أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - نوال عايد الفاعوري - مزرعة الحيوان... حين تلد الثورة استبدادًا جديدًا














المزيد.....

مزرعة الحيوان... حين تلد الثورة استبدادًا جديدًا


نوال عايد الفاعوري
(Nawal Alfaouri)


الحوار المتمدن-العدد: 8776 - 2026 / 7 / 24 - 07:39
المحور: قضايا ثقافية
    


تعد رواية "مزرعة الحيوان" (Animal Farm) للكاتب البريطاني جورج أورويل واحدة من أهم الروايات الرمزية في الأدب العالمي
ليس لأنها تحكي قصة حيوانات تتمرد على صاحب المزرعة فحسب
بل لأنها تكشف ببراعة كيف يمكن للأحلام الكبيرة أن تتحول إلى كوابيس عندما تقع السلطة في أيدي من يسعون إليها من أجل أنفسهم
تلك الرواية التي لم تكن يومًا مجرد حكاية عن حيوانات تعيش في مزرعة
بل كانت مرآة ساخرة للطبيعة البشرية حين تلامس السلطة
تبدأ الحكاية بثورة تقودها الحيوانات ضد صاحب المزرعة الظالم
يطردونه ويعلنون ميلاد عصر جديد يقوم على مبادئ تبدو في غاية النبل: لا سيد بعد اليوم ، لا قمع ، لا استغلال ، ولا سياط فوق الظهور.
الجميع متساوون والجميع شركاء في الحلم
لكن هذا الحلم لم يدم طويلًا إذ سرعان ما بدأت مجموعة من الخنازير بقيادة نابليون باحتكار السلطة
ثم أعادت إنتاج النظام نفسه الذي ثارت عليه ولكن بأسماء وشعارات جديدة
فالخنازير التي قادت التمرد اصبحت أكثر تنظيما ثم أكثر قربا من السلطة ثم أكثر قدرة على تفسير الشعارات وفق مصالحها حتى تصل إلى تعديلها بالكامل فتولد العبارة الأشهر في الرواية:
«كل الحيوانات متساوية لكن بعضها أكثر مساواة من غيرها.»
وهي عبارة تكشف المفارقة التي يقع فيها كثير من الأنظمة
إذ تبدأ بشعارات المساواة والحرية ثم تنتهي إلى صناعة طبقة جديدة تتمتع بالامتيازات نفسها التي كانت ترفضها
كما تبرز الرواية دور الدعاية والتلاعب بالحقائق في تشكيل وعي الجماهير
فكلما ازداد فشل القادة
ازداد تزييفهم للواقع
حتى أصبح الكذب حقيقة رسمية
وأصبح التاريخ يعاد كتابته بما يخدم أصحاب السلطة
وهنا يلفت أورويل الانتباه إلى أن السيطرة على العقول قد تكون أخطر من السيطرة على الأرض
وهنا تنكشف الحقيقة المؤلمة
هكذا تبدأ معظم الثورات ببريق العدالة وبأمل يشبه الفجر بعد ليل طويل من الظلم
لذلك نصدقها بسهولة
لأننا نكون قد أرهقنا من القهر
وأصبحنا مستعدين للإيمان بأي وعد يحمل رائحة الحرية
لكن شيئًا فشيئًا تبدأ الثورة في تبديل جلدها.
تكمن عبقرية أورويل في أنه لم يكتب رواية عن الحيوانات
بل عن الإنسان عندما يصل إلى السلطة وهو يحمل في داخله ذاكرة الضحية ورغبة الجلاد في آن واحد
عن أولئك الذين لا يكرهون الظلم لأنه ظلم بل لأنهم لم يكونوا هم من يمارسه
وعن الثورات التي تبدأ باسم الفقراء والمظلومين
ثم تنتهي إلى صناعة طبقة جديدة من أصحاب الامتيازات
وتحكي أيضا عن الشعارات التي تبقى معلقة على الجدران بينما يتغير معناها في الخفاء
فكل شخصية تمثل نموذجا سياسيا أو اجتماعيا
وكل حدث يعكس مرحلة من مراحل تحول السلطة من وسيلة لتحقيق العدالة إلى غاية بحد ذاتها
لذلك لم تكن الرواية مجرد نقد لحقبة تاريخية معينة بل تحذيرا دائما من فساد السلطة حين تغيب الرقابة ويصمت الناس
لقد رأينا في واقعنا من يرفع راية الحرية حتى يصل إلى الحكم ثم يكتشف أن الحرية جميلة ما دام خارج السلطة
أما داخلها فهي في نظره فوضى يجب ضبطها
ورأينا من أعلن الحرب على الفساد
ثم أعاد إنتاجه بأسماء جديدة
ومن بكى على الشعب وهو في المعارضة ثم طلب من الشعب الصبر والصمت عندما أصبح في موقع القرار بحجة أنه لا يفهم "حساسية المرحلة"
إن أخطر ما في الاستبداد ليس وجهه القديم بل قدرته الدائمة على العودة في هيئة جديدة وبخطاب جديد
فمرة يرتدي ثوب الثورة
ومرة يتحدث باسم الدين
ومرة باسم الوطن
وأخرى باسم الفقراء أو الأمن أو المصلحة العامة
لكن النتيجة تظل واحدة: هناك دائما من يجلس فوق الطاولة وهناك من يواصل جر العربة
كان جورج أورويل يدرك أن المشكلة الحقيقية ليست في تغيير الحاكم بل في تغيير مفهوم الحكم ذاته
فإذا رحل السيد وبقيت عقلية السيد فلن يتغير سوى اسم المزرعة ولافتتها
أما السوط فسيظل معلقا في مكانه
وربما يصبح أشد قسوة لأنه هذه المرة يحمل شرعية الثورة نفسها
ولهذا فإن أول ما تسرقه السلطة الجديدة من الناس ليس خبزهم بل ذاكرتهم ثم لغتهم
تجعلهم ينسون لماذا ثاروا أصلًا ثم تعيد تعريف الكلمات أمامهم حتى يصبح الاعتراض خيانة
والتعب تضحية
والجوع صبرا وطنيا
وكل تجربة سياسية أو اجتماعية تستحق أن تُسأل السؤال الأصعب:
ماذا حدث بعد النشيد الأول؟ بعد الهتاف الأول؟ وبعد أن سقطت الصورة القديمة؟
العبرة ليست في أن نثور على الظلم بل في ألا نحول من قاد الثورة إلى كائن فوق المساءلة فالمشكلة ليست في الحلم وإنما في تسليم الحلم كله إلى طبقة تقول لنا: "ناموا... ونحن سنحرس أحلامكم."
لأن الأحلام التي لا يحرسها أصحابها
تتحول سريعا إلى مزرعة جديدة
لها نشيد جديد
وسادة جدد
وجلاد جديد
وبيان طويل يشرح للناس بكل ثقة لماذا لم تعد كل الحيوانات متساوية
رغم أن الرواية كتبت عام 1945 فإنها ما تزال تحتفظ براهنيتها
فالقارئ يجد فيها انعكاسا لوقائع تتكرر في مجتمعات مختلفة حيث تتحول الثورات أحيانا إلى أنظمة أكثر قسوة وتصبح الشعارات الجميلة ستارا لممارسات تناقضها تماما
إن "مزرعة الحيوان" ليست رواية سياسية فحسب بل درس إنساني عميق في طبيعة السلطة وفي هشاشة المبادئ عندما تُغري المصالح أصحابها.
وهي تذكرنا بأن الحرية لا تصان بمجرد إسقاط الطغيان بل بالحفاظ على العدالة والشفافية والمساءلة حتى لا يصبح الثائر طاغية جديد ولا تتحول الثورة إلى نسخة أخرى مما قامت ضده
ولعل هذا هو السر في خلود هذه الرواية فهي لا تتحدث عن زمان أو مكان بعينه بل عن الإنسان حين ينسى أن السلطة أمانة لا امتياز وأن العدالة ليست شعارا يرفع
بل ممارسة تصان كل يوم.

"‏وكل ثورة وأنتم بخير!"



#نوال_عايد_الفاعوري (هاشتاغ)       Nawal_Alfaouri#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين يصبح التأقلم خسارة للذات
- العبودية المختارة... حين يصنع العبد سيده
- حين يعانق القلب .. قبل الذراعين
- ترانيم السابع من تموز الجديد «تجلّيات الطمأنينة»
- خليلة الشيطان… حين يصبح التبرير أكثر إغواءً من الخطيئة
- الكتابة .. نافذة الروح على الورق
- فرساي الأخيرة: لا منتصر في الحرب ولا مهزوم في السلام.
- حيونة الانسان الكتاب الذي اعاد تعريف الانسانيه
- ثوره صامته في عباءة الامن والامان
- مادورو .. اجا دورو ..
- المرأة وفلسفة القهوة .. جديد الدكتور سمير محمد ايوب
- على حافة العيد
- على حافة ايلول
- في تلك المدينة… هل صار الجوع قدرًا… أم عجزنا هو من أطلق سراح ...
- على حافة السابع من تموز
- على حافة الغياب
- ان لم يكن لديك وجع.. تجاوز هذا النص!! بعد الرحيل ....
- أيها البحر .. شيءٌ أخير سأخبركَ إياه:


المزيد.....




- تقرير: إيران ترفض مقترحاً أمريكياً لوقف إطلاق النار عُرض علي ...
- إزالة أسماء 4 جنود أمريكيين قُتلوا في حرب إيران من موقع البن ...
- لماذا أستيقظ باستمرار في الساعة الثالثة صباحاً؟
- واشنطن تواصل ضرباتها على إيران وطهران توسع هجماتها في الخليج ...
- تحذير أممي: ثلثا سكان غزة قد يواجهون جوعا شديدا بنهاية العام ...
- نقله رئيس وزراء العراق.. إيران ترفض مقترحا أمريكيا لوقف إطلا ...
- كيف قلب ترامب الاتفاق النووي السعودي رأسًا على عقب بعد أقل م ...
- واشنطن تبدأ الليلة الثالثة عشرة من ضرباتها على إيران، وسماع ...
- واشنطن تفرض رسوما جمركية بنسبة 12.5% على الواردات الروسية بد ...
- ‏إعلام إيراني: تقارير أولية عن سقوط طائرة في جزيرة قشم (فيدي ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - نوال عايد الفاعوري - مزرعة الحيوان... حين تلد الثورة استبدادًا جديدًا