانسيس لورنس ...
- فاز بكأس العالم 1998.. صدفة تقود أسطورة أرسنال إلى عالم السي ...
- تضارب الروايات بشأن توقيف متهم بمجازر في سوريا.. هل -اختُطف- ...
- فيلم -قتل آنا-.. كواليس تحقيق صحفي وراء إسقاط سفاح مجزرة الت ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نوال عايد الفاعوري - أيها البحر .. شيءٌ أخير سأخبركَ إياه: