أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نوال عايد الفاعوري - بعدك على بالي... حين تعيدنا التفاصيل إلى الغياب














المزيد.....

بعدك على بالي... حين تعيدنا التفاصيل إلى الغياب


نوال عايد الفاعوري
(Nawal Alfaouri)


الحوار المتمدن-العدد: 8864 - 2026 / 10 / 20 - 00:24
المحور: الادب والفن
    


هناك بعض الأشياء التي لا تنتهي بانتهائها، حتى وإن اعتقدنا أنها قد انتهت.
وبتفاصيل أكثر دقة، تظل أطيافها تلاحقنا، فلا تنصرف عنا أبدًا، وتبقى عالقة بين أهدابنا، تداعب أحلامنا حين نظن أننا تجاوزناها.
إنها التفاصيل الصغيرة التي لا يتذكرها سواك تلك النقوش البارزة على كوب ارتشفت منه بضع رشفات في أمسية أمضيتها هناك
أو ذاك المذاق الذي ظل عالقًا بشفتيك لسنوات طويلة، وتعاود تذوقه كلما تذكرت طيفًا ما.
إنه ذاك العطر الذي يداعب حواسك في لحظة ما، فتسارع إلى الالتفات من حولك، باحثًا عن شخص دخل القاعة، لتكتشف أنك وحدك، وأن العطر قد جاء من مدن الحلم البعيدة، ليذكّرك بأنك لم تنس يومًا، وبأن ما كان لم ينته أبدًا.
في ليلة شتاء باردة، كان المطر ينقر على النوافذ كأصابع حزينة، وكان البرد يتسلل من تحت الأبواب.
ذهبت إلى مقهى بعيد لا يعلم أحد عنه شيئًا، لكن جدرانه تعرف عنا كل شيء، لأترك رسالة في أحد شقوقها، لعلك تجدها يومًا إذا ما أخذك الشوق إلى ذكريات جمعتنا ذات يوم.
لا أنتظرك، لكنك تعود لتهزمني مع كل تفاصيل يومي الصغيرة...
مع فنجان قهوتي...
مع فيروز...
"وبعدك على بالي، يا قمر الحلوين، يا زهرة تشرين، يا ذهبي الغالي..."
بعدك على بالي...
بعدك على بالي...
مع دخان سيجارة رجل ما يدخن أمامي...
مجرد تفاصيل أخرى تضاف إلى الذاكرة، تحمل بين سطورها طيفك الذي يزداد احتلالًا لي، ويزداد استيطانًا في أرض روحي.
اشتقت إليك بكل شيء فيك بثورتك، وجنونك، وغضبك، وهدوئك، ووجعك.
صوتك ما زال يناديني، وأنت ما زلت هنا... في مكان ما قريب مني، حتى وإن فرقت بيننا المسافات.
اشتقت إليك... فهل اشتقت إليّ؟
أم أنك لم تعد تذكرني؟
هل ما زلت تتذكر تلك الأيام التي جمعتنا؟
أم أنها تلاشت من ذاكرتك؟
هل ما زلت تحمل في قلبك ما كنت تحمله يومًا، أم أن تلك المشاعر تآكلت بفعل الغياب؟
يسري الحنين في عروقي، ليحتل جسدي ويستوطن روحي.
لا يزال صندوق الذكريات هناك، في مكان بعيد، أخشى أن أقترب منه رغم كل الحنين إليه.
كل طرقات قلبي مظلمة، صامتة، مهجورة، تبللها قطرات المطر الباحثة عن أرض تستقر عليها.
كل شيء في تلك الطرقات أنتمي إليه، وأشعر بالألفة معه.
كل شيء هنا يذهب ويعود، إلا أنت...
لا تزال مجرد طيف لا يستقر في مكان.
كل الأشياء معًا، إلا نحن لا نزال بلا وطن يجمعنا.
يفتقدك الشتاء، حيث كان لنا ألف وعد وموعد.
لم أستطع يومًا التخلص منك، ولا من طيفك، ولا من رحيلك الصامت ورحيلي الصاخب.
انسحبت أنت في هدوء، وغادرت أنا في ثورة.
كذبت كثيرًا حين قلت إنك مجرد رجل عادي مرّ بحياتي ورحل.
لكنك لست مجرد رجل عابر فأنت رجل مختلف، تأتي فتحتل المكان، وتمد جذورك في الحياة، فلا يسهل اقتلاعك، ولا نسيانك، ولا الادعاء بأنك لم تكن يومًا.
وصار عندي حنين، ولكني بعرف لمين...
فحنيني لك لا ينتهي.
وفجأة، سمعت رنين هاتف من مكان قريب، فتلك هي نغمتك!
لم أحتج إلى التفكير طويلًا فقد انتفض قلبي قبل أن ألتفت.
تناولت هاتفي على عجل، وتأملت شاشته، فإذا به صامت.
رفعت رأسي بخيبة حاولت أن أخفيها، لأكتشف أن الرنين لم يكن سوى صوت هاتف شخص يجلس خلفي، يجيب عن مكالمته بكل عفوية، غير مدرك أنه أيقظ في قلب غريب حكاية كاملة من الشوق والانتظار.
كم هو غريب هذا الحنين!
كيف يمكن لرنين عابر أن يربك هدوءنا، ويعيد ترتيب مشاعرنا في لحظة، ويجعلنا نصدق أن الغائب قد تذكرنا أخيرًا؟
لم يكن الأمر مجرد رنين هاتف، بل كان قلبي الذي ما زال يترقبك، وروحي التي لم تتعلم بعد كيف تتخلص من انتظارك.
أدركت يومها أنني لا أحتاج إلى رؤيتك كي أشتاق إليك، ولا إلى سماع صوتك كي أشعر بغيابك. يكفي أن يرن هاتف في مقهى مزدحم حتى يختفي كل من حولي عن عيني، ولا يبقى في المشهد سوى احتمال واحد: أن تكون أنت.
ومع كل تلك الأشياء، ازددت يقينًا بأنك...
بعدك على بالي.
أفقت من شرودي وأنا أتأمل كرسيك الفارغ. لم يتبق منك سوى فنجان قهوة وحيد ينتظرك، وكرسي لا تجلس عليه، وعلبة تبغ فارغة أحتفظ ببقاياها في حقيبتي.
يبكي قلبي، وتلمع عيناي.
ألمّ أشياءك وأرحل من المكان...
أغادر فراغًا إلى فراغ آخر.



#نوال_عايد_الفاعوري (هاشتاغ)       Nawal_Alfaouri#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هل جربت أن ترتدي حذاء غيرك؟!
- دليل إرشادي لحياة زوجية بلا كتالوج تنمية زوجية (1)
- ثمانون عاما من العمر... ووحدة واحدة
- لا تقولي ابدا إنك خائفة... لكن احذري من وطن يهزم الحلم
- رفرفة في غزة... وإعصار في واشنطن
- حين يضيق الشاطئ... وتتسع الحدود
- مزرعة الحيوان... حين تلد الثورة استبدادًا جديدًا
- حين يصبح التأقلم خسارة للذات
- العبودية المختارة... حين يصنع العبد سيده
- حين يعانق القلب .. قبل الذراعين
- ترانيم السابع من تموز الجديد «تجلّيات الطمأنينة»
- خليلة الشيطان… حين يصبح التبرير أكثر إغواءً من الخطيئة
- الكتابة .. نافذة الروح على الورق
- فرساي الأخيرة: لا منتصر في الحرب ولا مهزوم في السلام.
- حيونة الانسان الكتاب الذي اعاد تعريف الانسانيه
- ثوره صامته في عباءة الامن والامان
- مادورو .. اجا دورو ..
- المرأة وفلسفة القهوة .. جديد الدكتور سمير محمد ايوب
- على حافة العيد
- على حافة ايلول


المزيد.....




- عازف الكمان ديفيد غاريت يطلق ألبومه الجديد «Immortal» احتفاء ...
- التشكيلي طه سبع يستلهم من مراكش ليلة جديدة لألف ليلة وليلة
- توماس مان يعود مظفرا بعد الحرب الى ألمانيا.. وجلسة عن المهرج ...
- إطلاق مشروع «فضاء المدينة» في بيروت: مساحة شبابية جديدة لترم ...
- الحياة الاجتماعية العثمانية في سياحتنامه أوليا جلبي.. التعلي ...
- الإعلان عن 11 مسرحية مصرية في النسخة الـ 7 من موسم الرياض
- العودة إلى الأساطير.. لماذا يتهافت الإيرانيون على ملحمة الفر ...
- -لا تقولي حظا سعيدا-.. فيلم عن النضج والحزن ومواصلة الحياة
- -كلايفيس-.. رهان جديد يمزج الرعب بأفلام الأبطال الخارقين
- فيلم «بَكْمَة».. صرخة سينمائية تونسية في وجه التهميش والعنف ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نوال عايد الفاعوري - بعدك على بالي... حين تعيدنا التفاصيل إلى الغياب