أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زيد علي الشمري - الصدمة














المزيد.....

الصدمة


زيد علي الشمري

الحوار المتمدن-العدد: 8864 - 2026 / 10 / 20 - 23:47
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


«الحضارات لا تموت قتلاً، بل تموت انتحاراً».
ويل ديورانت
كأي صباح عادي، كنت في طريقي إلى موقع عملي، جالساً في سيارة الكيا بين أبناء الطبقتين الكادحة والمتوسطة، وسط ازدحام خانق. وكالعادة، بدأ الركاب يتبادلون الحديث عن آخر التطورات السياسية والاقتصادية في بلدنا، حتى تحولت السيارة إلى استوديو لتحليل الأخبار، وصار كل راكب محللاً سياسياً واقتصادياً.
تحدث أحدهم عن استكمال الكابينة الوزارية، واستحداث وزارات جديدة، وإقرار مناصب إضافية لنواب رئيس مجلس الوزراء.
في تلك اللحظة أصابتني الصدمة! قلت في نفسي: هل يعقل أنني ضيف في برنامج «الصدمة»؟ ذلك البرنامج الذي يضعك أمام مشهد تمثيلي، فتنتظر في نهايته أن يخرج أحدهم ليخبرك أن ما شاهدته لم يكن حقيقياً؟ لكن، للأسف، لم يكن برنامجاً تلفزيونياً، بل كان واقعاً عراقياً بكل تفاصيله.
ففي الوقت الذي يعاني فيه البلد أزمة مالية خانقة، ويعتمد اقتصاده بدرجة كبيرة على صادرات النفط، جاءت التطورات الاقتصادية والأمنية في المنطقة لتزيد الضغوط على موارده. وبينما تتحدث الأخبار عن عجز الموازنة والحاجة إلى الاقتراض الخارجي لتغطية النفقات، تتوسع المناصب الحكومية وتُستحدث وزارات جديدة. وهنا يبرز السؤال: كيف يمكن لدولة تواجه ضغوطاً مالية بهذا الحجم أن تبرر توسيع هيكلها الحكومي قبل أن توضح للمواطن كلفة هذه التوسعة ومردودها الفعلي؟
إن المشكلة لا تتوقف عند عدد الوزارات أو المناصب، بل تمتد إلى طبيعة النظام السياسي الذي تتوزع فيه المواقع وفق التفاهمات الحزبية والمحاصصة، بدلاً من أن يكون معيار الكفاءة والمصلحة العامة هو الأساس.
ويزداد المشهد إيلاماً حين يشعر المواطن بأن المحاصصة لم تعد تقف عند حدود الأحزاب والقوى السياسية، بل أخذت تثير تساؤلات لدى الناس عن النفوذ العائلي وتوارث المواقع، وكأن مؤسسات الدولة أصبحت حصصاً تُوزَّع بين أصحاب النفوذ، لا مسؤوليات تُمنح لخدمة الناس.
والمفارقة أن المواطن العراقي لا يحتاج إلى خبير اقتصادي ليشرح له معنى الأزمة؛ فهو يراها في تفاصيل حياته اليومية: في بدل الإيجار، وفواتير الكهرباء، وكلفة العلاج والتعليم، وفي محاولته المستمرة لتأمين لقمة العيش. أما الطبقة السياسية، فيبدو أحياناً أنها تناقش بلداً آخر، يعيش في عالم موازٍ، بعيداً عن مخاوف الناس وأعبائهم.
وإن استمرار هذا النهج، مع تفاقم الأزمة المالية وتراجع الموارد، قد يضع الدولة أمام تحديات أشد صعوبة. فالدول لا تُدار بتكثير المناصب، ولا تُحل أزماتها بتوزيع الكراسي، بل بإصلاح الاقتصاد، وترشيد الإنفاق، ومكافحة الفساد، وتقديم مصلحة المواطن على مصالح القوى المتنفذة.
وقد يسأل سائل: ما الحل؟ الحقيقة أنني لا أملك وصفة سحرية، لكنني أعرف أن الدولة التي تطلب من مواطنيها الصبر والتضحية عليها أن تبدأ بنفسها، وأن تقدم لهم نموذجاً في ترشيد الإنفاق وتحمل المسؤولية.
وفي نهاية ذلك الصباح، وجدت نفسي أحاول إقناع نفسي بأن ما سمعته لم يكن حقيقياً، وأنني ما زلت داخل برنامج «الصدمة»، وأن أحداً سيخرج بعد قليل ليقول لنا: لا تقلقوا، كان هذا مجرد مشهد تمثيلي!
انتهى الحديث في السيارة، لكن المشهد لم ينتهِ؛ ما زال العراق يدفع الثمن، وما زال المواطن يسدد الفاتورة.



#زيد_علي_الشمري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مجرد سؤال
- نظرية الدشاديش
- ثلاجة الموتى والتاهو
- الدولار و طبقة البيض
- جحا يعلّم كسنجر وغوبلز والسياسي الفاسد
- صناعة الأصنام... الخوف الجزء الرابع والأخير
- الهجرة إلى سؤال
- الطائفي ورواية العمى
- الفن ذاكرة الأجساد
- صناعة الأصنام – الجزء الثالث من يكسر مرآة الصنم؟ صراع العروش ...
- صناعة الاصنام الجزء الثاني المرآة و الصنم
- حين يخسر المنتصر
- صناعة الأصنام الجزء الأول: كيف يُصنع الصنم؟


المزيد.....




- -نكسة- ترامب الانتخابية.. ما الذي قد تعنيه لإيران وإسرائيل و ...
- كوشنر: واشنطن تسعى لمنع تجدد النزاع في أوكرانيا
- مندل: كييف ستضطر إلى الاستسلام إذا رفضت التسوية السلمية
- ترامب يقر بالهزيمة ويكشف السبب الحقيقي وراء صعود الديمقراطيي ...
- فيلدرز يتهم رئيس وزراء هولندا بتحويلها إلى -بلد شبه عربي-
- ماكرون: قمم الاتحاد الأوروبي كئيبة وافتقد كثيرا لميركل ودراغ ...
- ظهور انقسام في إدارة ترامب بشأن حرب إيران بعد الهزيمة في الا ...
- ماذا تعني نتائج انتخابات التجديد النصفي الأمريكية على المستو ...
- من حاوية النفايات إلى التسونامي الأزرق.. مقاطع تسخر من ترامب ...
- التجديد النصفي الأمريكي: أي تداعيات على الدول المغاربية؟


المزيد.....

- حين يصيح الولاء اقوى من الحقيقة / حسين محمود صالح
- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زيد علي الشمري - الصدمة